الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 176، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح العلامة السعدي أن الله أرسل براهين قاطعة ونوراً مبيناً في كتابه وسنة نبيه وآيات الكون، فلا عذر لأحد في الضلال بعد هذه الحجج. ويؤكد أن الأدلة العقلية الصحيحة لا تتعارض مع النقل، مستشهداً بكتاب ابن تيمية "درء تعارض العقل والنقل"، وأن الواجب التسليم للغيبيات التي لا يدركها العقل.
يبيّن المقطع أن ضلال الفرق كالأخوارج والجهمية والروافض نشأ من إدخال عقولهم في الغيبيات فتكفروا أو يحرفوا أو يأتوا بمعاني غير قرآنية، بينما العقل السليم لا يخالف النص الصحيح. وتشير الآيات الكونية والنفسية إلى أنها برهان من الله على صدق شرعه، وأن الله أعلم بمصالح عباده وما يصلحهم.
يوضح المقطع أن القرآن الكريم هو نور أنزله الله لعباده ليهديهم من الضلال إلى الحق، مشتملاً على العلوم والأخبار النافعة والأمر بالعدل والنهي عن الظلم. ويبين أن الله هو نور السماوات والأرض، يهدي لنوره من يشاء من عباده.
يوضح المقطع أن الناس في ظلمة وشقاء إن لم يستضيئوا بنور الله، وأن أهل الكفر والبدع رضوا بالظلام برفضهم كتاب الله واعتمادهم على العقل فقط. مما أدى إلى ضلالهم وإضلالهم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال العلامة سعد رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾. قال العلامة سعد رحمه الله عند قوله جل وعلا: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾. قال رحمه الله: يمتن تعالى على سائر الناس بما أوصل إليهم من البراهين القاطعة والأنوار الساطعة، ويقيم عليهم الحجة، ويوضح لهم المحجة، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، أي: حجج قاطعة على الحق تبينه وتوضحه، وسواء كان في كتاب الله، أو في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أو ما يجعله الله عز وجل في الكون من السنن والأدلة العقلية وغير ذلك، فكل حجة أو حجج الله عز وجل على العباد. قال: أي حجج قاطعة للحق تبينه وتوضحه وتبين ضده، فما لا عذر لأحد بعد هذه البراهين العظيمة والحجج القاطعة، لا يتذرع الإنسان بعد ذلك فيعتذر لضلاله ولعدم قياده. قالوا: هذا يسمى الأدلة العقلية والنقلية، العقلية التي تكون بالعقل والتي توافق العقل الصحيح السليم، فالأدلة: كتاب الله وسنة رسوله وشرعه لا يعارض العقل الصحيح والعقل السليم، ولهذا ألف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كتابًا كبيرًا سماه «درء تعارض العقل والنقل»، أي: أن العقل لا يعارض النقل فيما يكون فيه إدراك العقل، أما الغيبيات وما لا يدركه العقل فالواجب على المسلم أن يسلم لله عز وجل ولا يقحم العقل في هذه الأمور. وما ضل من ضل من الأمم، وكذلك ما ضل من الفرق سواء كان الخوارج أو الجهمية أو الرافضة أو غيرهم، إلا أنهم أدخلوا عقولهم في الغيبيات، فمنهم من كفر وأنكر، ومنهم من حاول أن يحرف ويؤول، ومنهم من جاء بمعاني أخرى غير التي في القرآن، كل هذا بسبب أن عقولهم لم تدرك هذا الذي ذكره الله عز وجل، فأقحموا العقول فيما لا تدركه، فحصل ما حصل من الضلال. وأما ما تدركه العقول فهو لا يخالف الشرع، العقل السليم لا يخالف النص الصريح الصحيح. قال: الآيات الأفقية والنفسية، الأفقية: ما يكون في الأفق في الكون، والنفسية: ما يكون في أنفس الناس، ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾، فالإنسان يحق عليه أن يتفكر في نفسه فيما أعطاه الله عز وجل من النعم، ومن هذه الآلات التي جعلها ربنا جل وعلا في تركيب من آدم خلقه. قال الله عز وجل: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾، أنا نبين لهم أن هذا الحق لا يعارض العقول، بل أن العقول تنقاد إلى هذا الشرع وهذا الحق، وكذلك أيضًا ما يكون العبد في نفسه مما جعله الله عز وجل فيه يقوده إلى عظمة الله وإلى شرعه. قال في قوله: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾، برهان من ربكم، قال: ما يدل على شرف في هذا البرهان وعظمته حيث كان من ربكم الذي رباكم التربية الدينية والدنيوية، فكيف تتركون هذا البرهان وهو من الله الذي يعلم ما أنتم عليه، وهو الذي خلقكم، وهو يعلم مصالحكم، ويعلم ما يصلحكم، ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾، جل وعلا أعلم بما يصلح العباد وما يهديهم وما أيضًا كذلك يجعلهم على الصراط المستقيم. فقال جل وعلا: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾، قال: ما يدل على شرف في هذا البرهان وعظمته حيث كان من ربكم الذي رباكم التربية الدينية والدنيوية، فمن تربيته لكم يحمد عليها ويشكر أن أوصل إليكم البينات ليهديكم بها إلى الصراط المستقيم، أي: لم يترككم هملًا ولم يترككم على ضلال، بل أرسل إليكم الكتب وأنزل الرسل حتى يبين لكم هذا الحق، فلذلك فهذه الكتب تضل أو تهدي، الضال يهدي الضال إذا تمسك بها. قال الله عز وجل: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾، قال رحمه الله: وهو هذا القرآن العظيم الذي قد اشتمل على علوم الأولين والآخرين، والأخبار الصادقة النافعة، والأمر بكل عدل وإحسان وخير، والنهي عن كل ظلم وشر، فهو ينور ظلمات الضلال، يدخل إذا تمسك العبد بكتاب الله أنار له الطريق ووضح له الطريق، فهو نور من الله، وربنا جل وعلا يبعث نوره وينزل نوره سبحانه وتعالى على خلقه، فجعل القرآن نورًا، وجعل نبينا عليه الصلاة والسلام نورًا، وأيضًا جعل في عباد الله عز وجل النور ينورون الناس، كما ذكر الله عز وجل في آية سورة النور، فالله عز وجل بين أن ذلك النور الذي يكون في العباد هو من الله سبحانه وتعالى حتى يستضيء به الناس ويعرف طريق الحق، ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. فهذا الكوكب الدري هو الذي يضيء، وهكذا هذه الزجاجة، حتى قال الله عز وجل: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. قال: فالناس في ظلمة إن لم يستضيئوا بأنواره، وفي شقاء عظيم إن لم يقتبسوا من خيره، أن إذا لم يستضيئوا بنور الله فهم يبقون في الظلمات، ولهذا أهل الكفر والضلال رضوا بأن يكونوا في هذه الظلمات، وكذلك أهل البدع والأهواء رضوا بأن يكونوا في هذا الضلال والظلمات، أعطوا كتاب الله فردوه وأخذوا بالعقل، كما قال الإمام الذهبي رحمه الله: «قيل لهم: هذا كتاب الله، قالوا: تركوه، إنما نريد العقل»، وتركوا كتاب الله وأرادوا العقل فضلوا وأضلوا، وصاروا في الظلمات والعياذ بالله. فهذا ما ذكره المؤلف في هذه الآية، فنكتفي بذلك والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر