الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 172، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح العلامة السعدي آيات سورة النساء التي توعد الكافرين بالرسل والصد عن سبيل الله، مبينًا أن تكذيب رسول واحد يستلزم تكذيب جميع الرسل. ويشير إلى أن اليهود هم أئمة الكفر والصد عن دين الله، وأن مصيرهم الضلال البعيد والخلود في جهنم.
يفسر المقطع آيات تتحدث عن الذين كفروا وظلموا بأنهم بعيدون عن المغفرة والهداية بسبب إصرارهم على الكفر وطبع الله على قلوبهم. ويوضح أن هذا لا يمنع قبول توبتهم إن تابوا، مستدلاً بعرض التوبة على مرتكبي الكبائر كقائلي التثليث ومحرقي الأولياء في قصة الأخدود.
يشرح المقطع أن الله علق عذاب الذين فتنوا المؤمنين ولم يتوبوا بالنار، مبيناً أن الآية تدل على أن طريقهم الوحيد هو النار بسبب إصرارهم على الكفر والطغيان. ويناقش وجه الاستثناء في الآية هل هو متصل أم منقطع.
يوضح المقطع أن الآية تعني سهولة إيصال الله الكفار إلى النار، وليس معناه أن الله لا يبالي بهم. ويختتم بأن هذا ما ورد في تفسير الآيات والله أعلم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة سعد رحمه الله تعالى عند قوله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا * إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾. يقول رحمه الله: لما أخبر عن رسالة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، وأخبر برسالة خاتمهم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشهد بها، وشهدت ملائكته، لزم من ذلك ثبوت الأمر المقرر والمشهود به، فوجب تصديقهم والإيمان بهم واتباعهم. ثم توعد من كفر بهم، أي: من كفر بالرسل، أو كفر برسول واحد. والقاعدة في القرآن أن من كذب رسولًا فقد كذب جميع الرسل، كما قال الله عز وجل: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾، مع أنهم ما كذبوا إلا هودًا. لكن من كذب رسولًا واحدًا، فهذا يلزم أنه سيكذب جميع الرسل، أو أنه كذب جميع الرسل. قال: ثم توعد من كفر بهم، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾، أي: جمعوا بين الكفر بأنفسهم وصدهم الناس عن سبيل الله. وهؤلاء هم أئمة الكفر ودعاة الضلال. وذكر كثير من المفسرين أن المراد بهم اليهود. اليهود أكثر الناس كفرًا وصدًا عن سبيل الله، خاصة الصد عن سبيل الله، هم أكثر الناس يفعلون ذلك إلى الآن. حتى هناك من هو أكثر منهم، لكن ليس هناك من هو يصد عن سبيل الله مثلهم. فهم يحاربون دين الله بشتى الطرق وبشتى الوسائل، ويمكرون أشد المكر. قال: ﴿قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا﴾. وليس معنى ذلك أننا مثلا لما قال بعض المفسرين أنها في اليهود، أي أنها خاصة بهم، لا، بل هي عامة في كل من فعل فعلهم: كفر وصد عن سبيل الله. قال: ﴿قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا﴾. وأي ضلال أعظم من ضلال من ضل بنفسه وأضل غيره، فباء بالإثمين، ورجع بالخسارتين، وفاتته الهدايتان؟ لم يكتفِ بضلاله، بل أضل غيره، ليحملوا أثقالهم وأثقالًا مع أثقالهم، فهم يحملون وزرهم وأيضًا أوزار من أضلوا. قالوا: لهذا قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا﴾. وهذا الظلم هو زيادة على كفرهم، وإلا فالكفر عند الإطلاق الظلم يدخل فيه. والمراد بالظلم هنا: أعمال الكفر والاستغراق فيه. فهؤلاء بعيدون من المغفرة والهداية للصراط المستقيم. ولهذا قال: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾. قالوا: وإنما تعذرت المغفرة لهم والهداية لأنهم استمروا في طغيانهم، وازدادوا في كفرهم، وطبع على قلوبهم، وانسدت عليهم طرق الهداية بما كسبوا، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾. وهذا من باب أنهم كتبت عليهم الشقاوة، أي أنهم لا يؤمنون لأن الكفر قد استقر في قلوبهم، وزين لهم الشيطان أعمالهم. وليس معنى ذلك أنهم وإن تابوا قبل الله توبتهم، لأن الله عز وجل قد عرض التوبة على من جاء... أو من قال بالكفر الصريح، ممن قال بالتثليث، ومن قال أيضًا كذلك بغيره من المصائب الكبرى، كاتخاذ... ادعاء أن الله عز وجل اتخذ ولدًا. وكذلك كما قال أيضًا الحسن: أن الله عز وجل هو الكريم سبحانه وتعالى، عرض التوبة على من حرق أولياءه. ويريد ما ذكره ربنا جل وعلا في سورة الفجر، ويريد قصة أصحاب... أو أصحاب الأخدود. لما ذكر الله عز وجل أنهم أحرقوا أهل الإيمان: ﴿النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُم بِمَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾. فهؤلاء، الله عز وجل بعد أن ذكر ما فعلوه من الإجرام، قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾، فعلق عذابهم بالتوبة: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾. فلهذا فالمراد بقوله جل وعلا: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا﴾، المراد: من كتبت عليه الشقاوة، وكتب الله عز وجل عليه الشقاوة، استمر في طغيانه حتى مات على كفره، فهذا ليس له إلا النار. قال: ﴿طُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَأُغْلِقَتْ عَلَيْهِمْ طُرُقُ الْهُدَى بِمَا كَسَبُوا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾. ﴿وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾، أي: لا يبال الله بهم ولا يعبأ، لأنهم لا يصلحون للخير، ولا يليق بهم إلا الحالة التي اختاروها لأنفسهم. وقوله جل وعلا: ﴿إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾، ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾. هنا الاستثناء إما أن يكون استثناءً منقطعًا، أي: من جنس هذه الطرق، وهو أنه سيهديهم إلى طريق، إلى طريق من ضمنها، طريق جهنم. أو يقال: إن القصد أن هنا الاستثناء إما منقطع، يريد أن طريقة جهنم هي التي سيصلونها، ليس طريقًا أخرى، ليس طريقًا أخرى، فيكون الاستثناء منقطعًا على أنه ليس من جنسه. أو أن المراد أنه من جنسه، وأن من هذه الطرق هي طريق جهنم، وهو ما يسمى بالاستثناء المتصل. فالمراد أنه يخبر الله عز وجل أنه لا يغفر لهم، ولا أيضًا يدلهم على طريق الهداية، بل طريقهم طريق النار، لأنهم هم الذين اختاروا هذه النار، وأصروا وأصدوا عن سبيل الله جل وعلا، ودعوا الناس إليها، واستمروا في طغيانهم حتى أهلكهم الله. ﴿وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾، أي: أن يصلهم إلى تلك النار وإلى تلك الحالة. ولا كما قال المؤلف: لا يبال الله بهم ولا يعبأ. فهذا ما ذكر في تفسير هذه الآيات، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر