الدرس في التعليق على كتاب السيرة النبوية من تاريخ الإسلام للذهبي 48، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يسرد المقطع واقعة انشقاق القمر في مكة قبل الهجرة كما رواها أنس بن مالك وعبد الله بن مسعود، موضحاً أن القمر انشق نصفين رُئي أحدهما على جبل أبي قبيس والآخر دونه. وتخريج الأحاديث في الصحيحين وغيرهما يؤكد صحة الرواية وتفاصيلها.
يروي المقطع أحاديث متواترة عن انقسام القمر فلقتين على جانبي الجبل بحضور الصحابة، وآية للنبي صلى الله عليه وسلم. واجهت قريش هذه المعجزة بالإنكار ونسبوها إلى سحر "ابن أبي كبشة"، واستدلوا بقدوم السفار الذين أكدوا رؤيتهم للانقسام.
يستعرض المقطع أسانيد متعددة لحديث انشقاق القمر من الصحيحين وغيرهما، مبيناً أن أكثر من عشرة صحابة رووا هذه المعجزة مما يدل على تواتر الخبر. كما يذكر رواية جبير بن مطعم رضي الله عنه الذي شهد الانشقاق وهو بمكة قبل إسلامه مع توثيق طرق الرواية.
طلبت قريش من النبي محمد صلى الله عليه وسلم آية تثبت نبوته، فانشق القمر نصفين بأمر الله، وقال النبي: اشهدوا هذه آية. رغم ذلك، عاند كفار قريش وادعوا أن ذلك سحر ولم يؤمنوا.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الحافظ الذهبي رحمه الله: انشقاق القمر، انشقاق القمر، هذه آية حدثت والنبي عليه الصلاة والسلام في مكة، أن انشق القمر نصفين كما سيأتي في الأحاديث. قال الله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾، ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾، ﴿وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾. قال شيبان عن قتادة عن أنس: إن أهل مكة... شيبان هو ابن عبد الرحمن النحوي، قال عن قتادة عن أنس أنه قال: إن أهل مكة سألوا نبي الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يريهم آية، فأراهم من شقاق القمر مرتين. أخرجه من حديث شيبان، لكن لم يقل البخاري "مرتين". المعنى في رواية البخاري لم يقل "مرتين"، والظاهر "مرتين" هنا نصفين، وليس أنه انشق مرتين. وقال معمر عن قتادة عن أنس مثله، وزاد: فانشق فرقتين مرتين. وللبخاري نحوه عن ابن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجاه من حديث شعبة عن قتادة، أي عن أنس. وقال ابن عيينة وغيره عن ابن أبي نجيح، وهو المكي عبد الله بن أبي نجيح، وهو ثقة إلا أنه مرجئ، عن مجاهد، عن نبي معمر، وهو عبد الله بن سخبرة من أصحاب عبد الله بن مسعود، عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: رأيت القمر منشقًا شقتين بمكة قبل مخرج النبي عليه الصلاة والسلام، شق علينا قبل مخرج... قبل أن يخرج من مكة، قال: شقة على أبي قبيس، وشقة على السويداء، فقالوا: سحر القمر، أو سحر القمر. قوّاه مسلم. قال: ولفظ عبد الرزاق عن ابن عيينة: وأراد قبل مخرج النبي عليه الصلاة والسلام يعني إلى المدينة، وانشق القمر، وكان من نظر إليه وهو على جبل أبي قبيس، وهو من الجبال الكبيرة في مكة، يرى أن فلقة بعد الجبل، وفلقة أخرى قبل الجبل، انشق نصفين القمر حتى رآه أهل مكة. قال: وأخرجاه عن عمر بن حفص عن أبيه عن الأعمش، قال: حدثنا إبراهيم عن أبي معمر عن عبد الله، أيضًا ابن مسعود، قال: انشق القمر ونحن مع رسول الله، ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم، فصارت فلقة من وراء الجبل، وفلقة دونه، فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم: اشهدوا، أن اشهدوا بهذا أنها آية. فهم طلبوا آية من النبي عليه الصلاة والسلام، فانشق القمر أمامهم. قال: وأخرجاه من حديث شعبة عن الأعمش. وقال أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثنا أبو عوانة عن مغيرة، وهو ابن مقسم، عن أبي الضحى المسروق عن عبد الله المسعود، أنه قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم، فقالت قريش: هذا سحر ابن أبي كبشة، عن بدل ابن أبي كبشة، يريدون النبي عليه الصلاة والسلام، ونسبوه إلى ابن أبي كبشة لأنه هو الذي خالف دين المشركين، وهو رجل من أزد، خالف دين قريش في عبادة الأوتان، فنسبوه إليه، ينسبون النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا أبي كبشة، فيقولون: ابن أبي كبشة. فقالوا: هذا سحر ابن أبي كبشة، وهذا بدل أن يؤمنوا لأنهم طلبوا الآية فجاءتهم هذه الآية، لكنهم معاندون، فقالوا: انظروا ما يأتيكم به السفار، فإن محمدا لا يستطيع أن يسحر الناس، الناس كلهم. فجاء السفار، فقالوا: ذلك صحيح، أنا قالوا... هؤلاء المكة ظنوا أنهم أهل عقول وهل ذكاء، قالوا: لعل هذا سحرنا محمد حتى جعلنا نرى القمر نصفين، لكن انظروا السفار الذين يأتون من سفر، هل رأوا مثل ما رأينا؟ فلما جاء السفار فسألوهم، وقالوا: نعم رأينا ذلك، رأينا القمر لما انشق في القلتين. قاله شيبان عن مغيرة نحوه. وقال بكر بن مضر عن جعفر بن ربيعة عن عراك بن مالك عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس أنه قال: إن القمر انشق على زمان رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم. متفق عليه من حديث بكر بن مضر. قال: وقال شعبة عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عمر، وهذه كل حديث الصحيحين أو في أحدهما. وقال شعبة عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عمر في قول: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾، قال: قد كان ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم، انشق فلقتين، فلقة من دون الجبل، وفلقة من خلف الجبل، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: اللهم اشهد. أخرجه مسلم. وهذا يدلك على أن النبي عليه الصلاة والسلام قد رواه، أو هذه الحادثة رواها عن النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من عشر من الصحابة، أو أكثر، فقط في الصحيحين قرابة ستة أو سبعة من الصحابة، وأيضًا بأسانيد كثيرة، فهذا يدل على التواتر، على أن هذا الخبر متواتر، أي انشقاق القمر. وقال إبراهيم بن طهمان، وأيضًا الله عز وجل قد ذكره: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾. وقال إبراهيم بن طهمان، فهو ثقة، وهو شيبان، أي ابن بشير، عن حسين، أي ابن عبد الرحمن، عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن جده، أي جبير بن مطعم رضي الله تعالى عنه، قال: انشق القمر ونحن بمكة على عهد رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم. وكذا رواه أبو قدامة، وجبير لم يسلم إلا بعد الهجرة، جبير بن مطعم أسلم بعد الهجرة، وكان في أسرى بدر، لكن يحكي ذلك على أنه رآه وهو في مكة. قال: وكذا رواه أبو قدامة والمفضل بن يونس عن حسين، ورواه محمد بن كثير عن أبي سليمان بن كثير عن حسين، أي ابن عبد الرحمن، عن محمد بن جبير عن أبيه، والأول أصح، وهو شيخ من معني، أو تق الناس في حسين، فهذا أو هذه الحديث كلها في انشقاق القمر الذي حصل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، لما كان في مكة، فطلبوا... فطلبت قريش من النبي عليه الصلاة والسلام أن يأتي بآية، قالوا: إن كنت رسولًا فأتِ لنا بآية حتى نصدق أنك رسول، فجعل الله عز وجل القمر انشق نصفين، شق القمر نصفين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اشهدوا، هذه آية، هذه آية من الله جل وعلا على هؤلاء كفار قريش، لكنهم عاندوا وتحججوا بأن هذا سحر، وأن هذا كذا. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.