الدرس في قبس من السيرة النبوية 23، تابع الحوادث التي تمت له قبل بعثته عليه الصلاة والسلام . ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
حدث خلاف بين قبائل قريش حول وضع الحجر الأسود أثناء بناء الكعبة، وحل النبي محمد المشكلة بذكاء. وضع الحجر في ثوب ورفعه ممثلو القبائل معًا ثم وضعه النبي في مكانه.
ظهرت حكمة النبي في حل نزاع وضع الحجر الأسود، ويتجلى ذلك في حسن خلقه ورجاحة عقله. يستفاد من هذه القصة أهمية دور المسلم الفعال.
كان العرب الكفار يتفانون في بناء الكعبة ويتنافسون في خدمتها، ويستنبط منه أهمية تعظيم بيت الله. يشدد على ضرورة استخدام المال الحلال في هذه الأعمال.
يختتم المتحدث دروسه حول مبحث عظيم من حياة النبي، ويعد بمتابعة مسائل متعلقة في دروس قادمة. يختم بالدعاء والصلاة على النبي.
إِنَ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ، فَلَسْنَا يَا إخْوَانِي فِي اللَّهِ فِي هَذَا الْمَبْحَثِ مِنْ الْحَوَادِثِ الَّتِي وَقَعَتْ لِنَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِبِنَاءِ الْكَعْبَةِ، وَمَضَى مَعَنَا السَّبَبُ فِي قُدُومِ قُرَيْشٍ عَلَى هَذَا الْمَشْرُوعِ، وَهُوَ هَدْمُ الْكَعْبَةِ، وَذَلِكَ لِلضَّرَرِ الَّذِي لَحِقَ بِبِنَائِهَا مِنْ جَرَاءِ ذَلِكَ السَّيْلِ، كَمَا جَاءَ ذِكْرُهُ فِي الْبُخَارِيِّ، وَكَيْفَ أَنَّ قُرَيْشًا اشْتَرَطَتْ شُرُوطًا فِي هَذَا الْبِنَاءِ، بِأَنْ يَكُونَ مِنْ حَلَالِ الْمَالِ لَا مِنْ حُرْمَتِهِ، وَتَعَاوَنَ الْجَمِيعُ عَلَى بِنَائِهِ بَعْدَ التَّرَدُّدِ. فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّ الْأُمُورَ قَدْ سَارَتْ عَلَى أَحْسَنِ حَالٍ، قَدَّمَ الْجَمِيعُ الْهَدْمَ، ثُمَّ قَامَ الْجَمِيعُ بِالْبِنَاءِ عَلَى حَسَبِ الْخُطَّةِ الْمَوْضُوعَةِ لِهَذَا الْبِنَاءِ، مِنْ تَشْرِيكِ جَمِيعِ الْقَبَائِلِ فِي هَذَا الْبِنَاءِ، وَتَمَّتْ بَعْضُ الْحَوَادِثِ عَلَى حَسَبِ الرِّوَايَاتِ، وَعَلَى حَسَبِ تَصْحِيحِ الْعُلَمَاءِ لَهَا. وَقَدْ وَقَعَتْ حَادِثَةٌ لِنَبِيِّنَا، وَهِيَ مَا كَانَ مِنْ حِفْظِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا لِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حِينَ أَرَادَ أَنْ يَكْشِفَ عَوْرَتَهُ، وَذَلِكَ لِكَيْ يَكُونَ ذَلِكَ أَعْوَنَ لَهُ فِي الْعَمَلِ، ضَرَبَ اللَّهُ جَلّ وَعَلَا عَلَى قَلْبِهِ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ وَغُشِيَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَمَا اسْتَفَاقَ إلَى أَنْ يَقُولَ: «إِزَارِي إزَارِي»، فَمَا بَدَتْ عَوْرَتُهُ بَعْدَ ذَاكَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَنُوَاصِلُ الْحَدِيثَ، وَلَمَّا كَادَ الْبِنَاءُ أَنْ يُفْرِغَ، وَلَمَّا كَادَتْ قُرَيْشٌ أَنْ تَنْتَهِيَ مِنْ الْبُنْيَانِ، وَقَعَتْ مُشْكِلَةٌ وَمُعْضِلَةٌ كَادَتْ أَنْ تُفْسِدَ عَلَى النَّاسِ هَذَا الْأَمْرَ، وَأَنْ تَقَعَ مَقْتَلَةٌ، وَأَنْ تَقَعَ كَذَلِكَ مَجْزَرَةٌ بَيْنَ قَبَائِلِ قُرَيْشٍ وَبَيْنَ سَائِرِ الْعَرَبِ، وَهُوَ الْخِلَافُ فِي وَضْعِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ. فَالْعَرَبُ تَعْرِفُ شَرَفَ هَذَا الْحَجَرِ، وَلَا يُخْفَى عَلَيْهِمْ مَا كَانَتْ لَهُ مِنْ هَيْبَةٍ وَعَظَمَةٍ فِي قُلُوبِ النَّاسِ، فَكَانَ الْكُلُّ يَتَطَلُّعُ إلَى أَنْ يَتَشَرَّفَ بِأَنْ يَضَعَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ بِيَدِهِ. وَرَوَى أَبُو دَوُدَ الطَّيَالِسِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: «لَمَّا انْهَدَمَ بِنَاءُ الْكَعْبَةِ بَعْدَ جُرْهُمَ بَنَتْهَا قُرَيْشٌ، فَلَمَّا أَرَادُوا وَضْعَ الْحَجَرِ تَشَاجَرُوا، فَاتَّفَقُوا أَنْ يَضَعَهُ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ مِنْ هَذَا الْبَابِ». فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ، وَهَذَا مِنْ لُطْفِ التَّدْبِيرِ مِنْ لُطْفِ تَدْبِيرِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا أَنْ يَسَّرَ لِمَبْعَثِ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ وَفِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ. قَالَ: فَأَمَرَ بِوَضْعِ الْحَجَرِ فِي وَسَطِهِ، وَأَمَرَ كُلَّ فَخِذٍ أَنْ يَأْخُذُوا بِطَائِفَةٍ مِنْ الثَّوْبِ، فَرَفَعُوهُ مِنْ حِلْيَتِهِ الَّتِي أَتَى بِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، أَنَّهُ مَا عَيَّنَ قَبِيلَةً دُونَ أُخْرَى، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يُشَارِكَ الْجَمِيعَ كَحَلٍّ وَسَطٍ، يُشَارِكُ الْجَمِيعَ كَحَلٍّ وَسَطٍ حَتَى يَرْضَى الطَّرَفَانِ. فَقَامَ نَبِيُّنَا وَأَمَرَ بِثَوْبٍ، بُسِطَ هَذَا الثَّوْبُ، أَيْ رِدَاءٌ، وَأَمَرَ بَلْ هُوَ قَامَ بِوَضْعِ الْحَجَرِ فِي وَسَطِ الثَّوْبِ، ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ مِنْ كُلِّ رَأْسٍ مِنْ رُؤُوسِ الْقَبَائِلِ أَنْ تَأْتِيَ وَتَأْخُذَ بِطَرَفٍ مِنْ الثَّوْبِ، ثُمَّ يَقُومُ الْجَمِيعُ بِحَمْلِهِ. وَفِي هَذِهِ الْمُشَارَكَةِ وَإِشْرَاكِ الْجَمِيعِ حَتَى لَا يَتَمَيَّزَ أَحَدٌ عَنْ الْآخَرِ. قَالَ: فَأَمَرَ كُلَّ فَخِذٍ أَنْ يَأْخُذَ بِطَائِفَةٍ مِنْ الثَّوْبِ فَرَفَعُوهُ، وَأَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ فَوَضَعَهُ. أَيْ رَفَعَ الْقَوْمُ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ مِنْ بُقْعَتِهِ حَتَى قَرَّبُوهُ إلَى مَحَلِّهِ، ثُمَّ قَامَ نَبِيُّنَا وَتَوَلَّى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَضْعَ الْحَجَرِ بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ، أَدْخَلَهُ. وَبِهَذَا انْتَهَى الْمَاذَا الشِّجَارُ. وَهَذَا حِينَ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ وَصَحَّحَهُ، وَوَافَقَهُ الذَّهَبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَكَذَلِكَ حَسَّنَهُ شَيْخُ الْأَلْبَانِيِّ. وَذَكَرَ لَهُ شَاهِدًا. بَلْ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارُ لَمَّا رَأَوْا نَبِيَّنَا دَخَلَ عَلَيْهِمْ فَرِحُوا بِذَلِكَ. أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ انْتَهَيْنَا مِنْ ذِكْرِ الْمَبْحَثِ التَّارِيخِيِّ عَنْ الْقِصَّةِ، بَقِيَتْ مَسَائِلُ مُتَعَلِّقَةٌ وَمَبَاحِثُ خَاصَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِهَذَا الْبَابِ، مَا يَتَعَلَّقُ بِعُمْرِهِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِزَمَنِ الْبِنَاءِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِصُورَةِ الْبِنَاءِ الْجَدِيدِ. لَكِنْ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِبِنَاءِ الْكَعْبَةِ، نَقِفُ أَوَّلًا لِبَعْضِ الْمَسَائِلِ، الْفَوَائِدِ الْمُسْتَفَادَةِ مِنْ هَذِهِ الْحَادِثَةِ وَمِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ، لِأَنَّ فِيهَا فَوَائِدَ يَجْدُرُ بِكُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَتَمَعَّنَ فِيهَا وَيَتَأَمَّلَ فِيهَا. مِنْ ذَلِكَ مَا كَانَ عَلَيْهِ نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، حَتَى أَنَّ الْجَمِيعَ كَانُوا فِي زَمَنِ الْكُفْرِ يُسَمُّونَهُ بِالْأَمِينِ، يُسَمَّى بِالْأَمِينِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. فَقَدْ كَانَ نَبِيُّنَا مِنْ أَشْهَرِ النَّاسِ بِالْأَخْلَاقِ وَمَعَالِي الْآدَابِ، كَانَ أَمِينًا فِي كُلِّ شَيْءٍ، كَانَ يُؤَمِّنُونَهُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَلَوْ عَلَى أَعْرَاضِهِمْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَكَذَلِكَ مِنْ فَوَائِدِ هَذَا الْحَدِيثِ مَا كَانَ مِنْ رَجَاحَةِ الْعَقْلِ الَّذِي أُوتِيَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، كَانَ عَلَى رَجَاحَةٍ، كَانَ عَلَى فَهْمٍ ثَاقِبٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. بِمَاذَا اسْتَطَاعَ نَبِيُّنَا أَنْ يَفُكَّ هَذَا النِّزَاعَ؟ بِتَأَمُّلٍ، بِتَفَكُّرٍ، بِفِقْهِ عَجِيبٍ، أَتَى بِمَسْأَلَةٍ مَا كَانَتْ مُتَصَوَّرَةً عِنْدَ قَبَائِلِ الْعَرَبِ وَعِنْدَ الرُّؤُوسِ. فَبِحِكْمَتِهِ وَبِفِقْهِهِ وَبِعِلْمِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، مَاذَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَفُكَّ هَذَا النِّزَاعَ؟ وَهَذَا يُدَلُّ عَلَى كَمَالِ خُلُقِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَأَيْضًا كَذَلِكَ مِنْ فَوَائِدِ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَرْءَ الْمُسْلِمَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لَهُ دُورٌ فَعَّالٌ فِي مُجْتَمَعِهِ، يَكُونُ لَهُ دُورٌ فَعَّالٌ فِي مُجْتَمَعِهِ، لَا تَكُنْ عَبْءًا يَا عَبْدَ اللَّهِ عَلَى الْمُجْتَمَعِ. انْظُرْ كَيْفَ نَبِيُّنَا كَانَ مُنَفِّعًا، انْتَفَعَ النَّاسُ بِوُجُودِهِ بِأَفْكَارِهِ بِمَقَالِهِ بِتَأَمُّلِهِ بِتَفَكُّرِهِ. وَهَكَذَا كُنْ يَا عَبْدَ اللَّهِ، لَا تَكُنْ سَلْبِيًّا فِي مُجْتَمَعِكَ، دَعْ النَّاسَ يَنْتَفِعُونَ بِكَ، دَعْ النَّاسَ يَنْتَفِعُونَ بِكَ. قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ، خَيْرٌ مِنْ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ». فَالْمُخَالَطَةُ، خَالِطْ النَّاسَ. مَا يَقُولُ عُلَمَاءُ الِاجْتِمَاعِ؟ «الْإِنْسَانُ مَدَنِيٌّ بِطَبْعِهِ، مَدَنِيٌّ بِطَبْعِهِ». فَالْمُسْلِمُ يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَنْتَفِعُ النَّاسُ بِهِ، يَنْتَفِعُ النَّاسُ بِهِ. وَأَعْظَمُ الِانْتِفَاعِ أَنْ يَنْتَفِعُوا بِكَ وَمِنْكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ فِي أُمُورِ الدِّينِ، هَذِهِ أَعْظَمُ خِدْمَةٍ تُؤَدِّيهَا لِلْمُجْتَمَعِ أَنْ تُنَفِعَهُمْ فِي أَمْرِ دِينِهِمْ، ذَلِكَ بِالدَّعْوَةِ، بِالتَّعْلِيمِ، بِالتَّدْرِيسِ. لَمْ تَسْتَطِعْ لِهَذَا الْمَقَامِ سَبِيلًا؟ هُنَاكَ سُبُلٌ أُخْرَى، مِنْ تَوْزِيعِ الْمُنْشَوْرَاتِ، تَوْزِيعِ الْمَطَوِيَّاتِ، مِنْ نَقْلِ الدَّعْوَةِ هُنَا وَهُنَاكَ، بِمَالٍ، بِفِكْرٍ، بِحُضُورٍ، بِمُشَارَكَةٍ، بِرَأْيٍ، بِأَيِّ شَيْءٍ، خِدْمَةً لِلْمُجْتَمَعِ، تَخْدُمُهُمْ فِي أَمْرِ دِينِهِمْ. وَهَكَذَا كَانَ حَالُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، أَنْفَعُ النَّاسِ قَبْلَ بَعْثَتِهِ. انْظُرْ فِي هَذِهِ الْحَادِثَةِ كَيْفَ سَاهَمَ. وَكَذَلِكَ فِي حِلْفِ الْفُضُولِ كَيْفَ سَاهَمَ نَبِيُّنَا عَلَى الصُّلْحِ. وَهَكَذَا كَانَ دَوْرُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، مَا كَانَ سَلْبِيًّا، حَاشَاهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَهَكَذَا الْمَرْءُ، مَا يَكُونُ مَاذَا؟ يَكُونُ أَدَاةَ هَدْمٍ، أَدَاةَ هَدْمٍ، هَدْمٍ فِي هَذَا الْمُجْتَمَعِ بِمَا اسْتَطَاعَ لِذَلِكَ سَبِيلًا. وَكَذَلِكَ مِنْ فَوَائِدِ قِصَّةِ بِنَاءِ الْكَعْبَةِ مَا كَانَ مِنْ حِفْظِ الرَّبِّ جَلّ وَعَلَا لِنَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلّ وَعَلَا كَانَ يَحْمِي نَبِيَّنَا، يَحْمِي نَبِيَّنَا عَمَّا يُشِينُهُ. وَقَدْ مَرَّ ذَلِكَ مَعَنَا فِي أَوَائِلِ الْمَبَاحِثِ، وَقَدْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ عِنْدَمَا أَرَادَ نَبِيُّنَا أَنْ يَكْشِفَ عَنْ عَوْرَتِهِ، كَمَا مَرَّ ذَلِكَ إذَا مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ رَبِّهِ جَلّ وَعَلَا، حَتَى أُغْشِيَ عَلَيْهِ، أُغْشِيَ عَلَيْهِ، فَمَا مَاذَا كَشَفَ عَوْرَتَهُ. وَفِيهِ كَذَلِكَ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْفِعْلَةَ، وَهِيَ كَشْفُ الْعَوْرَاتِ مِنْ الْفَوَاحِشِ، وَأَنَّهَا مِنْ الْأُمُورِ الْعِظَامِ، وَمَا يَنْبَغِي التَّسَاهُلُ وَلَا مَاذَا وَلَا التَهَاوُنُ بِهَا، كَمَا نَرَى فِي بَعْضِ الْمُجْتَمَعَاتِ، وَخَاصَّةً بَعْضَهُمْ يَتَعَذَّرُ بِأُمُورِ الْعَمَلِ، سِوَى مَا كَانَ فِي الْبَرِّ أَوْ مَا كَانَ كَذَلِكَ فِي الْبَحْرِ. أَنَا بَعْضٌ عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ لِلْأَسَفِ يَتَهَاوَنُ بِذَلِكَ، قَدْ يَقْضِي حَاجَتَهُ أَمَامَ النَّاسِ مُحْتَجًّا بِذَلِكَ أَنَّ هَذَا لِلضَّرُورَةِ. وَهَذَا لَيْسَ الضَّرُورَةَ، بَلْ اسْتَتِرْ يَا عَبْدَ اللَّهِ، اسْتَتِرْ يَا عَبْدَ اللَّهِ. فَإِنَّ التَهَاوُنَ فِي كَشْفِ الْعَوْرَةِ مِنْ الْفَوَاحِشِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ جَلّ وَعَلَا بِاجْتِنَابِهَا وَحَذَّرَ فَاعِلِيهَا. وَكَذَلِكَ مِنْ فَوَائِدِ هَذِهِ الْقِصَّةِ إكْرَامُ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا لِنَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، حَيْثُ جَعَلَهُ هُوَ بِنَفْسِهِ صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، تَشَرَّفَ بِوَضْعِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ بِيَدِهِ، بِوَضْعِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ بِيَدِهِ. وَهَذَا بَيَانٌ لِمَاذَا؟ لِشَرَفِ نَبِيِّنَا عِنْدَ الْعَرَبِ فِي هَذِهِ الْحَادِثَةِ، سَتَتَكَلَّمُ النَّاسُ، مِنْ الَّذِي وَضَعَ الْحَجَرَ؟ سَيَقُومُ بِالْأَخِيرِ هُوَ مُحَمَّدٌ، مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، هُوَ الَّذِي تَشَرَّفَ بِوَضْعِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ. وَهَذَا فِيهِ مَاذَا؟ التَّكْرِمَةُ، وَفِيهِ كَذَلِكَ مَاذَا؟ شَرَفٌ لِنَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَأَيْضًا كَذَلِكَ مِنْ فَوَائِدِ هَذِهِ الْقِصَّةِ مَا عَلَيْهِ تَنَافُسُ الْكُفَّارِ، مَعَ كُفْرِهِمْ مَعَ شِرْكِهِمْ، إلَّا أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَقَرَّبُونَ إلَى اللَّهِ بِبِنَاءِ الْكَعْبَةِ. وَقَدْ مَرَّ مَعَنَا كَيْفَ كَانَ الْعَرَبُ يَتَنَافَسُونَ، يَتَنَافَسُونَ حَتَى طَرَّ مِنْ الطُّرُقِ إلَى تَقْسِيمِ الْأَعْمَالِ عَلَى سَائِرِ الْعَرَبِ، ذَاكَ عِنْدَ الْبَابِ، وَذَاكَ عَلَى الْحَجَرِ، وَذَاكَ عَلَى السَّقْفِ، وَذَاكَ عِنْدَ الْمِزَابِ، وَذَاكَ، وَكُلُّهُمْ كَانُوا يَعْمَلُونَ. وَكَانَ السَّادَاتُ مِنْ سَادَاتِ قُرَيْشٍ يَحْمِلُونَ الْحِجَارَةَ عَلَى ظُهُورِهِمْ، وَيَعْمَلُونَ وَيَكْدُونَ، نَاهِيكَ عَنْ الْأَمْوَالِ الَّتِي بَذَلُوهَا، وَهُمْ كُفَّارٌ، وَهُمْ كُفَّارٌ. وَفِي ذَلِكَ بَيَانٌ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ يَكُونُ أَعْلَى شَأْنًا وَأَسْرَعَ هِمَّةً فِي مَاذَا؟ فِي تَعْظِيمِ بُيُوتِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا، فِي خِدْمَتِهَا، وَكَذَلِكَ التَّنَافُسُ فِي مَاذَا؟ فِي إعْمَارِهَا. فَإِذَا كَانَ الْكُفَّارُ هُمْ بِهَذِهِ الْمِثَابَةِ، عَظِيمَةً لِبُيُوتِ اللَّهِ وَلِبَيْتِ اللَّهِ، وَكَذَلِكَ فَلْيَكُنْ الْمُسْلِمُ، تَكُونُ يَا عَبْدَ اللَّهِ عِنْدَكَ مِنْ الرَّغْبَةِ الشَّدِيدَةِ الْعَظِيمَةِ إلَى تَعْمِيرِ بُيُوتِ اللَّهِ. وَبُيُوتُ اللَّهِ كَثِيرَةٌ، وَهِيَ تَحْتَاجُ كَمْ مِنْ مَسَاجِدَ، الْبِقَاعُ الْمُبَارَكَةُ الْمُعَظَّمَةُ الْمُقَدَّسَةُ تَحْتَاجُ إلَيْهِ، إعَانَةً مِنْ سَائِرِ النَّاسِ. وَكَانُوا عِنْدَهُمْ قُدْرَةٌ، عِنْدَهُمْ مَالٌ، عِنْدَهُ جَاهٌ، عِنْدَهُ اسْتِطَاعَةٌ عَلَى مَاذَا؟ عَلَى سَدِّ خَلَلٍ، عَلَى سَدِّ ثَغْرَةٍ فِي بُيُوتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ. فَلْيُسَارِعْ ذَاكَ نَقْصٌ فِي بِنَاءٍ، ذَاكَ نَقْصٌ فِي كَهْرَبَاءَ، ذَاكَ نَقْصٌ فِي مِيَاهٍ، ذَاكَ نَقْصٌ بِالْفِرَاشِ، ذَاكَ نَقْصٌ بِالْمَصَاحِفِ أَوْ بِمَاذَا؟ بِحَوَائِجِ النَّاسِ أَوْ بِحَوَائِجِ الْمُصَلِّينَ. بِأَيِّ شَيْءٍ يُسَدُّ هَذَا الْخَلَلُ؟ مَا يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَسْتَمِرَّ، بَلْ بِأَيِّ شَيْءٍ، هَذِهِ بُيُوتٌ، كَمْ يُغْلَقُ عَنْهَا؟ وَالْعَمَلُ وَالْعَمَلُ وَالْخِدْمَةُ لِبُيُوتِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا، لَيْسَ التَّكْلِيفُ بَلْ هِيَ التَّشْرِيفُ، شَرَفٌ لَكَ، شَرَفٌ لَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولَ: مَاذَا؟ خَادِمٌ مِنْ خُدَّامِ بَيْتِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا. فَإِذَا كَانَ الْعَرَبُ يَتَفَانَوْنَ، سَادَاتٌ مِنْ سَادَاتِ الْعَرَبِ، وَمَعَ ذَلِكَ تَرَى مَاذَا؟ قَدْ ابْتُلُوا بِالطِّينِ وَالْعَرَقِ، رَأْسُهُ وَهُوَ فَرِحٌ لِأَنَّهُ مَاذَا؟ يُبْنِي بَيْتًا مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَكَذَلِكَ مِمَّا يُسْتَفَادُ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ مَا اسْتَقَرَّ فِي اعْتِقَادِ الْكُفَّارِ وَفِي أَذْهَانِ الْكُفَّارِ عَلَى أَنَّ الْمَالَ الْمُحَرَّمَ مَنْزُوعُ الْبَرَكَةِ، وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنْهُ. وَهُمْ الْكُفَّارُ، لَمَّا أَرَادُوا أَنْ يَبْنُوا الْكَعْبَةَ، قَالَ قَائِلُهُمْ: اشْتَرِطْ عَلَيْهِمْ شَرْطًا، أَنْ هَذَا الْبِنَاءَ وَأَنْ لَوَازِمَ الْبِنَاءِ لَابُدَّ أَنْ تَكُونَ مِنْ مَالٍ حَلَالٍ. فَمَنَعُوا أَيْ مَالَ مُحَرَّمٍ، لَا مَالَ رِبًا، وَلَا مَالَ بَغْيٍ، وَلَا مَالَ زِنًا، هَذِهِ الْأَمْوَالُ الْمُحَرَّمَةُ لَا تَدْخُلُ فِي بُيُوتِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا. لِمَاذَا؟ مَعَ أَنَّهُمْ عَلَى كُفْرٍ، هُمْ كُفَّارٌ، لَكِنَّ ذَلِكَ قَدْ انْقَدَحَ فِي أَذْهَانِهِمْ وَانْقَدَحَ فِي نُفُوسِهِمْ عَلَى أَنَّ اللَّهَ جَلّ وَعَلَا طَيِّبٌ، لَا يَقْبَلُ إلَّا طَيِّبًا. فَعَلَى هَذَا فَالْمُسْلِمُ يَكُونُ مَاذَا؟ أَوْعَى مِنْ الْكُفَّارِ، لَا يَنْبَغِي يَا عَبْدَ اللَّهِ أَنْ تَأْتِيَ إلَى مَالٍ مُحَرَّمٍ، تَتَقَرَّبُ بِهِ إلَى اللَّهِ جَلّ وَعَلَا، مَا يَنْبَغِي. قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ، وَلَا صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ». وَلَا صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ، تَغُلُّ تَسْرِقُ، تَرْتَشِي، تَأْخُذُ مَالًا لَيْسَ مِنْ حِلِّهِ، تَأْخُذُ مِنْ حَرَامِهِ، ثُمَّ تَتَقَرَّبُ بِهِ إلَى اللَّهِ جَلّ وَعَلَا، لَا، إنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ لَا يُنَالُ بِالْحَرَامِ. مَا عِنْدَ اللَّهِ الْجَنَّةُ، مَا عِنْدَ اللَّهِ الرَّحْمَةُ، مَا عِنْدَ اللَّهِ الْمَغْفِرَةُ، مَا عِنْدَ اللَّهِ الْبَرَكَةُ، وَمَا عِنْدَ اللَّهِ لَا يُنَالُ بِالْحَرَامِ. إيَّاكَ أَنْ تُفَكِّرَ أَنَّكَ تَأْتِي بِشَيْءٍ مِنْ الْمَالِ الْمُحَرَّمِ، تَتَقَرَّبُ بِهِ إلَى رَبِّكَ جَلّ وَعَلَا. الْكُفَّارُ عَلَى كُفْرِهِمْ، هُمْ عَلَى دِرَايَةٍ، عَلَى دِرَايَةٍ، تَرَكُوا الْمَالَ الْمُحَرَّمَ، وَلَجَأُوا إلَى الْمَالِ الْحَلَالِ، الْمَالِ الْحَلَالِ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ مَالُ الْحُرْمَةِ وَلَا شُبْهَةٍ، وَتَقَرَّبُوا بِهِ إلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. فَهَذِهِ مَسَائِلُ سَرِيعَةٌ، وَكَذَلِكَ مَبَاحِثُ مُتَعَلِّقَةٌ بِهَذَا الْمَبْحَثِ الْعَظِيمِ مِنْ حَيَاتِهِ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، تُتْرَكُ إنْ شَاءَ اللَّهُ فِي دُرُوسٍ قَادِمَةٍ. فَأَسْأَلُ الْمَوْلَى جَلّ وَعَلَا أَنْ يَنْفَعَنَا بِمَا قُلْنَا، إنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.