الدرس في التعليق على كتاب السيرة النبوية من تاريخ الإسلام للذهبي 47، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يروي الذهبي كيف زار الجن سواد بن قارب الكاهن في منامه ثلاث ليالٍ يحثونه على اللحاق بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم في مكة، فاستجاب وسافر حتى أسلم بين يديه. ويذكر المقطع لقاءه بالنبي وإلقائه شعراً يصف رؤياه، مع تنبيه على اختلاف الرواة في صحة الحديث ورواية عمر بن الخطاب له.
يسرد المقطع روايات متعددة عن إخبار الجن ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم، منها قصة سواد، والصوت من جوف العجل، وتابع المرأة في المدينة. ثم يناقش أسانيد هذه الروايات مبيناً ضعفها وانقطاعها وجهالة بعض رواتها، ويخلص إلى أن عامة هذه الأحاديث واهية الإسناد.
يتناول الفصل الذي أورده الحافظ الذهبي في سيره خبر إخبار الجن ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم جامعاً لتلك الروايات. ويختتم المتحدث العرض مشيراً إلى الاكتفاء بهذا القدر من الشرح وشكر المشاهدين على المتابعة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد ذكر المؤلف رحمه الله الإمام الذهبي رحمه الله فيما ورد من هواتف الجن وأقوال الكهان، بما جاء في بعثة النبي عليه الصلاة والسلام أو غيره، فذكر ما حصل لعمر رضي الله عنه في قوله لرجل: «أنت كاهن في الجاهلية». فقال الذهبي رحمه الله: ويشبه أن يكون هذا الكاهن هو سواد بن قارب المذكور في حديث أحمد بن موسى الحمار الكوفي، قال: حدثنا زياد بن يزيد القصري، قال: حدثنا محمد بن التراس الكوفي، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبي إسحاق. وأبو بكر بن عياش في حديثه شيء، خاصة عن أبي إسحاق وغيره، لكن هذا في الشواهد عن البراء. قال: بينا عمر يفقب، إن قال فيكم سواد بن قارب، فلم يجبه أحد تلك السنة. فلما كانت السنة المقبلة قال: فيكم سواد بن قارب؟ قالوا: ما سواد بن قارب؟ قال: بدء إسلامي شيء عجب. فبينا نحن كذلك اطلع سواد بن قارب، فقال له: حدثنا ببدء إسلامك يا سواد. قال: كنت نازلاً بالهند، وكان لي رأي من الجن. فبينا أنا ذات ليلة نائم، أتاني في منام ذلك، قال: قم فافهم واعقل إن كنت تعقل، وقد بعث رسول من لؤي بن غالب. ثم أنشد يقول: عجبت للجن وأنجاسها وشدها العيس بأحلاسها العيس: معنى العبل البيض نهو إلى مكة تبغي الهدى تهو إلى مكة تبغي الهدى ما مؤمنوها مثل أرجاسها فانهض إلى الصفوة من هاشم واسمع بعينيك إلى راسها أنا يقول له الجن هذا الكلام: عجبت للجن وأنجاسها، وشدها العيس بأحلاسها، أن تحبس العيس في الكساء وتضع على ظهر الجمد حتى تذهب إلى مكة تبغى الإيمان، وتبغى أيضاً مقابلة الرسول من بني هاشم. ثم قال: يا سواد، إن الله قد بعث نبياً، فانهض إليه تهتدي وترشد. أنا هذا الرأي الذي كان لسواد، لعله أسلم. قال: فلما كان من الليلة الثانية أتاني فأنبهني، ثم قال: عجبت للجن وتطلى بها وشدها العيس بأقتابها تهوي إلى مكة تبغي الهدى ليس فدامها كأذنى بها الفدام: هو الذي يوضع في الفم فانهض إلى الصفوة من هاشم واسمع بعينيك إلى نابها قال: فلما كانت الليلة الثالثة أتاني فأنبهني، ثم قال: عجبت للجن وتخبارها وشدها العيس بأكوارها تهوي إلى مكة تبغى الهدى ليس ذو شرك أخيارها فانهض إلى الصفوة من هاشم ما مؤمن الجن كالكفارها قال: فوقع في قلب سواد بن قارب حب الإسلام، وشددت رحلي حتى أتيت النبي عليه الصلاة والسلام، فإذا هو بالمدينة والناس عليه كعرف الفرس. فلما رآني قال: «مرحباً بسواد بن قارب، قد علمنا ما جاء بك». قلت: يا رسول الله، قد قلت شعراً فاسمعه مني: أتاني رأيي بعد ليل هجعة ولم يك فيما قد بلوتك بكاذب ثلاثة ليال قوله كل ليلة أتاك نبي من لؤي بن غالبي فشمرت عن ساق الإزار ووسط به الذعلب الوجناء عند السباسبي وذعلب: يقول هنا الناق السريعة، والوجناء: الشديدة، وعند السباسبي: المفازة. أنه جاء بالناق يسرع. فأشهد أن الله لا شيء غيره وأنك مأمون على كل غائب وأنك أدنى المرسلين شفاعة إلى الله يبنى الأكرمين الأطائب فمرنا بما يأتيك يا خير من مشى وإن كان فيما جاء شيء بالثوائب فكل شفيعاً يوم لا ذو شفاعة سواك بمغن عن سواد بن قاربي قال: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لي: «أفلحت يا سواد». فقال له عمر: هل يأتيك رأيك الآن؟ قال: منذ قرأت القرآن لم يأت، ونعم العوض كتاب الله من الجن. وهذا ذكره الإمام البيهقي في دلائل النبوة، وذكره أيضاً أكثر أهل السيرة، وذكره البخاري في ترجمة محمد بن تراس، وضعف هذا الرجل. قال الإمام الذهبي رحمه الله: هذا حديث منكر بالمرة، ومحمد بن تراس وزياد مجهولان لا تقبل روايتهما، وأخاف أن يكون موضوعاً على أبي بكر بن عياش. ولكن أصل الحديث مشهور، أصل الحديث في الرؤيا كما ذكره قبل، لكن تسميته بسواد بن قارب لم يثبت. وقال: وقد قال أبو يعلى الموصلي، وعلي بن... قال: حدثنا علي بن شيبان، قال: حدثنا يحيى بن حجر الشامي، قال: حدثنا علي بن منصور العبناوي، قال: حدثنا أبو عبد الرحمن الوقاصي. وهؤلاء الثقات عن محمد بن كعب القرظي. قال: بينما عمر جالس إذ مر به رجل، فقال قائل: أتعرف هذا؟ قال: ومن هو؟ قال: سواد بن قارب. فأرسل إليه عمر، فقال: أنت سواد بن قارب؟ قال: نعم. قال: أنت الذي أتاه رأيه بظهور النبي عليه الصلاة والسلام؟ قال: نعم. قال: فأنت على كهانتك. فغضب وقال: ما استقبلني بهذا أحد منذ أسلمت. قال عمر: سبحان الله، ما كنا عليه من الشرك أعظم. قال: فأخبرني بإتيانك رأيك بظهور رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قال: كنت على كهانتك لما جاءك الرؤيا. فغضب من ذلك، قال: ما استقبلني بهذا أحد منذ أسلمت. فقال عمر: سبحان الله، ما كنا عليه من الشرك أعظم. ثم قال له: اتنا بخبره وكيف عرفت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فقال: بينا أنا نائم ذات ليلة، بين النائم واليقظان، إذ أتاني فضربني، أي: أتاه هذا الجن برجله، وقال: قم يا سواد بن قارب، اسمع مقالتي واعقل إن كنت تعقل، إنه قد بعث رسول من لؤي بن غالب يدعو إلى عبادة الله. ثم ذكر الشعر قريباً مما تقدم. ثم أنشد عمر يقول: كنا يوماً في حي من قريش يقال لهم آل ذريح، وقد ذبحوا عجلاً والجزار يعالجه، إن سمعنا صوتاً من جوف العجل ولا نرى شيئاً، وهو يقول: يا آل ذريح أمر نجيح صائح يصيح بلسان فصيح يشهد أن لا إله إلا الله قال أبو عبد الرحمن: اسمه عبد الرحمن، اسمه عثمان بن عبد الرحمن، هذا الوقاصي. قال: متفق على تركه، وعلي بن منصور فيه جهالة، مع أن الحديث منقطع. وقد رواه الحسن بن سفيان، ومحمد بن عبد الوهاب الفراء، عن بشر بن حجر أخي يحيى بن حجر، عن علي بن منصور، عن عثمان بن عبد الرحمن، بنحوه. وقال ابن عدي في الكامل: حدثنا الوليد بن حماد بن ربلة، قال: حدثنا سليمان بن عبد الرحمن، قال: حدثنا حكم بن يعلى المحاربي، قال: حدثنا أبو معمر عباد بن عبد الصمد، قال: سمعت سعيد بن جبير يقول: أخبرني سواد بن قارب، قال: كنت نائماً على جبل من جبال الشراح، فأتاني آت فضربني برجله، وقال: قم يا سواد، أتى رسول من لؤي بن غالب. فذكر الحديث. كذا فيه: سعيد يقول أخبرني سواد. وعباد ليس بثقة، يأتي بالطامات. معنا: عباد هذا ابن عبد الصمد. وقال معمر عن الزهري عن علي بن الحسين: أول ما سمع بالمدينة أن امرأة من أهل يثرب تدعى فقيمة، كان لها تابع من الجن، فجاء يوماً فوقع على جدارها، فقالت: ما لك لا تدخل؟ قال: إنه قد بعث نبي يحرم الزنا. فحدثت بذلك المرأة عن تابعها من الجن، فكان أول خبر تحدث به بالمدينة. وهذا إسناد صحيح إلى علي بن الحسين. وقال يحيى بن يوسف الزمعي: حدثنا عبيد الله بن عمر عن عبد الله بن محمد بن عقيل، وعبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب الهاشمي، وفيه ضعف في حفظه. قال: عن جابر قال: أول خبر قدم عن النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، أن امرأة كانت لها تابع، فجاء في صورة طائر حتى وقع لحائط دارهم، فقالت له المرأة: انزل. فقال: لا، إنه قد بعث بمكة نبي يحرم الزنا، قد منع منا القرار. وفي الباب عدة أحاديث، عامتها واهية الإسناد. فهذا الفصل عقده الحافظ الذهبي في إخبار الجن ببعثة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ونكتفي بهذا، والله تعالى شكراً للمشاهدة.