الدرس في شرح كتاب التوحيد 8، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح المقطع الأول وجوب التوحيد مستندًا إلى حديث ابن مسعود وأثر معاذ بن جبل، مع التركيز على الوصية النبوية ودلالات الآيات القرآنية. كما يتطرق إلى شرح إعرابي لكلمة 'الآية'.
يناقش هذا الفصل حقوق الله على العباد، وهي عبادته دون إشراك، وحقوق العباد على الله، وهي عدم تعذيب الموحدين، موضحًا أن هذا الحق هو حق إنعام وليس إلزام.
يتناول هذا الفصل نهي النبي لمعاذ عن إبلاغ الناس أن الموحدين سيدخلون الجنة، ويحلل ردود أفعال معاذ والفقهاء حول هذا النهي وتأويلاته المختلفة.
يختتم الدرس بدعاء بأن ينفع الله بما قيل، ويشدد على أهمية الصلاة على النبي وآله وصحبه، معبرًا عن الرغبة في رضا الله والتوفيق.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، لازلنا في باب الأول من كتاب التوحيد، في باب وجوب التوحيد. وأورد لنا المؤلف رحمه الله تعالى أولا الآيات القرآنية في قول كقوله تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾، وقوله تعالى: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾، وقوله تعالى: ﴿وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا﴾، وقوله تعالى: ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا﴾، قال، وقوله تعالى: ﴿قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئا﴾. هذه الآيات ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى في معرض كلامه على وجوب التوحيد، ودلالتها واضحة كما مر معنا في الدروس التي مضت. قال مؤلف رحمه الله تعالى: وقال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: «من أراد أن ينظر إلى وصية محمد صلى الله عليه وسلم التي عليها خاتمه فليقرأ قوله تعالى: ﴿قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم﴾ إلى قوله: ﴿وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل﴾ الآية». هذا الأثر عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه رواه الإمام الترمذي رحمه الله تعالى في سننه وحسنه. وهذا الأثر المروي عن ابن مسعود كما قال الشراح هو استنباط من ابن مسعود رضي الله تعالى عنه. وما الذي أراده ابن مسعود بقوله: «من أراد أن ينظر إلى وصية محمد التي عليها خاتمه فليقرأ» ثم ذكر الآية السابقة وهي: ﴿قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا﴾؟ قال العلماء: أراد ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن من أراد أن ينظر إلى الوصية التي كأنها كتبت، أي ما عندي الأصل ما عندي وصية كتبت، لا، لكن من باب التنزل يقول ابن مسعود: «من أراد أن ينظر إلى الوصية التي كأنها كتبت وختم عليها فلم تغير ولم تبدل فليقرأ هذه الآية». هذا المراد من قول ابن مسعود: «من أراد أن ينظر إلى وصية محمد التي عليها خاتمه»، وهو الختم. والأصل ما عندي وصية، لكن كأنه يقول: إذا أردت كأنك تريد وصية مكتوبة عن رسول الله، فهذه الوصية. ومنهم من قال: بأن المراد من كلام ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لو أراد أن يوصي لأوصى بما وصى به ربه. أن النبي لو أراد أن يوصي لوصى بما وصى به ربه سبحانه وتعالى. ولماذا عبر ابن مسعود رضي الله تعالى عنه بأمر الوصية: «من أراد أن ينظر إلى وصية محمد»؟ السبب في اختيار هذه التسمية وأنه سماها وصية لأن هذه الآيات التي استدل بها ابن مسعود رضي الله تعالى عنها قد ختمت جميعا: ﴿ذلكم وصاكم به﴾، ﴿ذلكم وصاكم به﴾، فهي وصية الله جل وعلا لخلقه. فأراد ابن مسعود رضي الله تعالى عنه إذا كانت هذه وصية الله لخلقه فهي كذلك من وصية نبينا لأمته، إذ أن وصايا النبي لا تخرج عن وصايا ربه. فهذا المراد من قول ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: «من أراد أن ينظر إلى وصية محمد». وأما الآية قد تم شرحها وذكرها وهنا فائدة ذكر المؤلف رحمه الله تعالى بعد قوله: «ولا تتبعوا السبل» قال: «الآية». وهذا مسلك إعرابي تجد أحيانا الآيات التي فيها طول وأراد المستدل بهذه الآية أن يقتصر من موضع الشاهد منها يكتفي بقوله: «الآية»، أي التكملة فيما بعد. لكن كيف تكون النطق بهذه الكلمة؟ وما وجهها الإعرابي؟ الوجه الإعرابي إخواني في الله لمثل هذه الكلمات: «الآية» تكون بالنصب، تقول: «الآية». أو كذلك في استدلال العلماء لبعض الأحاديث حديث طويل مثل: «إنما الأعمال بالنيات»، يقول قائل: وقد جاء في الحديث حديث عمر: «أنا رسول الله»، قال: «إنما الأعمال بالنيات»، ثم يقول: «الحديث». كيف تنطق «الحديث»؟ اقرأه بالنصب: «الحديث». وهكذا «الآية» يقول: «الآية». والتقدير: أكمل الآية، أكمل الحديث. هذا وجهه الإعرابي. ومن أهل العلم من يرى ويجوز الرفع، يجوز الرفع، لكن الأكثر على أنه يكون بالنصب. ولهذا لما قال مؤلف: «أن هذا صراط مستقيم فاتبعوه ولا تتبعوا السبل» ثم قال: «الآية»، تقول: «الآية»، مع التقدير الذي في بالك أن يكون: أكمل الآية. قال رحمه الله تعالى: وعن معاذ بن جبل، وهذا سيأتي وآخر حديث وآخر نص شرعي يستدل به المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب. قال: «وعن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه قال: كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار». وفي هذا المقطع من الفوائد أولا فيه تواضع النبي صلى الله عليه وسلم. وصلت من تواضعه عليه الصلاة والسلام أنه يركب ما تيسر له، إن تيسر له خيل ركب، وإن تيسر له إبل ركب، وإن تيسر له حمار ركب عليه الصلاة والسلام، فيركب ما تيسر له. وأنت هكذا يا عبد الله، إن تيسر لك أي مركوب اركب، سواء كان سيارة أو كانت شاحنة أو كانت دراجة، فلا ضير ولا عتب. وكذلك فيه فضيلة لمعاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه أن النبي خصه بأن يركب معه. وكذلك في هذا الحديث جواز الإرداف على الدابة، جواز الإرداف على الدابة يمكن في الدابة التي تركبها أن تجعل معك راكباً آخر وهو الإرداف، لكن هذا بشرط إذا كانت الدابة تستحمل وتطيق ذلك. فإن كان هذا يتعبها فلا يجوز الإرداف. وهل هذا ينسحب على باقي المركوبات؟ نعم ينسحب على باقي المركوبات. فمثلاً في بعض السيارات تجد فيها حمولة معينة مقرر عليها، إذن يلتزم صاحبها بهذه الحمولة. أو كذلك ما يتعلق بالدراجات النارية وتجد أن من الناس من لربما يركب في هذه الدراجة هو وآخر وآخر وآخر حتى أصبحت تحل محل سيارة أربع ركاب في الدراجة، وهذا مضر ليس فقط على المركوب بأن يتلفه، بل كذلك مضر حتى على الركاب من فقد التوازن أو لربما السقوط أو عدم السرعة المطلوبة. ولهذا كان من اللوائح المرورية المنع من ذلك، فوجب التقيد. قال عليه الصلاة والسلام قال: «فقلت لي يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله». وهذا المقطع أيضا فيه من الفوائد فيه إلقاء الخبر على صورة السؤال، نبينا صلى الله عليه وسلم يعرف الإجابة ويعرف الحكم الذي سيريد أن يدلي به، لكن خرجوا على مخرج السؤال. قال علماء: أن العلم إذا خرج على مخرج السؤال كان فيه شد الانتباه. وهذا كثيرا ما يكون في السنة النبوية: «أتدرون من المفلس؟» أنا بيعرف من هم المفلس، لكن أراد بهذا الطرح على أصحابه أن يلفت النظر، أن يعملوا الفكر في الجواب الذي سيسمعونهم من رسول الله عليه الصلاة والسلام. فقال عليه الصلاة والسلام: «أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟» قلنا: فيه جواز السؤال أو جواز الإخبار عن طريق طرح السؤال. فقال: «وفيه كذلك تخصيص العلم لقوم دون غيرهم»، إذ أن النبي خص معاذ بهذا كما سيأتي. فقال: «قلت الله ورسوله أعلم»، معاذ بن جبل بيّن أن هذا السؤال الذي طرح عليه ما يملك الإجابة، فماذا؟ فأحال العلم إلى الله. وهكذا ينبغي عبد الله الذي يسأل في مسائل الدين وما عنده علم ما يجوز أنك تتقحم هذا الباب وتتخرص في دين الله، فتجيب وتهرف بما تعرف وبما لا تعرف، وإنما قل: «الله أعلم»، تحيل الأمر والعلم إلى الله جل في علاه. وكذلك في هذه المسألة هذا الحديث: «قلت الله ورسوله أعلم»، هل يجوز إخواني في الله في مثل هذه الأزمان لو أن سائلا سألك بسؤال شرعي ديني؟ هل لك أن تجيب بقولك: «الله ورسوله أعلم»؟ أم أنك تقول: «الله أعلم»؟ هذه مسألة على أقوال. فمن أهل العلم من يقول: في هذه الأزمان لا، لا تقول: «الله ورسوله أعلم»، وإنما هذه اللفظة خاصة بحياته وبوجوده عليه الصلاة والسلام، فبعدما توفاه الله جل في علاه عليك أن تقول: «الله أعلم»، هذا قول. ومن أهل العلم من يقول: لا، ما في شيء، لك أن تقول: «الله ورسوله أعلم»، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أعطاه الله علم الوحي، قد أعطاه الله علم الوحي فهو يعلم. لكن بشرط أن يكون السؤال في المسائل الدينية الشرعية، فلا تأتي إلى مسألة دنيوية بحتة متعلقة بعلوم الدنيا من الجغرافية والفيزياء والكيمياء والصناعة والتطور والتكنولوجيا، فتسأل بسؤال عن هذه الفنون مثلا ثم تقول: «الله ورسوله أعلم»، لا، هذا ما يتعلق بالعلم الذي أوتيه نبينا عليه الصلاة والسلام. فالذي يقول بجواز أن تقول: «الله ورسوله أعلم» يشترط عليك شرط أن يكون هذا السؤال في المسائل الدينية الشرعية. وأما القول الأول يقول: لا، مطلقا، سواء كان سؤال ديني أو شرعي، لا تقول: «الله ورسوله» وإنما قل فقط: «الله أعلم». وفي قوله عليه الصلاة والسلام: «أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟» قال: «قلت الله ورسوله أعلم»، فقال عليه الصلاة والسلام: «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا». وهذا هو الشاهد من هذا الحديث، فأعظم حق أمر الله جل وعلا العباد بأدائه وتأديته، وأن يتوجه إليه سبحانه وتعالى هو أن يفردوه بالعبادة، فلا يشركوا معه شريكا. قال: «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا». وقد مر معنى أن النكرة في مثل هذا السياق تدل على العموم، فلا تشرك يا عبد الله لا شركا أكبر ولا شركا أصغر، ولا قول ولا فعل، ولا ظاهر ولا باطن، ولا شيء من صور الشرك. فهذا من أعظم الحقوق التي يطالب الله جل وعلا العباد بتأديتها. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا». وهذه فضيلة عظيمة للموحدين، فضيلة عظيمة لأهل التوحيد، أن من وحد الله حق توحيده فما أشرك بالله جل وعلا شيئا، لا ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا، لا صنما لا وثنا، لا قبرا ولا وليا ولا نبيا، لا حيا ولا ميتا، لا شجرة ولا صفرة ولا حجر ولا شيء. وإنما عبد الله وحده، قال عليه الصلاة والسلام: «وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا». إلا أن هذا الحق، هل هذا حق استحقاق؟ أي أن العباد يطالبون الله بذلك لأنهم يستحقون هذا الجعب؟ لا، بل هذا حق حق كما يسميه العلماء حق ماذا؟ حق إنعام، ليس حق إلزام، وإنما هو حق إنعام، ربنا جل وعلا جعل هذا الحق لنفسه أنه سبحانه وتعالى لا يعذب من لا يشرك به شيئا، فهو حق إنعام وتلطف من الله جل وعلا، لا حق مقابله، ولا حق إجزاء. إذ أن الناس إخواني في الله لن يدخل أحد من الجنة بعمله كما قال عليه الصلاة والسلام: «لا يدخل أحد منكم الجنة بعمله»، قالوا: «ولا أنت يا رسول الله؟» قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته». أعمالنا أعمالنا لو جعلناها مقابل الجنة لا شيء، لا شيء. بل تخيل يا عبد الله المدة الزمنية كم عساك أن تعيش في الدنيا؟ سبعين سنة، مئة سنة، لك مئة سنة عيشها يا عبد الله عابدا متعبدا لله، لكن بالمقابل ماذا ستقابل؟ ستلقى من النعيم جنة أبدية الآبدين، مئة سنة، ألف سنة، آلاف السنين، هل هذا يقابل بهذا؟ الجواب: لا، ما يقابل بهذا. فأنت عندما تدخل الجنة ليس بعملك، أعمالك ليس بشيء. ولهذا قال نبي: «لا يدخل أحد منكم الجنة بعمله»، وإنما هي رحمة الله، رحمة الله يمن على عباده أن يوفقهم بالأعمال حتى يجعلها سبب في أن يدخلوا الجنة. وهكذا هذا الحق، فربنا جعل هذا الحق على نفسه ليس حق إلزام، ولا حق مقابلة. فإن العباد لا يستحقون شيئا مجازاة على فعلهم بدخولهم الجنة، وإنما هو حق إنعام. سمي الله سبحانه وتعالى: «حق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئا». قال: «فقلت يا رسول الله أفلا أبشر الناس؟» هذه بشرى عظيمة عندما تعلم أن الموحد يدخله الله الجنة، وأن الله لن يعذب أحدا عمد وحده، كانت هذه بشرى عظيمة عند معاذ حتى أنه مالك نفسه وأراد أن يخرج للناس ويبشر الناس بهذه البشارة. قال: «يا رسول الله أفلا أبشر الناس؟» والبشارة هو الإعلام بالخبر السار، البشارة هو الإعلام بالخبر السار. وفي هذه فائدة من معاذ أنه يشرع للمسلم أن يبشر إخوانه. وهذا خلق عظيم متى ما جاءتك بشارة يا عبد الله لأحد إخوانك عجل، عجل بإيصالها. وهذا الذي يكون في الأخبار السارة، أما ما دون ذلك لا يا عبد الله، مثاله الأخبار المحزنة، لا تسارع إلى إبلاغ الناس عنها. أو الأخبار المفزعة كالأراجيف والإشاعات التي يبثها الناس، والذي تحمل في طياتها الإرجاف وإحداث القلق وإقلاق السكينة العامة، هذه الأخبار لا تعجل كما نرى كثير من الناس في الواتس، أول ما أتيه خبر عاجل وفيه شيء من الأشياء المخيفة نشر، نشر، تنشر ماذا يا عبد الله؟ هل هذه بشارة تساعد على نشرها؟ لهذا ليس بخبر سار الذي يساعد على نشره. يا عبد الله كل خبر سار هذا سارع وعجل في إخبار الناس به حتى تزيد الفرحة بين بلاد الإسلام. أما الخبر ليس بسار كالمفزع والمزعج يا عبد الله هذا التباطؤ ولا تنشره، وليس هذا محل نشر. فقلت: «يا رسول الله أفلا أبشر الناس؟» قال: «لا تبشرهم فيتكلوا». نهاه نبينا صلى الله عليه وسلم عن بشارة الناس لماذا؟ حتى لا يتكلوا. لعل أحدا يسمع بهذا وأن الله لا يعذب أحدا وحدا فلربما ركنوا على قضية التوحيد فتركوا الأعمال. فليخوف النبي من هذا المظنة التي يظنها بعض الناس أمر معاذ أن يكف ولا ينشر هذا الخبر. وبهذا تعلم يا عبد الله أن النصوص الشرعية تعتبر علاجا تعتبر دواء. فلربما تنفى مع بعض الناس دون بعضهم، وليس العبرة وليس العلة في النصوص حاشا وإنما العلة في أفهام الناس. فبعض الناس ما يفهم، فمثلا لا تأتي عند رجل هو مسرف في الذنوب والمعاصي، مسرف في الذنوب والمعاصي، ثم تأتي له بآيات الرجاء، هذا ماذا سيفعل بآيات الرجاء؟ سيزيد في عتوه وإن زنى وإن سرق، وإن زنى وإن سرق، لو كان موحدا فيزيد في زنى ويزيد في سرقته متكيا على نصوص الرجاء. هذا ما يعطى هذه النصوص التي تفتح لهم ماذا؟ باب المعصية. ولهذا نهى نبينا معاذا أن يبشر الناس مع أنه حكم شرعي، لكن هذا الحكم الشرعي لا ربما أدخل بعض الناس إلى ما لا تحمد عقباه. فقال: «لا تبشرهم فيتكيلون». نختم إخواني في الله هذا المجلس بفائدة ألا وهي نبينا نهى معاذ عن تبليغ الناس بهذه القصة وبهذا الحكم. قال: «لا تبشرهم» لكن الحديث عندنا الآن نقرأه الآن بمعنى أن معاذ بشر الناس وأخرج الخبر. والدليل أن هذا الحديث بأيدينا والناس يتحدثون. والنبي يقول: «يا معاذ لا تبشر الناس» وهو معاذ قد بشر الناس، فعلى ماذا يحمل هذا الفعل من معاذ؟ كيف أن النبي منعه من التبليغ وها هو قد بلغ بدليل أن حديثه في دواوين السنة؟ قال علماء: يحمل هذا على عدة محامل، المحمل الأول أن معاذا رضي الله تعالى عنه ما فهم من ذلكم التحريم، علم أن الحكم ليس للتحريم وأنه للكراهة، ثم وجد أن المصلحة تقتضي التبليغ فبلغ. هذا الوجه الأول. الوجه الثاني أن معاذا فهم من النهي أن النهي لا يكون لعامة الناس. لا تخرج للناس كافة وتنادي بهم الصغير والكبير والذكر والأنثى والعالم وغير العالم الكل يسمع فربما فهم ما لا يحمد فهمه. فعلم معاذ أن النهي لعامة الناس، وأما إذا خص بعض الناس فلا بأس. ولهذا خص هذا الحديث لبعض الناس، ومنه اشتهر، ومنه انتقل إلى غيره. هذا المعنى الثاني. المعنى الثالث أن معاذ علم أن هذا الحديث معلول بعلة، وعلته هذا الحديث الاتكاء على الوحدانية فقط، وأن يكون الرجل موحدا على أنه يترك الأعمال. هذا العلة. ثم أن معاذ لما فتح الله على الدنيا وزادت الدعوة ورأى أن الناس لا فهموا الدين وأخذوا يعملون بالتوحيد ويعملون بالأعمال والأركان وعلموا أن الجنة تحتاج إلى عقيدة وإلى عمل. لما اطمأن معاذ أن العلة زالت حينها بشر الناس. وهذا الذي رجعه الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى في شرحه. هذا يا إخواني في الله ما يتعلق بهذا الحديث من مسائل وأحكام. أسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.