شرح كتاب الفتن من صحيح البخاري  5

شرح كتاب الفتن من صحيح البخاري 5

الدرس في شرح كتاب الفتن من صحيح البخاري 5، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

إسناد حديث «ويل للعرب» واجتماع أربع صحابيات

يروي البخاري الحديث بسند متصل من مالك بن إسماعيل إلى سفيان بن عيينة فالزهري فعروة بن الزبير فزينب بنت أم سلمة فأم حبيبة فزينب بنت جحش. وفي رواية مسلم يجتمع في هذا الإسناد أربع صحابيات: زوجتا النبي أم حبيبة وأم سلمة، وربيبته زينب بنت أم سلمة وحبيبة بنت أم حبيبة، وهو إسناد فريد لم يُعرف له نظير.

حديث زينب بنت جحش عن فتح ردم يأجوج ومأجوج

يروي الحديث استيقاظ النبي صلى الله عليه وسلم فزعاً محذراً من شرٍّ قريب وفتح ردم يأجوج ومأجوج. ويشرح الشارحون أن تخصيص العرب بالويل لسبقهم للإسلام وسرعة هلاكهم بالفتن، كما يبين أن يأجوج ومأجوج أمتان من بني آدم تظهران في آخر الزمان من علامات الساعة الكبرى.

خروج يأجوج ومأجوج كعلامة كبرى والهلاك بانتشار المعاصي

يتناول المقطع خروج يأجوج ومأجوج كأحد علامات الساعة الكبرى مستنداً إلى حديث النواس بن سمعان، ويبين أن انتشار المعاصي والخبث يجلب الهلاك العام حتى مع وجود الصالحين. كما يستخلص فوائد منها: اللجوء لذكر الله عند الفزع، ووجوب محاربة الفساد بجميع صوره لدفع العذاب عن المجتمع.

دلالة الحديث على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وخروج يأجوج ومأجوج

يشير المقطع إلى أن الحديث النبوي يُعد دليلاً على صدق رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، حيث أخبر بخروج يأجوج ومأجوج كحدث مستقبلي حتمي. ويؤكد أن ما أخبر به الله ورسوله عن أفعالهم سيقع لا محالة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله تعالى: "باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: ويل للعرب من شر قد اقترب". قال رحمه الله تعالى: حدثنا مالك بن إسماعيل، وهو أبو غسان النهدي الكوفي. قال الحافظ رحمه الله تعالى: فيه ثقة، متقن، صحيح الكتاب، عابد. قال: حدثنا ابن عيينة، وهو سفيان بن عيينة أبو محمد الهلالي، إمام من أئمة المسلمين، وحافظ من حفاظ الأمة. قال الشافعي رحمه الله تعالى: "لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز". قال: أنه سمع الزهري، محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله، الشهير بابن شهاب، أبو بكر، رحمه الله تعالى. قال الحافظ رحمه الله: متفق على جلالته وإتقانه. قال: عن عروة، وهو ابن الزبير بن العوام، الملقب بالصابر المحتسب، أحد أئمة التابعين. قال: عن زينب بنت أم سلمة، وزينب هي ربيبة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، زينب بنت أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومية، أمها أم سلمة هند، زوج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: عن زينب عن أم حبيبة، وأم حبيبة هي رملة بنت أبي سفيان، زوج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أحد أمهات المؤمنين. قال: عن زينب بنت جحش رضي الله عنهن، وزينب بنت جحش هي أم الحكم القرشية، بنت عم، بنت عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمها أميمة بنت عبد المطلب، وهي إحدى زوجات النبي صلى الله عليه وسلم وأمهات المؤمنين رضي الله تعالى عنهن. وهنا فائدة إسنادية في هذا الإسناد، ألا وهو أنه قد جاء في رواية الإمام مسلم رحمه الله تعالى: رواية زينب بنت أم سلمة عن حبيبة بنت أم حبيبة عن أم حبيبة عن زينب بنت جحش رضي الله عنهن، فاجتمع في هذا الإسناد أربع صحابيات، اثنتان هما زوجتان لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ألا وهما أم حبيبة وأم سلمة، واثنتان هما ربيبتا رسول الله صلى الله عليه وسلم: زينب بنت أم سلمة، وحبيبة بنت أم حبيبة، وهي ابنة عبد الله بن جحش، كان زوجاً لأم حبيبة قبل أن يتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولهذا قال الإمام أبو زكريا النووي رحمه الله تعالى معلقاً على هذه الفائدة الإسنادية: "هذا الإسناد اجتمع فيه أربع صحابيات، زوجتان لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وربيبتان له، بعضهن عن بعض، ولا يُعلم حديث اجتمع فيه أربع صحابيات بعضهن عن بعض غيره". وهذه تعتبر فائدة نفيسة، قد يوجد في بعض الأسانيد رواية أربعة من الصحابة، أو أربعة من التابعين، بعضهم عن بعض، أما على هذه الصورة: أربع صحابيات إحداهن تروي عن الأخرى، فلا يوجد إلا في هذا الإسناد، كما ذكر ذلك النووي رحمه الله تعالى. قال: عن زينب بنت جحش رضي الله عنهن أنها قالت: "استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم من النوم محمراً وجهه، يقول: لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه"، وعقد سفيان - يعني ابن عيينة - تسعين أو مئة. قيل: "أهلك وفينا الصالحون؟" قال: "نعم، إذا كثر الخبث". أورد البخاري رحمه الله تعالى هذا الحديث، حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها، أو حديث زينب بنت جحش رضي الله تعالى عنها. وفي هذا الحديث تخبر زينب رضي الله تعالى عنها قالت: استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم من النوم محمراً وجهه، ومعنى ذلك: أي أنه استيقظ فزعاً وعليه الخوف والذعر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على تلك الحالة: "لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه". وقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هاهنا: "ويل للعرب من شر قد اقترب"، ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما خص العرب بالذكر لأنهم أول من دخل في الإسلام، وهكذا قال: وللإنذار بأن الفتن إذا وقعت كان الهلاك أسرع إليهم، أي إلى العرب. قال: "فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه". وقوله: "من ردم يأجوج ومأجوج"، أي: من ذلك السد الذي بناه ذو القرنين، وقصته مذكورة في سورة الكهف، كما في آخرها: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا * حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا * قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَىٰ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا * قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا * آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾. فهذا الردم الذي جعله ذو القرنين، الذي يحجب هاتين الأمتين، ألا وهما يأجوج ومأجوج. ويأجوج ومأجوج، كما دلت آيات القرآن وأحاديث السنة، أنهم قوم يظهرون في آخر الزمان، وأنهم يفسدون في الأرض، ويكون ظهورهم من إمارات وعلامات الساعة الكبرى. وهكذا أيضاً قد دلت الأدلة الصحيحة أن يأجوج ومأجوج هما أمتان من بني آدم. قيل: أنهما اسمان أعجميان، أو عربيان مشتقان من المأج، وهو الاضطراب، أو أنهما مشتقان من أجيج النار ولهيبها. وظهور يأجوج ومأجوج يعتبر من علامات الساعة الكبرى التي تكون قبيل قيام الساعة، وقصتهما مشهورة في الأحاديث الصحيحة الصريحة، ومن ذلك حديث النواس بن سمعان الذي أخرجه الإمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه. وقد أشار بعض أهل العلم من المعاصرين إلى أن المراد بيأجوج ومأجوج أنهم أهل الصين، وهذا أمر الله تعالى أعلم به، فقد أخبرنا ربنا عز وجل عن هاتين الأمتين وأنهما يخرجان قبيل قيام الساعة، وأما أهل الصين فإنهم على خلاف ذلك. قال: "وعقد سفيان تسعين أو مئة". وفي بعض الروايات: قال فحلق بين أصابعه، الإبهام والتي تليها، الإبهام والتي تليها، وهما بمعنى متقارب. قيل: "أهلك وفينا الصالحون؟" قال: "نعم، إذا كثر الخبث". وفسر الخبث في هذا الحديث أنه الفسوق أو الفجور، هكذا قال الجمهور من أهل العلم. وقيل: المراد بالخبث في هذا الحديث هو الزنا خاصة، وقيل: أولاد الزنا. قال النووي رحمه الله تعالى: "والظاهر أنه المعاصي مطلقاً"، وما ذكره رحمه الله تعالى هو أولى بسياق هذا الحديث. وفي هذا الحديث من الفوائد والمسائل التي تضمنها: أن الفزع لا يشغل قلب المؤمن عن ذكر الله، بل ينبغي عليه أن يذكر الله عز وجل عند الخوف، لأنه - أو لأن الشخص إذا ذكر الله عز وجل اطمأن قلبه، وصدق الله إذ يقول: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. وهكذا أيضاً في هذا الحديث دليل على أن خروج يأجوج ومأجوج يعتبر شراً على الناس، فهم يفسدون، وهكذا يعيثون في الأرض فساداً، ولا يصلحون، فيخربون على أهل الأرض معايشهم، فخروجهم لا شك أنه شر، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث خرج فزعاً، وعليه الخوف والذعر، وهو يقول: "لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب"، ثم بين عليه الصلاة والسلام سبب هذا الخوف، قال: "فتح اليوم"، أو قال: "قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، مثل هذه". وهكذا أيضاً في هذا الحديث: أن الهلاك العام قد يحصل بسبب كثرة المعاصي وانتشارها، ولو كثر الصالحون، وذلك أن ظهور المعاصي وانتشار الفساد دليل على قلة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر. وربنا عز وجل قد يهلك العامة ببعض ما يفعله الخاصة، وذلك إذا كثرت المعاصي وانتشر الفساد. وهكذا أيضاً في هذا الحديث بيان شؤم المعاصي، وهكذا فيه التحريض على إنكارها. فهذا المجتمع إذا أراد أن يحفظ نفسه من الهلاك ومن العذاب، يجب عليهم أن يحاربوا الفساد بجميع صوره وبشتى أشكاله، فيحاربون الزنا، وهكذا يحاربون الربا، ويحاربون غيره من المعاصي وأنواع الفساد، حتى لا ينزل العذاب فيعم الجميع. وهكذا في هذا الحديث: أن المصائب تعم الناس جميعاً، الصالح منهم والفاسد، ثم يوم القيامة يبعثون على نياتهم. وهكذا في هذا الحديث دليل من دلائل نبوة رسولنا صلى الله عليه وسلم، الدال على صدق رسالته، وأنه قد أخبر عن خروج يأجوج ومأجوج، وهذا أمر لا محالة أنه سيقع، وأنهم سيخرجون، وأنهم سيفعلون ما أخبر الله عز وجل عنه، وما أخبر عنه نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. طيب، نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.