الدرس في قبس من السيرة النبوية 39، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
كانت بداية الدعوة الإسلامية سرية، وركزت على التربية الإيمانية للمسلمين الأوائل، واستمرت رغم التحديات. هذه الفترة كانت ضرورية لتحضير المسلمين الأوائل لمواجهة التحديات القادمة.
بعد فترة الدعوة السرية، جاء دور الجهر بالدعوة، حيث صعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا ونادى عشيرته الأقربين. كانت هذه الخطوة مهمة في توسيع نطاق الدعوة وتحذير الناس من العذاب.
استمرت الدعوة الجهرية لعشر سنوات، وواجهت مقاومة شديدة من قريش، خاصة من أبو لهب. رغم ذلك، استمر النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته، ونذر الناس بعذاب الله، ودعاهم إلى التوحيد.
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فمواصل إخواني في الله لما مضى ذكره في دروس ماضية، وما يتعلق بدعوته عليه الصلاة والسلام، وبالأخص في المرحلة الأولى من العهد المكي، والمسمى بالمرحلة أو الدعوة السرية. وكان من السمات العظيمة في هذه المرحلة الاهتمام بالتربية الإيمانية، وذلك بما أنزله الله جل وعلا من وحي السماء. فكان نبينا عليه الصلاة والسلام يربي أصحابه التربية الإيمانية المتعلقة أو فيها التعلق بالله جل وعلا، بذكر وعد الله ووعيده، وبالجنة والنار، وبالقيامة، وبالتصديق بها. وكان العروج بعد هذه المثلة حول بعض الأخطاء التي نبه عليها، وقد نبه عليها في تلك الدروس حول الخطأ في التربية، وأن الناشئة إذا أراد أن يستقيم على هذا الدين والاستدامة على هذا الصراط المستقيم، فعليه بأن يربي نفسه على العقيدة الصحيحة التي يربى عليها نبينا صلوات ربي والسلام عليه، وأصحابه. وهكذا كذلك الاستفادة الثانية، وهي الاستفادة من دعوته عليه الصلاة والسلام، أنه أسر بهذه الدعوة، فما واجه وما تصادم مع القوى الكبرى. وهكذا فليكن الداعية، ولتكن الجماعات ممن تأتسي بمنهجه عليه الصلاة والسلام، أنها إن رأت من نفسها الضعف والذل في وقت من الأوقات، وفي زمن من الأزمان، أو في بلد من البلدان، فعليها أن تستتر، وأن لا تواجه، وأن لا تواجه حتى لا تعرض نفسها أو تعرض أتباعها، ومن كان من أهل الإسلام أيضًا إلى البلية من جراء من يتهجم عليهم. وهكذا كان العروج على خطأ لجماعة أخرى، هي على نقيض من ذلك، من قالوا بالسر دائمًا وأبدًا، فأصبح الأصل في دعوتهم الإسرار، حتى أصبح الكثير من الناس لا يدري عما يدور في فلك هذه الجماعة. تجد الواحد ربما يظن نفسه قد انتمى لجماعة من الجماعات، وطيلة هذه السنوات، هذه الجماعات تندس تحت الكواليس وتحت السراديب وتخطط، وهذا التابع الذي يتبع والذي ينضم لهذه الجماعة، خيال السنوات الطوال لا يدري شيئًا، لا يدري بشيء عما يخطط له، وعما يتذاكر فيه السادة والكبارات حول هذه المخططات، فيكون الواحد منهم بجهالة عن منهجه الذي يسير عليه للسرية التامة المحدقة بهذا المنهج، وهذا غلط، وهذا الزلل في التربية، وزلل كذلك في فهم السنة النبوية. وكذلك كان من السمات البارزة في هذه المرحلة الاستمرار. استمر نبينا صلوات ربي وسلامه عليه، فردًا بهذه الدعوة السرية من هنا وهنالك، حمل على عاتقه، وحمل على كاهله دعوة الناس إلى دين الله جل وعلا. لم تنصب له المنابر، ولم تجعل له الكراسي لكي يقف عليها، وإنما قام بالجهد الشخصي. وكان ذلك إشارة إخواني في الله إلى سعة الدعوة، وأن الدعوة ليست مناطة على أحد الناس، أو مناطة بأعيان الناس. وإنه الجميع قد علم، كل أناس مشربهم، الكل يدعو بما استطاع، ذاك بجهده، ذاك بمقاله، ذاك بلسانه، ذاك بدروسه، وذاك كذلك بأدبه وأخلاقه، وآخر بعلمه وجاهه، وآخر بماله ونفوذه، الكل يبلغ دين الله جل وعلا بما استطاع. وهكذا كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم في بداية أمرهم، وبالأخص في هذه المرحلة السرية، الكل يستغل ما كان عليه من مكانة، أو ما كان عليه من قرابة للآخرين، استغل ذلك في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. ثم بعد ذلك إخواني في الله، تأتي الدعوة الجهرية. وقلنا أن الدعوة السرية استدامت لثلاث سنوات، كما قرر ذلك أهل التواريخ والسير، ثلاث سنوات. وفي السنة الرابعة، وفي بداية السنة الرابعة من البعثة، أعلن وجهر نبينا صلواته ربي وسلامه عليه بالدعوة. وهذا هو الأصل، الأصل في الدعوة أن يجهر بها، بل هذا هو الأصل في الدين، الأصل في دين الله جل وعلا أن يكون جهرًا في النهار، يجهر به، لا يكون الدين متسترًا طيلة حياته، أو يكون في الخفاء. ﴿تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْمَحَجَةِ الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا إِلَّا هَالِكٌ﴾، دعوة واضحة، دعوة واضحة لأجل أن يبلغ بها من الجهر. ولهذا من درس في كتب العقيدة والتوحيد يعلم أن المسلم في قول لا إله إلا الله، لا يطالب بقول فقط أن يقول لا إله إلا الله، بل يشهد شهادة أن لا إله إلا الله. ما الفرق بين القول والشهادة؟ أشهد لها معاني، ومن معاني الشهادة إخبار الغير. ومن معاني الشهادة، وبه تفترق عن القول، أن الشهادة فيها إخبار الغير. أشهد أن لا إله إلا الله، لا تكتفي أنك تذكر هذا لنفسك، بينك وبين نفسك، بل تعلم الآخرين. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾، لا بد أنك تشهد الآخر أنك على هذا الدين. فالدين فيه ماذا؟ الجهر، فيه الوضوح. وكان من أعظم صفات الطائفة المنصورة، قال عليه الصلاة والسلام: «ظاهرين على الحق، ظاهرين، ليسوا بالخفاء، ليسوا بمتسترين». فدعوة سرية استمرت فقط ثلاث سنوات، وما بعد ذلك عبارة عن الدعوة الجهرية. وسأتي ذلك في حينه. وبذكر المسألة المهمة في هذه المرحلة من مراحل الجهر بالدعوة، جاءت الآحاديث الكثيرة، الوفيرة، الغفيرة، التي بينت كيف جهر نبينا صلى الله عليه وسلم بالدعوة، وذلك عندما أنزل ربنا جل وعلا قوله جل في علا: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾. قال ابن عباس، كما جاء ذلك في الصحيحين: «لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، صعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا». وانظر يا عبد الله إلى هذه الآية: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، الدعوة والنذارة تكون لأقرب الناس إليك. يا عبد الله، تكون لأقرب الناس إليك، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ﴾، لا بد أن تكون النذارة والبشارة أنفع الناس للخير الذي عندكم، أقرب الناس إليك، من الوالد، من الولد، من الأهل، من الزوجة، من الأقارب، من الأرحام، من الجيران. وهل هو مجرد... حيثما تحركت تحرك الخير معك؟ أم يا عبد الله أنك تصل الخير الآخر للأبعدين، وأقرب الناس عليكم في حرمان، هذا هو الخذلان بعينه. للأسف، لكم نسمع لربما بعض الناس، لربما وهذا الواضح الذي قد يقع، نسأل العفو والعافية. وأن الواحد منا لربما إذا خرج للناس، للأبعدين، للغرباء، لمن لا يعرفهم، أو له معرفة لكن عن بعد، ليس من أرحامه، ليس من أقاربه، ليس من أصحابه، من أبعد الناس عنه، إذا خرج إليهم، هشة وبشة، وتحلى بمكارم الأخلاق، وبمعالي الأمور، حتى أحبه الناس. لكن إذا دخل إلى أهله، إلى أقرب الناس إليه، ما وجد منه لا هش ولا بش، وإنما وجد من الحنق والغضب، وضيق الحال، والنفرة، والحساب، والانتقام، هذا ما ينبغي. قال ربنا جل وعلا: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، أقرب الناس إليك، عاد تنذرهم بالخير والشر. فقال ابن عباس: «صعد نبينا على الصفا، وهذا الجبل المرتفع، وله ارتفاع، وكان من عادة العرب أنهم إذا أرادوا أن ينذروا على الملأ صعدوا إلى مكان مرتفع، لأن هذا أجمع للأنظار، وأبلغ للأصوات، أبلغ للأصوات، فإن الصوت يبلغ مداه في حال الارتفاع». قال: «صعد على الصفا، فجعل ينادي: يا بني فهر، يا بني عدي، لبطون قريش، ينادي عليه الصلاة والسلام كل فخذية، وكل قبيلة على حدة من بطون قريش». قال: «حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج، أرسل رسولًا لينظر ما هو». بعضهم ما استطاع أن يصل إلى محل النداء، على مرض، أو على كبر سن، أو أنه مقعد في فراشه، من أهل قريش، ما استطاع أن يذهب إلى الصوت، أرسل رسولًا من خدمه، أو من مواليه، أو من كان من أهل بيته، يذهب ويتقص الأخبار، وينظر ما هذا النداء، وما سببه. قال: «إذا لم يستطع أن يخرج، أرسل رسولًا لينظر ما هو». فجاء أبو لهب، وقريش، وجماعات من سادات قريش، والعرب ممن كانوا في مكة. قالوا: فقال، فإذا بنبينا عليه الصلاة والسلام، وقد ارتقى على الصفا، فقال: «أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي؟» وهذا من بدائع من بداعة الحوار مع المخالف، أنك يا عبد الله تذكره بالأصول العامة المتفق عليها، ويحبذ أن يكون إقرار الخصم من نفسه، هو الذي يقر بهذا ولهذا. استخدم نبينا الإقرار على صيغة السؤال. قال: «لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي -أي من الأعداء هناك- عدو سيأتي من الوادي، أنا الآن أخبركم، تخيلوا لو مثلًا أنا الآن أخبرتكم عن عدو في الوادي سيهجم عليكم». قال: «أكنتم مصدقي؟» قالوا: «نعم». هذا المتفق عليه، لا نشك في هذا، بتصديقك. قالوا: «نعم، ما جربنا عليك إلا صدقًا». وهذا كان حال عليه صلى الله عليه وسلم عند العرب، ما عرف إلا بالصدق، وكان يسمى بالصادق، صلاة ربي وسلامه عليه، صادق بأقواله، صادق في أفعاله، صادق في أخلاقه وآدابه، وفي معاملاته. وحتى اشتهر عند العرب بهذا اللقب، بالصادق. قالوا: «ما جربنا عليك إلا صدقًا». قال: «فإني أنا -فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد-». فإني لكم نذير بين يدي عذاب شديد، أنذرهم بعذاب الله جل وعلا إذا كذبوه، وما صدقوه. فقال أبو لهب: «تبًا لك سائر اليوم، أليس لهذا جمعتنا؟» وأبو لهب الوحيد الذي انبرى لنبينا، واعترض عليه هذه المقالة، فكذب نبينا، وقال: «تبًا لك، وقدح في المخالف». قال: «تبًا لك سائر اليوم، أليس لهذا جمعتنا؟» فنزلت هذه الآية: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾. وفي هذا المنطلق انطلق نبينا، ودعا. وهناك رواية، وكذلك من الرواية كثيرة جدًا، جاءت في ذكر هذا النداء. ومن ذلك ما جاء أيضًا في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «يا معشر قريش، أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني كعب، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني فهر، أنقذوا أنفسكم من النار، يا قريش -أو يا عبد المطلب- أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة، أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم، فإني نذير بين يدي عذاب شديد». إلى آخر روايات. وبعد هذه، فكان ذلك عبارة عن نذارة، حتى أن الكثير من العرب اندهش، اندهش من هذا النذير، من هذا الإخبار. لربما لأول مرة يسمعه، ويسمع بهذه الكلمات، حتى أن الكثير منهم من العرب راجع من مكة، وراجع إلى بيته، وعليه الدهشة، وعليه الدهشة، ما استطاع أن يرد جوابًا، أو يأتي بهذا بإخبار، سكت، حتى جلسوا في بيوتهم، وذهب عنهم الروع، واطمأنوا، وجاءهم الشيطان. فحين دخلوا في الكبر، الاستكبار، فقاموا، واستيقظوا من الدهشة، وتجمعوا، وتآلبوا على نبينا عليه الصلاة والسلام، وكذبوا. وانطلق نبينا بعد هذه النداء يدعو الناس. وسأتي معنا كيف كان دعوته عليه الصلاة والسلام، كان يستغل مجامع الناس، ويستغل نوادي الناس، في عند الحرم، وعند الكعبة، وكذلك في أسواقهم، عند تجمعاتهم، وكذلك في مواسم الحج، كان يقوم عليه الصلاة والسلام داعيًا، بشيرًا، ونذيرًا. وفي هذه الفترة ذكر العلماء، يعني السمات تعتبر هي البارزة خلال هذه الفترة الجهرية، والتي استمرت عشر سنوات. الدعوة الجهرية استمرت عشر سنوات. ومن أعظم السمات البارزة، وسأتي هذا معي في التفصيل، في دراستنا بإذن الله، سمى الأولى كثرة الإيذاء، واشتداد البلاء على النبي عليه الصلاة والسلام، وأصحابه. والثاني مواجهة الدعوة بشتى الأساليب لصد نافع عنها. وثالث كثرة العروض، أي المساومات والإغراءات بالمال والجاه، كثرة العروض على النبي عليه الصلاة والسلام، من أجل المساومة مع الحق. وسأتي هذا معنا، أن العرب حاولوا بكل ما استطاعوا، من مال، ومن نفوذ، أن يساوموا نبينا على ترك ماذا؟ عبادة الله جل وعلا، وترك دعوة التوحيد. الرابع اهتمام النبي بتربية العقيدة الصحيحة. وهذا سيأتي كذلك معنا، أن نبينا في كل محفل كان يكرس دعوته، وجهده في الدعوة إلى عقيدة توحيد الله جل وعلا. وهكذا تربية النبي لأصحابه على الصبر على الأذى، وعدم الانتصار للنفس، والإعراض عن الجاهلين. الواحد منهم يبتلى، يبتلى، يبتلى، لربما يصاب بالنار، والنكال، وما يملك نبينا لأصحاب هؤلاء إلا الصبر، يدعوهم بالصبر، والتسلح بالصبر، حتى يأتي الله جل وعلا بالفرج من عنده. يأتيه الواحد، وقد تقطع ظهره، وقد تقطعت أوصاله، لو ربما قد ذهب شيء من لحمه، من شدة الأذى، والنكال الذي عليه، فيأتي عند نبينا، ويقول: «يا رسول، لا تدعو الله لنا». فما يزيد نبينا إلا عن ماذا؟ إلا أن يأمرهم على الدعوة، على الصبر، والتسلح بالإيمان، حتى يأتي الله جل وعلا بالفرج، وبالنصر من عنده. واسم السادسة: تبشير الصحابة بالنصر والتمكين، وهم في أحلك المواقف خلال هذه الفترة. وقد دارت الدوائر، وضاقت الأمور على الصحابة، بل منهم من قتل، ومنهم من عذب، ومنهم من شرد في هذه الفترة الحالكة من حياة الصحابة. إذ بنبينا عليه الصلاة والسلام يبشر الصحابة بماذا؟ بإحكام الأمور لهم، وأن الأمور ستؤول إليهم، وأن الآن سينتهي إلى أنهم سيملكون زمام الأمور، والمقاليد، بل حتى البلدان، أنهم سيحكمونها، وأنها ستكون تحت أيديهم، وهم في تلكم المواقف الصعبة. وهذا من شدة إيمانه عليه الصلاة والسلام بربه، وتعلقه بنصر الله، وبوعده جل وعلا. وستأتي معنا هذه الأمور الست بإذن الله، في دروسنا المتعلقة بالنظر في المرحلة الجهرية من دعوته عليه الصلاة والسلام. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك، والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.