شرح كتاب الفتن من صحيح البخاري  16

شرح كتاب الفتن من صحيح البخاري 16

الدرس في شرح كتاب الفتن من صحيح البخاري 16، ألقاها

شرح حديث ابن عباس في كراهة كثرة سواد الفتن والظلم

يستعرض المقطع إسناد حديث ابن عباس رضي الله عنهما الذي يرويه البخاري في باب كراهة كثرة سواد الفتن والظلم. ويوضح سياق القصة التاريخية لأبي الأسود محمد بن عبد الرحمن حين كُتب في بعث لقتال أهل الشام فلقي عكرمة مولى ابن عباس فنهاه عن ذلك وأخبره بالحديث الذي نزلت فيه آية ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ﴾.

حكم تكثير سواد أهل الباطل والبدع ودليل ذلك من قصة عكرمة

يتناول المقطع تعريف إفريقية قديماً وسيرة التابعي الجليل عكرمة مولى ابن عباس، ثم يستعرض قصة نهي عكرمة عن الخروج مع جيش لقتال المسلمين في الشام مستدلاً بآية المستضعفين. ويخلص إلى أن تكثير سواد أهل الباطل والبدع والمعاصي محرم لكونه تعاوناً على الإثم والعدوان وتقوية لشوكة الباطل.

أهمية النية والهجرة وتحريم الخروج على الحكام الظالمين

يؤكد المقطع على مركزية النية في قبول الأعمال، ووجوب الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام لمن استطاع مع التحذير من الفتنة العمياء. ويبين استقرار المذاهب على تحريم الخروج على الحاكم الظالم إلا بكفر بواح مستعرضاً عواقب الثورات التاريخية من سفك دماء وإضعاف لشوكة المسلمين.

خاتمة الدرس والإشارة إلى منهاج السنة النبوية لابن تيمية

يختم المتحدث بالرجوع إلى كتاب "منهاج السنة النبوية" لشيخ الإسلام ابن تيمية كمصدر يؤيد ما سبق في الدرس. ويختتم بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم مع ذكر اسم المترجمة نانسي قنقر.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: "باب من كره أن يكثر سواد الفتن والظلم". قال رحمه الله تعالى: حدثنا عبد الله بن يزيد، وهو المقرئ المخزومي المدني الأعور، قالوا فيه: ثقة، وهو مولى الأسود بن سفيان، وقد ذكروا عنه أنه من شيوخ الإمام مالك رحمه الله تعالى. قال: حدثنا حيوة وغيره. أما حيوة فهو ابن شريح، شريح أتجي بي، أبو زرعة المصري، أبو زرعة المصري، قالوا فيه: ثقة ثبت فقيه زاهد، فقيه زاهد. وقوله: "وغيره"، ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى قال: كأنه يريد ابن لهيعة، وهو عبد الله بن عقبة الحضرمي، وهو حافظ إلا أنه ساء حفظه، ساء حفظه بعد ذلك. ذكروا لذلك أسباباً، منها: قيل أنه احترقت كتبه فساء حفظه، فحديثه لا يرتقي لدرجة الحسن، وإنما هو في الشواهد. ولهذا البخاري هاهنا أورده مقروناً بحيوة بن شريح، وهكذا كما سيأتي أن الحديث يرويه الليث بن سعد أيضاً مع حيوة وابن لهيعة. قال: حدثنا أبو الأسود، وأبو الأسود هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي الأسود المدني، يلقب بيثيم عروة، يلقب بيثيم عروة. قيل أن أباه كان قد أوصى إليه، أوصى أن يكون تحت عروة وعنايته وإشرافه وتربيته. قال: قال رحمه الله تعالى: وأبو الأسود هو ثقة. وقال الليث، يعني ابن سعد، أبو الحارث الفهمي المصري، إمام بلا منازعة. قال: قال عن أبي الأسود، وهو الذي تقدم: محمد بن عبد الرحمن المدني، قال: "قطع على أهل المدينة بعث، فاكتبت فيه، فلقيت عكرمة فأخبرته، فنهاني أشد النهي، ثم قال: أخبرني ابن عباس أن أناساً من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيأتي السهم فيرمى فيصيب أحدهم فيقتله، أو يضربه فيقتله، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ﴾". أورد البخاري رحمه الله تعالى هذا الحديث، حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنه، عند هذا الباب وفي هذه الترجمة، ألا وهو: "باب من كره أن يكثر سواد الفتن والظلم". وذكر فيه قصة أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن رحمه الله تعالى حين أن قطع على أهل المدينة، قطع على أهل المدينة بعث. والمراد بالبعث: أي الجيش. ومعنى هذا: أنهم أي أهل المدينة ألزموا بإخراج جيش لقتال أهل الشام، وأهل الشام كان عليهم بنو أمية، كان عليهم بنو أمية. وقد ذكروا أن ذلك كان في خلافة ابن الزبير على مكة، حين أن كان عبد الله بن الزبير والياً، أو كان عبد الله بن الزبير قد بايعه الناس على الخلافة، وذلك في مكة، وذلك في مكة. فكان أبو الأسود قد اكتب في ذلكم، في ذلكم البعث والجيش الذي سيخرج لقتال أهل الشام، وأهل الشام مسلمون، أهل الشام مسلمون. قال: "فاكتبت فيه، فلقيت عكرمة". وعكرمة هو مولى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أبو عبد الله البربري، أبو عبد الله البربري. وقلنا: البربر عبارة عن قبائل تسكن بلاد إفريقية، وقد ذكر بعض المؤرخين أن إفريقية يطلق قديماً على تلكم البلدان التي تقع الآن حالياً في شمال إفريقيا نحو مصر والجزائر وتونس وليبيا والمغرب وموريتانيا ونحوها. أما ما كان إلى جهة الجنوب وهكذا الشرق كالنيجر ومالي وغيرها من هذه البلاد فكانت تسمى ببلاد السودان، كانت تسمى ببلاد السودان. وأما إذا أطلق إفريقية قديماً فالمراد به حالياً شمال هذه القارة الإفريقية. فأكرمه مولى بربري، مولى بربري، ومع كونه مولى إلا أنه كان إماماً، كان إماماً من أئمة التابعين في الحديث، وهكذا في التفسير، وهكذا في الفقه. ولهذا قالوا فيه: ثقة ثبت عالم بالتفسير، ثقة ثبت عالم بالتفسير. عكرمة رحمه الله تعالى كان يقول: كان ابن عباس يجعل الكبل في قيدي، يعني يجعل القيد في في ماذا؟ في يده، قال: يعلمني القرآن والفرائض، يعلمني القرآن والفرائض. انظر: القيد في يده أو في رجله، ويعلم القرآن والفرائض. فبرع وتفوق على أقرانه حتى صار إماماً من أئمة المسلمين، من أئمة المسلمين. قال: "فلقيت عكرمة فأخبرته، فنهاني أشد النهي". يعني نهاه وشدد عليه في النهي أنه لا يخرج ولا يكتتب مع هذا البعث وهذا الجيش الذي سيخرج لقتال المسلمين ببلاد الشام، ببلاد الشام. والشام يطلق على ما يسمى حالياً بسوريا ولبنان وفلسطين والأردن، فهذه البلاد الأربع يطلق عليها بلاد الشام. قال: "ثم قال: أخبرني ابن عباس، أخبرني ابن عباس أن أناساً من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على رسول الله صلى الله عليه وسلم". قال: "فيأتي السهم فيرمى فيصيب أحدهم فيقتله، أو يضربه فيقتله، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ﴾". ﴿ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ﴾. وهذا فيه: أن من كثر سواد قوم في المعصية مختاراً، فإن الإثم والعقوبة تلحقه. فانظر: مع أن هؤلاء لم يخرجوا لقتال المسلمين، لكنهم خرجوا مع المشركين فيكثرون سوادهم ويكثرون جمعهم، ومع هذا حكم الله عليهم بظلم النفس، بظلم النفس. ولهذا العقوبة تلحقهم. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج يوم بدر، ذكر بعض من خرج مع المشركين وأنه لم يخرج لقتال، فمن لقيه لا يقتله، من لقيهم فلا يقتلهم. ومع هذا فأمثال أولئك الذين تركوا الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، ووقعوا بسبب ذلك فيما وقعوا فيه من تكثير سواد الباطل وأهله، هؤلاء يستحقون الإثم والعقوبة، يستحقون الإثم والعقوبة. وهذا فيه كذلك أيضاً: أنه لا يجوز تكثير سواد أهل الباطل، وهكذا أهل الفتن، وهكذا أهل المعاصي والبدع وغير ذلك، وإن لم يفعل مثل ما فعلوا، وإن لم يفعل مثل ما فعلوا. لماذا قال العلماء؟ لأن هذا يعتبر من التعاون على الإثم والعدوان: أناس يمارسون المعصية، وأن تجالس في أوساطهم، وإن لم تفعل تلكم المعصية، لكن كثرت سوادهم، وأنت تعين وتشجعهم على ذلك، فهذا من التعاون على الإثم والعدوان. وهكذا أيضاً هذا الفعل فيه محذوران: المحذور الأول: أنه يعتبر تقوية لأهل الباطل، وجود بعض الناس في أوساط أهل الباطل يعتبر تقوية لشوكتهم. الأمر الثاني: أنه أو ماذا؟ فيه إرعاب لأهل الحق ولأهل الخير والصلاح، إذا رأوا أن أهل الشر قد كثر سوادهم، فإن ذلك ماذا؟ يخوفهم ويرعبهم، يخوفهم ويرعبهم. وهذا الحديث كذلك أيضاً فيه إشارة إلى أهمية النية في العمل، أهمية النية في العمل، وأن الأعمال تعتبر بالنيات. فهذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ﴾، قالوا: ﴿فِيمَ كُنتُمْ﴾، قالوا: ﴿كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾، قالوا: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾. لماذا لا يهاجر هؤلاء وينتقل من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، ومن بلاد الشر إلى بلاد الخير والصلاح؟ ولهذا لم يعذر ربنا عز وجل إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان، فهؤلاء قد عذروا. أما من كان يستطيع أن يهاجر وأن يلحق ببلاد المسلمين ويترك بلاد الكفر والشر، فهذا يجب عليه أن يهاجر، يجب عليه أن يهاجر. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم صح عنه أنه كان يقول: «أنا بريء ممن مات بين ظهراني الكفار، بين ظهراني الكفار». وهكذا أيضاً في حديث عائشة المتفق عليه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يغزو جيش الكعبة، حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض، يُخْسَفُ أو خُسِفَ بأولهم وآخرهم». قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: يا رسول الله، يُخْسَفُ بأولهم وآخرهم، وفيهم أسواقهم ومن ليس معهم؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يُخْسَفُ بأولهم وآخرهم، ثم يبعثون على نياتهم، ثم يبعثون على نياتهم». فماذا هذه العقوبة إذا نزلت على أهل الباطل، وعلى أهل الفتن، وعلى أهل الشر، وأنت في أوساطهم؟ العقوبة تشملك، والعذاب من الله عز وجل كذلك أيضاً يعمك. واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة، منكم خاصة، وإنما ماذا؟ وإنما تعموا الجميع. ولهذا في حديث أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله تعالى عنها، قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: «أنهلك وفينا الصالحون؟» قال: «نعم، إذا كثر الخبث، نعم، إذا كثر الخبث». فهذا وغيره يدل دلالة واضحة على وجوب مفارقة الباطل وأهله، وهكذا البدع وأهلها، والشر وأصحابه، وأن الشخص لا يكثر سواد أهل الباطل، وإنما ماذا؟ وإنما يعتصم بالحق ويكون مع أهل الحق. وأما بالنسبة لما حصل من ابن الزبير، وهكذا ابن الأشعث، وهكذا غيرهم ممن حصل قتال وفتن في أيامهم، فقد ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى كما في كتابه "تهذيب التهذيب" عند ترجمة الحسن بن صالح بن حي، ذكر أن هذا القتال والخروج كان مذهباً لبعض السلف، كان مذهباً لبعض السلف. ثم استقر الأمر على أنه لا يجوز الخروج على الحاكم، أنه لا يجوز الخروج على الحاكم، ولو كان ظالماً جائراً، إلا كما جاء في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إلا أن تروا كفراً بواحاً، عندكم فيه من الله برهان». وهكذا قوله عليه الصلاة والسلام: «ما صلوا، ما صلوا». وهكذا ينظر في هذا الباب المصالح والمفاسد. وإلا فجماعة من المحققين من أهل العلم قد ذكروا أن جميع الخروجات التي كانت منذ عهد الصحابة إلى زمننا هذا، فإنه ماذا؟ لا يستفيد المسلمون من وراء ذلك إلا القتل والقتال، وسفك الدماء، ونهب الأموال، وانتهاك الأعراض، وهكذا إضعاف شوكة المسلمين. وأن من خرج فإما أن يقتل، وإما أن يبقى على شيء من الظفر، ثم بعد ذلك يزول ملكه، ثم بعد ذلك يزول ملكه. فهذا من الأمور التي ينبغي أن يتنبه لها أهل الإسلام، أن يتنبه لها أهل الإسلام. وقد أشار إلى نحو ما تقدم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى كما في كتابه "منهاج السنة النبوية"، "منهاج السنة النبوية". فنستفيد، فنستفيد بهذا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر

شاركنا على