الدرس في القواعد والأصول الجامعة 103، الدرس مائة وثلاثة : من : (ومن هذا باب الكنايات ... فإن لها دخلاً كبيراً في معرفة مرادهم ومقاصدهم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل شرح الكنايات في الطلاق وأثر النية في وقوعه، مع التركيز على أهمية النية في تحديد المراد من الألفاظ. كما يشير إلى دور العرف في فهم المقاصد.
يشرح هذا الفصل كيف تؤثر النية على مدلول ألفاظ اليمين، حيث يمكن أن تجعل اللفظ العام خاصا أو العكس، وتحدد المعنى المقصود من اليمين وتؤثر على صحة الوفاء به.
يناقش هذا الفصل أهمية مراعاة العرف والعادات في فهم ألفاظ الناس، حيث تلعب دورا كبيرا في معرفة مراد الناس ومقاصدهم، خاصة في الألفاظ التي تحتمل أكثر من معنى.
يتناول هذا الفصل العلاقة بين اللفظ والعرف، ويشير إلى أهمية اللفظ في دعم العرف والعكس، مع التأكيد على أن اللفظ الذي لا يحمل دلالة على المعنى لا يصلح أن يكون كناية عن شيء.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. طيب، نريد من الأقوى أن ينظروا في النسخ التي معهم. قوله: «أما ما يتعلق به بنفسه، فهذا ليس فيه استثناء». أيها الطيب، لأن أمس شككنا في العبارة. أنا ذكرت العبارة على الاحتمالين: هل يكون المراد إلى نفس الإنسان، أو المراد شيء آخر؟ فعلى هذا، في النسخة الأخرى: «أما ما يتعلق بالإنسان بنفسه». فقوله «به» يعود لصاحب الشأن، يعود إلى صاحب الشأن. آخر ما وقفنا عليه: «ومن هذا باب الكنايات». طيب، قال الملك -رحمه الله تعالى-: «ومن هذا باب الكنايات، من كل شيء له صريح وكناية». فالصريح: اللفظ الذي لا يحتمل سوى موضوعه. فالطلاق لفظ الطلاق لا يحتمل إلا موضوع الطلاق. وكناياته مثل ما مر معنا: «الحقي بأهلك»، «اخرجي من بيتي»، «اذهبي بيت أهلك»، ونحو ذلك. قال -رحمه الله-: «فالصريح اللفظ الذي لا يحتمل سوى موضوعه، والكناية ما يحتمله ويحتمل غيره». يحتمل اللفظ ويحتمل غيره. وقلنا أن هذا الكناية على كيفيتين كما مر معنا. قال -رحمه الله تعالى-: «لكن إذا نوى أو اقترنت به قرينة صار كالصريح». إذا نوى، فإنما الأعمال بالنيات. ولو لم يتلفظ باللفظ، فتلفظ باللفظ يدل على الطلاق وليس صريح، ونوى به الطلاق وقع طلاقا. «إنما الأعمال بالنيات». قال: «وكذلك مسائل الأيمان، ألفاظها يرجع فيها إلى نية الحالف وقصده». حتى أن النية تجعل اللفظ العام خاصا، والخاص عاما. وينبغي أن يراعى في ألفاظ الناس عرفهم وعوائدهم، فإن لها دخلا كبيرا في معرفة مرادهم ومقاصدهم. يقول -رحمه الله-: «وكذلك مسائل الأيمان، أي اليمين التي يحلف بها الإنسان». وألفاظها يرجع فيها إلى نية الحالف وقصده. فقد ينوي اليمين بغير لفظ اليمين، فيقع يمينا مثل الحلف بالطلاق والتحريم، فإنه نوع من اليمين يجري مجرى اليمين، وتكون أحكامه أحكام اليمين. فمثلا لو أن رجلا قال: «والله سأفعل كذا وكذا»، فإذا لم يفعل، فعليه ماذا؟ كفارة يمين. ما دام أن هذا اللفظ خرج من قصد. وهكذا كذلك على الصحيح، لو حرم على نفسه شيئا، لو قال: «لا أكل هذا الطعام، هو حرام علي». فتحريمه لهذا الطعام نوع من اليمين، فإذا عاد فأكله، فعليه كفارة يمين. والتحريم يجري مجرى اليمين. واستدل العلماء له بأدلة، من يذكر لنا شيئا من ذلك أو دليلا؟ نعم، سمى التحريم يمينا: ﴿يا أيها النبي لما تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور الرحيم قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾، مع أنه ليس في الآية قبل ذكر اليمين، فاستدل به العلماء على أن التحريم يجري مجرى اليمين. واستدلوا بالآية الأخرى بسورة المائدة: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين﴾، ثم ذكر بعده آية كفارة اليمين. وقوله -رحمه الله-: «وكذلك مسائل الأيمان، ألفاظ يرجع فيها إلى نية الحالف». فألفاظ اليمين منها ما هو صريح، ومنه ما هو كناية. فما دل على معنى اليمين ونواه، فهو يمين كالتحريم وهكذا. الحالف بالطلاق ونحوه، على أن الأولى ترك هذا التعبير. ثم قال -رحمه الله-: «يرجع فيها إلى نية الحالف وقصده»، يعني أن النية لها شأن عظيم في تمييز ما يجري عليه مجرى اليمين وما لا يجري مجرى اليمين، وذلك لقول النبي -عليه الصلاة والسلام-: «إنما الأعمال بالنيات». قال: «حتى أن النية تجعل اللفظ العام خاصا». وهذا كثير، اللفظ العام يكون خاصا. فمثلا لو قال قائل: «والله إن وليمة فلان إن تزوج فهي علي». هذا لفظ ماذا؟ عام. وليمة وليمة. «والله إن وليمة فلان» يعني من معنى الإطلاق مطلق. أو كذلك إذا أتى به على وجه العموم: «والله لا تكون وليمة فلان إلا عليه». فهو مما فيه معنى العموم. فيصح أن يولم له بأي شيء وليمة أي وليمة. لكن بالنية تكون هذه اللفظة العامة خاصة، إذ أن نية المتكلم الوليمة في الغالب على عرف الناس. فعرف الناس الوليمة ما تصلح بالسمك مثلا، لابد باللحم. ما تصلح بالتمر والخبز كعهد الصحابة -رضي الله تعالى عنهم-. لا وليمة بما في نية هذا المتكلم ماذا نويت؟ فلو قال مثلا: «خلاص يا فلان نولم لك بدجاج أو بسمك، أنا حلفت يمين أن أولم لك». فهل يجزئه أو لا يجزئه؟ الجواب: لا، لا يجزئه بنيته. «إنما الأعمال بالنيات». إذا كان نوى بهذا اللفظ العام معنى خاصا، وهو أن يوفي له وليمة كما أن الناس لهم ولائم. وولائم الناس تكون غالبا مثلا باللحم. فإذن تلزمه بنيته ذاك المعنى الخاص. بينما لو أنه لم ينوي ذاك الشيء، أجزأه أن يولم له بأي شيء. بأي شيء يجزئه العرف. وعرف الناس لا شك أنه يتفاوت، فمن الناس من يولم بلحم، ومن الناس من يولم بسمك، ومن الناس من يولم بأشياء أخرى. لكن لما كان عنده نية معينة، فكان بما كان في نيته. وهذا بالعكس، أن النية تجعل اللفظ الخاص عاما. تجعل اللفظ الخاص عاما. فمثلا لفظ اللحم، لفظ اللحم بمعناه الخاص هو ما ليس بسمك ولا دجاج ولا شيء، إنما من بهيمة الأنعام: بقر أو غنم أو إبل. هذا مفهومه بلفظه الخاص. لكن إذا نوى باللحم ما هو ضد الخضار، صح. «إنما الأعمال بالنيات». وأيده على ذلك العرف، فإنه يجزئ ذلك. فلو قال مثلا: «والله لا تأكل عندي إلا لحم». فأتى له بدجاج، ونوى أن اللحم يعني ما أعطيك طعام من دون إدام. في شيء من معنى اللحوم فيصح ذلك. «إنما الأعمال بالنيات». ولا كفارة عليه في يمينه. فاللفظ الخاص بالنية يصير عاما. قال: «وينبغي أن يراعى في ألفاظ الناس عرفهم وعوائدهم». ينبغي أن يراعى في ألفاظ الناس العرف والعوائد. الأصل أن العرف والعادة هما بمعنى متقارب، ولكن كما قيل: أن هذا مما يصح فيه إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا. هذا هو الغالب. أن العرف والعادة والعادة يعبر كل منهما على الآخر، لكن إذا اجتمعا مع بعض، صار العرف والعادة بينهما فرق. فربما جعلت العادة لما هو عام، والعرف لما هو خاص. أو العكس: جعل العرف لما هو عام، والعادة لما هو خاص. وهذا الغالب. فيقول مثلا: «عادة فلان كذا وكذا»، «وعادة أهل هذه القبيلة كذا وكذا». والعرف: «عرف أهل البلد كامل». أو العكس: «عرف القبيلة كذا»، ولكن «عادة البيت الفلاني كذا». وهكذا. فالحاصل أن المراد به العرف الخاص أو العرف العام. وينبغي أن يراعى في ألفاظ الناس العرف العام والعرف الخاص. فمثلا لو أن إنسانا قال كلمة تدل على الطلاق غالبا، فأنكر الطلاق. فيرجع بذلك عند الخلاف إلى العرف. فإن أيده العرف ودلت القرينة عليه، قضي بأنه طلاق. وإن لم يؤيده العرف ولم تدل القرينة عليه، فإنما الأعمال بالنيات. ويصدق على نيته. فلو قال مثلا لمرأته: «إلحقي بأهلك». فقالت المرأة: «طلقني». فنحن لا نعرف هذه الكلمة إلا طلاقا. وقال: «أبدا ما نويت الطلاق». ودلت القرينة على أنه طلاق، وأكده العرف أن هذا يدل على الطلاق. فيقضى أنه طلاق. وإن كان العرف لا يؤيد أن هذه الكلمة طلاق، فقد تقال للطلاق، وقد تقال لغير الطلاق. وأيّد ذلك لأن القرينة ليست صريحة في أنه أراد الطلاق. فهنا يقال: «أمرك إلى الله، وأنت بما نويت». إن نويت الطلاق وقع طلاقا، ليس لك إلا ذلك. وإن لم تنوي الطلاق لم يقع طلاق. والله عز وجل يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. فهكذا ينبغي أن يراعى في ألفاظ الناس عرفهم وعوائدهم، أي العرف الخاص والعرف العام. العرف الخاص والعرف العام. وهكذا في الأيمان. وهكذا كذلك فيما يتعلق بالعشرة بين الزوجين، وغير ذلك من أحوال خاصة وعامة يحتاج فيها معرفة العوائد والأعراف الخاصة والعامة، ليعرف بذلك حكم اللفظ. فإن لها دخلا كبيرا في معرفة مرادهم ومقاصدهم. يعني يستعان به في معرفة المراد والمقصد، وليس المقصود أنه هو وحده يكفي في كشف ذلك. لأن اللفظ إذا كان لا يساعده، فإن اللفظ له شأن في أن يكون ذلك مؤيدا للعرف، أو العرف مؤيد للفظ. وأنه إذا كان ليس باللفظ ما يدل عليه، فلا. وهذا هو الذي سبق أنه كنايات الشيء. كنايات الشيء. إلى هنا والله تعالى أعلم.