الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 175، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح الإمام السعدي أن الاستنكاف يعني الامتناع عن العبادة استكباراً، ويبين أن المسيح والملائكة المقربين منزهون عنه بل يعبدون الله محبةً وتعظيماً. من استنكف واستكبر فسيحشرهم الله جميعاً ويعذبهم عذاباً أليماً.
الاستكبار هو الدافع الرئيس للامتناع عن عبادة الله، وقد توعد الله المستكبرين بالنار، بينما عيسى والملائكة رغبوا في العبادة خضوعاً لربوبيته. رفع المخلوقين فوق منزلتهم وإعطاؤهم صفات الربوبية ليس كمالاً بل نقصاً وانحرافاً عن التوحيد.
رفع الأنبياء إلى مرتبة الربوبية يعد نقصاً فيهم، فهم عباد مفتقرون إلى الله متذلون له، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الغلو في مدحه كما غلت النصارى في عيسى. المؤمن الحق يدرك حاجته المطلقة لله فيكثر من الدعاء والذكر وتعلق القلب به.
أعظم القلوب هي التي تفتقر إلى الله في كل لحظة، والأنبياء والملائكة يعبدون الله بخضوع ومحبة دون استنكاف. فهم محتاجون مفتقرون إليه سبحانه ويعظمون عبادته.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال الإمام السعدي رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾. قال رحمه الله: لما ذكر تعالى قول النصارى في عيسى عليه السلام، وذكر أنه عبده ورسوله، ذكر هنا أن لا يستنكف عن عبادة ربه. أي: عيسى لا يستنكف، أي لا يمتنع عنها رغبة عنها. فَالاستنكاف هو الامتناع رغبة عن الشيء، بمعنى لا يريده أصلًا. قد يمتنع الإنسان لعارض، أنه مثلا يُهدد فيكره على الامتناع، قد يمتنع الإنسان لعارض مثلا مصلحة أخرى، قد يمتنع من باب التكاسل. لكن الاستنكاف هو امتناع عن رغبة، أنه لا يريد هذا الشيء. فقال الله عز وجل: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾، أي: ليس هو ممتنعًا عن ذلك ولا راغبًا في ذلك - بل هو عبد لله جل وعلا، وهو يعترف بذلك. وإنما ذكر الله جل وعلا هذا ردًّا على هؤلاء النصارى الذين يدعون أنه ابن الله، فبيّن لهم أنه عبد لله، لا يمتنع عن عبادته أبدًا، ولا يرغب فيها - أو لا يرغب عنها - بل يحب عبادة ربه جل وعلا. قال: ﴿وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾، أيضًا كذلك لا يمتنعون عن عبادة ربهم، بل يحبون هذه العبادة، يفعلونها محبة وتعظيمًا لربهم جل وعلا. قال: فنزههم عن الاستنكاف، وتنزيههم عن الاستكبار من باب أولى. وهو قوله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾. لأن غالب الامتناع عن العبادة إنما يكون من الاستكبار، أن الإنسان تكبر على ربه جل وعلا فيمتنع عن عبادته، مثل ما حصل من الشيطان الرجيم استكبر عن عبادة الله جل وعلا. فمن استكبر عن عبادة الله فقد توعده الله عز وجل بالخسران وبالنار، وقال ربكم: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾. قال رحمه الله: وتنزيههم عن الاستكبار من باب أولى، ونفي الشيء يثبت ضده. أن لما نفى الله عز وجل عنهم الاستنكاف دل على أنهم معظِّمين له سبحانه وتعالى ومحبين له، وأيضًا خاضعين له جل وعلا. قال: إن عيسى والملائكة المقربين قد رغبوا في عبادة ربهم وحبوها وسعوا فيها بما يليق بأحوالهم، فأوجب لهم ذلك الشرف العظيم والفوز العظيم. فلم يستنكفوا أن يكونوا عبيدًا لربوبيته ولا لإلهيته، بل يرون افتقارهم لذلك فوق كل افتقار. إن افتقارهم لربهم جل وعلا وافتقارهم لعبادة الله. قال: ولا يظن أن رفع عيسى أو غيره من الخلق فوق مرتبته التي أنزله الله فيها، وترفعه عن العبادة كمالًا. قال: ليس هذا كمالًا. أولًا: لأن الذين يعظمون الأنبياء لكن يعظمونهم بغير الشرع، فيعطونهم حق الألوهية، حق الربوبية. حق الألوهية: أنهم يعبدونهم، يصرفون لهم العبادة. وحق الربوبية: أنهم يعتقدون أنهم لهم صفات من صفات الله عز وجل، من الرزق والخلق والتدبير وغير ذلك. كما يعتقد الروافض والصوفية القبورية في أوليائهم ومشايخهم، يعتقدون فيهم التدبير، أنهم يدبرون هذا الكون، وأنهم يعلمون الغيب، وغيرها من هذه الأمور من صفات ربوبية الله جل وعلا، فيعطونه صفات ربوبية. وكذلك أيضًا يصرفون له العبادة، معنى ذلك أنه يعطونه صفات الألوهية، أنه يستحق أن يعبد. قال: بل هو النقص بعينه. عندما يرفع الإنسان فوق منزلته التي أنزله الله عز وجل، فهذا ليس كمالًا، وإنما هذا نقص. فرفع الأنبياء إلى مرتبة ربوبية نقص فيهم، لأنهم لو كانوا كذلك لكانوا عند الله عز وجل مبغوضين، لكن ليسوا كذلك، بل هم عباد لله، افتقروا إلى الله، وافتقارهم إلى عبادة الله سبحانه وتعالى، تواضعوا لله جل وعلا. فلهذا فرفعهم عن هذه الدرجة يعتبر نقصًا فيهم. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام كان ينهى عن ذلك. في حديث عمر قال: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، لا تطروني أي لا تزيدوا في مدحي كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فقولوا: عبد الله ورسوله». وجاء أيضًا في حديث أنس في أولئك الناس الذين جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومدحوه وأثنوا عليه، وقالوا: يا خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، وهو كذلك عليه الصلاة والسلام. لكن قال لهم: «يا أيها الناس، قولوا بقولكم، لا يستجرينكم الشيطان» - الشيطان يسحبكم على كلمة كلمة ثم بعد ذلك تأتوا بالغلو - «لا يستجرينكم الشيطان، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله». فلهذا فالغلو في الأنبياء وإعطاؤهم منزلة فوق منزلتهم، وكذلك الملائكة، لا يدل على كمالهم، بل هو نقص فيهم، قال: محل الذم والعقاب. ولهذا قال: ﴿مَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾، أي: فسيحشر الخلق كلهم إليه، المستنكفين والمستكبرين وعباده المؤمنين، فيحكم بينهم بحكمه العدل وجزائه الفضل. فالله عز وجل بفضله سبحانه وتعالى يعفو عن أهل الإيمان، ويعاقب بعدله، يعاقب أهل الكفر والفساد وأهل الاستنكاف والاستكبار. فلهذا المؤمن يكون متواضعًا لله، مفتقرًا إلى الله، يقع في قلبه أنه محتاج إلى الله في كل شيء، وهذا من أعظم ما يكون من أهل الإيمان، أنه يرى نفسه أنه محتاج إلى الله في كل شيء. ولهذا يكثر الدعاء، ويكثر الذكر، وقلبه يكون معلقًا بالله، وهذا من أعظم العبادة لله سبحانه وتعالى. وأيضًا من أعظم القلوب التي تعبد الله جل وعلا أن يكون قلب العبد مفتقرًا إلى الله ومحتاجًا إلى الله في كل لحظة وثانية. فهذا المراد من هذا: أن هؤلاء الأنبياء والملائكة هم محتاجون مفتقرون إلى الله سبحانه وتعالى، ويعبدون ربهم جل وعلا، فهم لا يستنكفون أبدًا ولا يمتنعون عن عبادة الله، بل يحبون ذلك ويعظمون عبادته سبحانه وتعالى. فهذا ما يذكر في هذه الآية، والله تعالى أعلم.