تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 170

تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 170

الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 170، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

إقامة الحجة بإرسال الرسل مبشرين ومنذرين

يفسر السعدي آية النساء 165 موضحاً أن الله أرسل الرسل مبشرين للمطيعين بالسعادة ومنذرين للعاصين بالشقاء، ليقوم الحجة على العباد فلا يبقى لهم عذر بعد بعثة الرسل، وتكمن حكمة الإرسال في بيان طريق الحق وتحذير الباطل.

فضل إرسال الرسل وحرص النبي صلى الله عليه وسلم على هداية الناس

يبيّن المقطع أن إرسال الرسل رحمة أزالت ضرورة الناس إليهم، فمن لم يبلغهم نبي يمتحنون يوم القيامة، ومن كذبوا الرسل يؤاخذون بأعمالهم، كما يبرز حرص النبي صلى الله عليه وسلم الشديد على هداية قومه حتى عاتبه الله بلطف لئلا يهلك نفسه أسفًا عليهم.

نصيحة الأنبياء لأقوامهم وصبرهم على الأذى في الدعوة

يوضح المقطع أن الله أمر نبيه بعدم التحسر على المكذبين، مبينًا أن الأنبياء بلغوا كمال النصيحة لأقوامهم بالدعوة إلى طاعة الله والتحذير من المعاصي، ويذكر أمثلة على صبر الأنبياء وتحملهم الأذى في سبيل الدعوة، كنوح وإبراهيم ويحيى عليهم السلام.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى: عند قول الله جل وعلا: ﴿ رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾ [النساء: 165]. قال: وأن الله أرسلهم مبشرين لمن أطاع الله. معنى بعدما ذكر الرسل وأنه أوحى إليهم، ذكر أن منهم من قصه الله على رسوله، ومنهم من لم يقصص عليه. ثم قال جل وعلا: بيّن للنبي أن الله أرسلهم مبشرين لمن أطاع الله واتبعهم بالسعادة الدنيوية والأخروية، ومنذرين من عصى الله وخالفهم بالشقاوة الدارين؛ لألا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، فيقولوا: ما جاءنا من بشير ولا نذير. وكما قال الله عز وجل: ﴿ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ ﴾ [المائدة: 19]، قال: ﴿ قُلْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ ﴾ [المائدة: 19]، فلم يبقَ للخلق على الله حجة لإرساله الرسل تترى. معنى: الله عز وجل يقيم الحجة بإرسال رسله، كما تقدم في ذكره في الفوائد؛ فيقيم الله عز وجل حجته على خلقه بإرساله هؤلاء الرسل، فيبين للناس طريق الحق، ويحذرونهم من طريق الباطل، فبهذا تقوم حجة الله عز وجل على عباده. قال: يبينون لهم أمر دينهم، ومراضي ربهم ومساخطه، وطرق الجنة وطرق النار، فمن كفر منهم بعد ذلك فلا يلومن إلا نفسه. وهذا من كمال عزته تعالى وحكمته أن أرسل إليهم الرسل وأنزل عليهم الكتب. وذلك أيضًا من فضله وإحسانه، حيث كان الناس مضطرين إلى الأنبياء أعظم ضرورة تقدر؛ لأنهم لا يعرفون دينهم إلا بواسطة هؤلاء الأنبياء. ولهذا أهل الفترة الذين لم يأتهم نبي، وقد نسي دين ذلك النبي أو الرسول الذي قبله، فهؤلاء يمتحنون يوم القيامة كما جاء في حديث الأسود بن سريع. وأما من كان عندهم دين لكن لم يأخذوا به، بمعنى: جاءهم نبي من الأنبياء ورسول من الرسل فلم يأخذوا به، فهؤلاء يؤاخذون بما فعلوا وبما تركوا. قال: فأزال هذا الاضطرار، أي: الله عز وجل بإرسال الرسل، فله الحمد والشكر، ونسأله كما ابتدأ علينا نعمته بإرسالهم أن يتمها بالتوفيق لسلوك طريقهم، إنه جواد كريم. فهؤلاء الرسل بذلوا النصيحة لأقوامهم، وبلغوا رسالة ربهم من غير إخلال، بل حرصوا، حرصوا على دعوة الناس إلى الله جل وعلا. وكان من أحرصهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان حريصًا جدًا على هداية الناس إلى دين الله جل وعلا، حتى أن الله عز وجل عاتبه في بعض الحرص، أو بيّن له أنه لا يهلك نفسه: ﴿ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ [الشعراء: 3]، باخع: أي هالك. لا تهلك نفسك لأجل هؤلاء. فالله عز وجل يقول أيضًا لنبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ [الشعراء: 3]، فلا تهلك نفسك. وأيضًا قال: ﴿ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾ [فاطر: 8]. فالله عز وجل يقول لنبيه عليه الصلاة والسلام: لا تتحسر عليهم، ولا أيضًا كذلك تفوت نفسك وتهلك نفسك لأجل هؤلاء، فهم لا يريدون الحق ولا يريدون يتبعوا طريق الله جل وعلا، فلذا فلا تحرز ذلك الحرص عليهم. طيب. قال: فلهذا الأنبياء والرسول دعوا أقوامهم إلى طاعة الله جل وعلا، وحذروهم من المعاصي. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما من نبي إلا كان حقًا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم». وهذا من كمال النصيحة. قد بلغت الرسل، قد بلغت الرسل كمال النصيحة لأقوامهم. ولهذا تجد أن الله عز وجل يقول عن الأنبياء بعد أن نصحوا قومهم: فمنهم من قال: ﴿ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ ﴾ [الأعراف: 79]، ﴿ وَأَنْصَحُ لَكُمْ ﴾ [الأعراف: 62]. فهم نصحوا لأقوامهم، وأخلصوا هذه النصيحة لأقوامهم حتى لا يصيبهم عذاب الله جل وعلا. وهذا ذكره الله عز وجل عن هؤلاء الأنبياء، وعن دعوتهم، وكيف صبروا على أذى قومهم. نوح عليه السلام دعا قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا كما ذكر ربنا جل وعلا، وأكد الرسل من بعدهم. فهذه دعوة الله جل وعلا، صبر عليها هؤلاء، كما قال الإمام ابن القيم: ناح فيها نوح، وألقي إبراهيم نبي الله في النار من أجلها، وذبح يحيى بن زكريا، وذكر أمثال من بلاء الأنبياء صلوات الله وسلام عليهم في دعوة الله جل وعلا. فهذا ما يذكر في هذه الآية، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر