تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 174

تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 174

الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 174، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تحذير من الغلو في الدين وتحليل قول النصارى في عيسى عليه السلام

يفسر العلامة السعدي آية النهي عن الغلو في الدين، موضحاً أن الغلو هو مجاوزة الحد المشروع ومثاله قول النصارى إن عيسى ابن الله، وهو قول على الله بغير علم. وتضمنت الآية نهياً عن القول على الله بغير علم والكذب عليه، وأمراً بقول الحق والتصريح به مع الإشارة إلى كتمان كثير من النصارى للحق خوفاً من القتل.

قصة سلمان الفارسي والنجاشي وتحذير الغلو في الأنبياء والأولياء

يسرد المقطع رحلة سلمان الفارسي رضي الله عنه في طلب الحق حتى وصل للنبي صلى الله عليه وسلم، وإيمان النجاشي بعيسى رسولاً لا ابن الله. ويبين أن الغلو في الأنبياء والصالحين كما فعلت النصارى والروافض والصوفية هو جهل وضلال، والواجب قول الحق دون إفراط ولا تفريط.

حقيقة عيسى عليه السلام وتوحيد الله رداً على النصارى

يبيّن المقطع أن عيسى عليه السلام رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وليس هو الكلمة ولا ابن الله. وينفي صفة الولد والشريك عن الله مؤكداً وحدانيته وملكه للسماوات والأرض، داعياً أهل الكتاب إلى التوحيد الخالص.

خاتمة الدرس والإشارة إلى علم الله بمصالح العباد

يختتم المتحدث الدرس بالإشارة إلى أن الله تعالى بعد إثبات ألوهيته وقيوميته يعلم مصالح عباده وأهل التقوى والخير منهم. ويعد بمواصلة الشرح في الدرس القادم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال العلامة سعد رحمه الله عند قوله جل وعلا: ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ﴾. قال رحمه الله: ينهى تعالى أهل الكتاب عن الغلو في الدين، وهو مجاوزة الحد والقدر المشروع إلى ما ليس بمشروع، وذلك قول النصارى في غلوهم بعيسى عليه السلام، ورفعهم إياه عن مقام النبوة والرسالة إلى مقام الربوبية الذي لا يليق بغير الله. فكما أن التقصير والتفريط من المنهيات، فالغلو كذلك. وقد يكون أحياناً، بل غالباً، الغلو أعظم من الجفاء والتقصير. ولهذا غلا هؤلاء، فأتوا بهذه الكلمة العظيمة، قالوا: إن عيسى ابن الله، تعالى الله عز وجل عن ذلك علواً كبيراً. قال: ولهذا قال: ﴿ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ﴾. وهذا الكلام تضمن ثلاثة أشياء: أمرين منهي عنهما، وهما: قول الكذب على الله، والقول بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله وشرعه ورسله؛ والثالث مأمور به، وهو قول الحق في هذه الأمور. لأن الإنسان إما أن يتكلم بجهل على الله جل وعلا، فهذا يتقول على الله في أسمائه وصفاته أو أفعاله أو شرعه أو رسله، أو أنه يتعمد الكذب على الله جل وعلا. فهذان محظوران ذكرهما الله عز وجل في كتابه وحذر منهما: القول على الله بغير علم، والكذب على الله سبحانه وتعالى. وثالث مأمور به وهو قول الحق في هذه الأمور، أن يصرح بالحق، لا يخاف في الله لومة لائم. وإنما أوتي هؤلاء النصارى من الخوف، فتجد الرجل يكذب ولا يبالي. كثير منهم ما كان يعتقد هذه العقيدة، لكنها سادت بينهم بالقوة، أي عقيدة أن عيسى ابن الله. كثير منهم ما كان يعتقدها، بل كان بعضهم يخفي هذه العقيدة حتى لا يُقتل. ولهذا كان كثير من النصارى يعتقدون أن عيسى عبد الله، لكن خوفهم من قومهم يجعلهم يسكتون عن ذلك. ولهذا في قصة سلمان الفارسي رضي الله عنه، التقى ببعض القسس الذين يقولون بأنه ابن الله، والتقى ببعض القسس الذين يقولون بأنه رسول الله. ولهذا كانوا هؤلاء من النوادر. فكان أحدهم، إذا مات القسيس أو فاء إلى رجل لا يعرف بهذا الدين، يريد أنه لا يقول إلا بدين النصارى الحقيقي، فقال له: اذهب إلى رجل بعبادان. ثم قال ذاك: اذهب إلى رجل بالمذائي. وهكذا صار يتنقل بينهم حتى آخر رجل منهم، قال له: إنه لا يوجد في هذه الحياة، أو لا يوجد في الدنيا، من هو على هذا الدين الذي تطلبه، إلا أنه سينزل أو سيخرج نبي في هذا الوقت، فآمن به، وذكر له ثلاث صفات: أنه يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، وأن على كتفه خاتم النبوة. فأخذ سلمان رضي الله عنه وذهب، واستُعْجِرَ نفسه، وغدر به بعض أهل الشام، المهم حتى وصل إلى المدينة، وجلس عبداً في المدينة مع أنه من أبناء الملوك، من أبناء ملوك فارس، حتى جاء النبي عليه الصلاة والسلام فآمن به. كذلك النجاشي رضي الله عنه، كان يخفي هذا الدين، يعلم أن عيسى ليس ابن الله، أن عيسى رسول الله وليس ابنه كما تدعيه النصارى. ولهذا لما قال له عمرو بن العاص: إنهم يقولون في عيسى قولاً عظيماً، فقال لجعفر: ما تقولون في عيسى؟ قال: نقول إنه عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه. فقال النجاشي: والله ما جاوز هذا، وما في التوراة - وأشار إلى عود - أنه لم يجاوز ما جاء في التوراة. قال: فنخرت البطارقة، أنكروا هذا، أنكروا هذا الكلام. هم يعلمون أن دين النصارى يقول: عيسى ابن الله، فلهذا أنكروا كلام النجاشي. فقال: هذا هو الحق، وإن نخرتم. فلذلك كان بعض النصارى لا يقول الحق خشية أن يُقتل. لهذا قال الله عز وجل: ﴿ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ﴾، فمن لم يقل الحق فلا يجوز له أن يقول الباطل. قالوا: لما كانت هذه قاعدة عامة كلية، كان السياق في شأن عيسى عليه السلام نصاً على قول الحق فيه، المخالف لطريقة اليهودية والنصرانية. فقال: ﴿ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﴾. أن اليهود يكذبون بعيسى وحاولوا قتله، والنصارى غلوا فيه حتى جعلوه إلهاً. قال: غاية المسيح عليه السلام ومنتهى ما يصل إليه من مراتب الكمال، أعلى حالة تكون للمخلوقين، وهي درجة الرسالة، التي هي أعلى الدرجات وأجل المثوبات. لكن الجهلة الذين يظنون أنهم لما يرفعوا ذلك النبي أو الرجل الصالح إلى ما يكون من خصائص الربوبية، يظنون أنهم يثنون عليه وأنهم يمدحونه، وهذا جهل، وإنما هذا غلو لم يقبله الله عز وجل. ولهذا سرى هذا الغلو في هذه الأمة، لعله أكثر من غيرها، فظهرت هذه الطائفة الكاذبة، الطائفة التي هي أبلد الطوائف في العالم وأقلها عقولاً، هذه الرافضة أخزاهم الله، فغلوا في أئمتهم حتى ادعوا لهم العصمة، وادعوا لهم الألوهية، وأعطوهم من خصائص الربوبية. وهكذا الصوفية، غلوا في أئمتهم وأوليائهم حتى قالوا إنهم يعلمون الغيب، وأنهم يحيون الموتى، وأنهم يدبرون الأمر مع الله. كل هذا اعتقدوه في خلق من خلق الله، وهذا كله جرهم إليه الغلو في هؤلاء. وهكذا وقع في اليهود والنصارى. بل قد وقع في قوم نوح، قال: ﴿ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﴾. غاية المسيح عليه السلام ومنتهى ما يصل إليه من مراتب الكمال، أعلى حالة تكون للمخلوقين، وهي درجة الرسالة، التي هي أعلى الدرجات وأجل المثوبات. وأنه ﴿ كَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ ﴾، أي كلمة تكلم الله بها فكان بها عيسى، ليس عيسى كلمة، وإنما صار بالكلمة، كانت بالكلمة، وهي قوله جل جلاله وعلا: ﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ أو ﴿ كُنْ فَكَانَ ﴾. فالله عز وجل جعل عيسى وأنشاه بكلمة، فقال له: كن فيكون، فكان عيسى. فعيسى ليس هو الكلمة. لما قال الله عز وجل: ﴿ وَكَلِمَتُهُ ﴾، أي التي قالها الله عز وجل فكان بها عيسى، ولم يكن تلك الكلمة، وإنما كان بها. وهذا ليس من باب التأويل كما تدعيه الأشعرية، وإنما هذا معروف في لغة العرب من إضافة التشريف والتكريم، فجعله كلمته تشريفاً وتكريماً له، وإلا فهو ليس كلمة الله، وإنما كان بالكلمة. قال: وكذلك قوله: ﴿ وَرُوحٌ مِنْهُ ﴾، أي من الأرواح التي خلقها وكملها بالصفات الفاضلة والأخلاق الكاملة. أرسل الله روحه جبريل عليه السلام، فنفخ في جيب درع مريم عليها السلام، فحملت بإذن الله بعيسى عليه السلام. فلما بيّن حقيقة عيسى عليه السلام، أمر أهل الكتاب بالإيمان به وبرسله، ونهاهم أن يجعلوا الله ثالث ثلاثة، أحدهم عيسى والثاني مريم، فهذه مقالة النصارى قبحهم الله، فأمرهم أن ينتهوا. قال الله عز وجل: ﴿ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾. قال: ثم نزه نفسه عن الشريك والولد، فقال: ﴿ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾، أي هو المنفرد بالألوهية الذي لا تنبغي العبادة إلا له. وهذا أيضاً فيه رد على هؤلاء من المشركين من الذين يدعون أن لأوليائهم سيادة، وأيضاً قطبية، وأيضاً تدبير. بل الرب جل وعلا واحد لا شريك له ولا معاون له ولا ظهير. ﴿ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ ﴾. ليس هناك معاون. هؤلاء يعتقدون الصوفية أن هؤلاء يعاونون الله. وقال الله عز وجل: ﴿ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ ﴾، ولا تنفع الشفاعة إلا من أذن له. هو المنفرد بالألوهية الذي لا تنبغي العبادة إلا له. ﴿ سُبْحَانَهُ ﴾، أي تنزه وتقدس أن يكون له ولد، لأن له ما في السماوات وما في الأرض، فالكل مملوكون له مفتقرون إليه، فمحال أن يكون له شريك منهم أو ولد. قال: ولما أخبر أنه المالك للعالم العلوي والسفلي، أخبر أنه قائم بمصالحهم الدنيوية والأخروية وحافظها ومجازيهم. فأنا بعدما ذكر ألوهيته سبحانه وتعالى وكمال قيوميته على عباده، ذكر بعد ذلك أنه أعلم بمصالحهم، وأنه أعلم بأهل التقوى منهم أهل الخير. فهذا ما يذكر، إن شاء الله نكمل في الدرس اللاحق، والله تعالى أعلم.