الدرس في تذكير أهل الإيمان بجملة من أسباب محبة الرحمن 2، ألقاها
الصبر يُعد من أعظم الأسباب التي تجلب محبة الله، وقد وردت نصوص قرآنية وأقوال للعلماء كابن القيم تجعله نصف الإيمان. وينقسم الصبر إلى ثلاثة أقسام: الصبر على الطاعة، والصبر عن المعصية، والصبر على أقدار الله المؤلمة.
الصبر من أعظم العبادات، والصابرون ينالون معية خاصة من الله تشمل الحفظ والنصر والتأييد. وقد وعدهم الله بأجر غير محسوب، والجنة والحرير، وجعل الصبر ضياء ونوراً للمؤمن.
يروي الحديث قصة المرأة المصرعة التي خُيّرت بين الصبر على مرضها ولها الجنة أو الدعاء بالشفاء، فاختارت الصبر محتسبة الأجر. ويؤكد النبي صلى الله عليه وسلم أن الصبر الحقيقي يكون عند الصدمة الأولى، داعياً إلى التحلي به في مواقف البلاء المفاجئة وفي شهر رمضان.
يدعو المتحدث الله أن يجعل اجتماعهم مرحوماً وتفرقهم معصوماً، وأن لا يكون فيهم شقي ولا محروم. ويسأل الله أن يجعلهم من عباده المحبوبين الموفقين للخير والطاعة والبر والتقوى، مختتماً بالصلاة على النبي محمد.
بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح لهذه الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين. ثم أما بعد، فهذا مجلس من المجالس الرمضانية التي نتحدث فيها حول ما يتعلق بتذكير أهل الإيمان بجملة من أسباب محبة الرحمن تبارك وتعالى. وسبق معنا في الدرس الماضي بيان أن الله تبارك وتعالى يحب ويحب، فهو يحب عباده المؤمنين، وهكذا أيضا عباده يحبونه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِ اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾. وهكذا نبينا صلى الله عليه وسلم يقول كما في حديث سهل بن سعد رضي الله تعالى عنهما في الصحيحين: قال يوم خيبر: «لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه»، ثم أعطى هذه الراية لعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه. و سبق معنا في الدرس الماضي بيان بعض ما يتعلق بمخالفة أهل الأهواء والبدع لما عليه أهل السنة والجماعة من معتقد صحيح، وهكذا ما يتعلق بإثبات هذه الصفة لله تبارك وتعالى. ومضى معنا كذلك أن صفة المحبة لله تبارك وتعالى ثابتة بنص الكتاب العزيز، وهكذا السنة النبوية المطهرة، وهكذا أيضا إجماع سلف هذه الأمة من لدن صحابة النبي صلى الله عليه وسلم فمن بعدهم فمن بعدهم. وهكذا مر معنا أن الله تبارك وتعالى إذا أحب عبده وفقه للخير وأخذ بناصيته إلى البر والتقوى، وجنبه ما يغضبه، ويأبى إذا أحب الله العبد فليبشر بكل خير. ومر معنا الإشارة إلى ما جاء في حديث أبي هريرة الذي أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «يقول الله تعالى: من عاد لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها». قال العلماء: معنى هذا أن الله يوفقه للخير، لا يسمع بأذنيه إلا خيرا، ولا ينظر بعينيه إلا إلى خير، وهكذا يداه ورجلاه لا يستعملهما إلا في الخير. قال: «ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه». كرامات عظيمة جعلها الله عز وجل لعباده الذين من عليهم بمحبته. وتكلمنا في الدرس الماضي كذلك عن سبب عظيم ومهم من الأسباب العظيمة التي تجلب محبة الله عز وجل لهذا العبد، ألا وهي تقوى الله تبارك وتعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾. ومر معنا في الدرس الماضي بعض الإشارات حول ما يتعلق بأهمية تحلي أهل الإيمان وأمة التوحيد والإسلام بهذه الخصلة العظيمة، وهذه الصفة الحميدة التي عليها مدار سعادة الدنيا والآخرة، وهكذا الفوز بالنعيم المقيم عند الله تبارك وتعالى في جنات النعيم. في هذا المقام وفي هذا المجلس نتذاكر سببا آخر من هذه الأسباب الجالبة لمحبة الله تبارك وتعالى لهذا العبد، وهذا السبب هو ما يتعلق بأمر الصبر. يقول ربنا تبارك وتعالى في محكم تنزيله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾، ﴿فَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾. وهكذا يقول جل في علاه في هذه الآية مبينا محبته لعباده الصابرين: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾. ولأهمية أمر الصبر نجد أن الله تبارك وتعالى ذكره في مواضع عديدة وآيات كثيرة من كتابه الكريم. جاء عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى قال: «ذكر الصبر في القرآن نحوا من تسعين مرة»، وهذا يدل على أهمية أمر الصبر ووجوب التحلي به. يقول شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله تعالى مبينا أهمية الصبر: «وهو واجب بإجماع الأمة»، قال في الصبر: «وهو واجب بإجماع الأمة، وهو نصف الإيمان». وهو نصف الإيمان، فإن الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر. الإيمان عبارة عن نصفين: النصف الأول هو الصبر، والنصف الآخر هو الشكر. وذلك أن العبد في هذه الدنيا نعم يتقلب ويتحول بين نعمة ومصيبة، ورخاء وشدة، فعند الرخاء وعند النعمة يجب عليه أن يكون من الشاكرين لله عز وجل، وعند المصائب وعند الشرور وعند الفتن يجب عليه أن يكون من الصابرين. وهكذا ذكر رحمه الله تعالى قال: «ولهذا كان الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد»، الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا إيمان لمن لا صبر له، كما أنه لا جسد لمن لا رأس له. هل سمعت يوما أن شخصا قطع رأسه فلا زال يعيش يتحرك ويقوم ويأكل ويشرب ويمشي؟ أبدا. وهكذا الصبر إن زال من هذا العبد فيكون بذلك زوال هذا الإيمان. حقيقة الصبر هو الحبس: حبس هذه النفس على طاعة الله عز وجل بأن تمتثلها، وهكذا حبسها عن معصية الله عز وجل فلا تقع فيها، وهكذا حبسها على أقدار الله عز وجل فلا تتسخط، ولا كذلك أيضا تظهر الشكاية من الله تبارك وتعالى. وعلى هذا بنى أهل العلم أقسام الصبر الثلاثة: قالوا صبر على الطاعة، ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾، والصبر عليها. الصلاة تحتاج إلى صبر، الصيام يحتاج منك إلى صبر، الحج والعمرة يحتاجان منك إلى صبر، الصدقة والزكاة كذلك يحتاجان منك إلى صبر. ما من عبادة إلا ويحتاج العبد أن يتسلح لها ويستعد لها بالصبر. وهكذا المعاصي والشهوات وما أكثرها، فتحتاج من هذا العبد أن يستعين بالصبر حتى لا يقع فيها، القلب يهوى ويتمنى، وأن نفسه أمارة بالسوء إلا ما رحم ربي، ودواع الشر كثيرة، بل والنار حفت بالشهوات، وهذا كله يستدعي أن يتسلح هذا العبد بسلاح الصبر فيمنع هذه النفس عن الوقوع فيما حرم الله تبارك وتعالى عليه. وهكذا بالنسبة لما يبتلى به هذا العبد في هذه الدنيا، هذه الدنيا هي دار ابتلاء ودار امتحان، ودار يختبر فيها رب العالمين عباده، ينظر رب العالمين وهو أعلم بهم: الصابر من غير الصابر، الشاكر من غير الشاكر، المؤمن من المنافق، المحسن من المسيء. نعم، هذا كله يكون بالابتلاء، والواجب على هذا المؤمن أمام ابتلاء الله عز وجل أن يكون صابرا عند النقمة وعند المصيبة، وشاكرا عند النعمة، وهكذا عند المسرات. ومن تأمل آيات الكتاب وأحاديث السنة وجد أنها تدل دلالة عظيمة وواضحة على فضيلة الصبر ومكانته العظيمة عند الله تبارك وتعالى. ومن فضائل الصبر والصابرين ما سبق الإشارة إليه في بداية الحديث عن هذا الموضوع، ألا وهو أن الله تبارك وتعالى يحب الصابرين، يحب الصابرين: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾. وهكذا أيضا من هذه الفضائل والمزايا التي جعلها الله تبارك وتعالى للصبر وفي الصبر أن الله تبارك وتعالى مع عباده الصابرين، مع عباده الصابرين. وهذه المعية هي معية خاصة، وذلك أن الله تبارك وتعالى وتعالى يحفظ أهل الصبر، وهكذا يرعاهم وينصرهم على من عداهم. هذه المعية الخاصة، وإلا فربنا عز وجل مع عباده كلهم بعلمه وإحاطته، بعلمه وإحاطته. لكن معية الله للصابرين هذه تتضمن الحفظ والرعاية، وهكذا النصر والتأييد. ولهذا يقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. تأمل يا عبد الله في هذه الآية التي نزلت في خير الناس على وجه الأرض، أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، يقول الله لهم: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾، قال: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. وهكذا يقول ربنا عز وجل في محكم تنزيله: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾، مئة صابرة يغلب مئتين، ﴿وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، يغلب ألفين بإذن الله، ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. وهكذا ذكر الله في سورة البقرة حول ما يتعلق بقصة طالوت مع جالوت، وطالوت كان ملكا صالحا، وكان داود عليه الصلاة والسلام كما ذكر كثير من أهل التفسير أنه كان من جنوده وأمرائه، من جنوده وأمرائه. قال الله تبارك وتعالى في قصة طالوت: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾، لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده، ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. وهذه المعية قلنا تعتبر من الأهمية بمكان، إذ أن الله تبارك وتعالى ينصر هؤلاء العباد الذين ربنا عز وجل معهم، فينصرهم ويحفظهم، وهكذا أيضا يرعاهم. والنصر على الأعداء يكون بالصبر، النصر على الأعداء يكون بالصبر. ولهذا قال الله تعالى: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾، بلى إن تصبروا وتتقوا، ﴿وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾، من الملائكة مسومين. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: «واعلم أن النصر مع الصبر، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا». الصبر وإخواني في الله فيه خير الدنيا والآخرة، من أراد خير الدنيا ونعيم الآخرة فعليه بالصبر، فعليه بالصبر. ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾، وإن تصبروا خيرا لكم. وهكذا يقول عز وجل: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾، لهو خير للصابرين. ويقول عز وجل: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾. وأن النبي صلى الله عليه وسلم وصف الصبر بأنه يعتبر لهذا المؤمن ضياء، كما في حديث أبي مالك الأشعري عند الإمام مسلم رحمه الله تعالى، قال عليه الصلاة والسلام: «الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملأ أو تملأ ما بين السماوات والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو فبائع نفسه فنعم، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها، فمعتقها أو موبقها». وهكذا جاء في حديث أبي سعيد في الصحيحين، يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من يستغني يغنه الله، من يستغني يغنه الله، ومن يتعفف يعفه الله، ومن يتصبر يصبره الله». لتعلم أن الصبر منه ما يجعله الله في قلب العبد، ومنه ما يتسبب فيه العبد ويعود نفسه عليه ويمرنها عليه. قال: «ومن يتصبر يصبره الله، قال: وما أعطي أحد عطاء خير ولا أوسع من الصبر، وما أعطي أحد، وما أعطي أحد عطاء خير ولا أوسع من الصبر». وهذا يدلنا كذلك على عظيم النعمة التي ينعم بها رب العالمين تبارك وتعالى على عباده إذا جعلهم من عباده الصابرين. ومما يدلنا على عظم الصبر وعلو درجة أهله ومكانتهم عند الله تبارك وتعالى الأجر العظيم الذي جعله الله تعالى في الصبر، الذي جعله الله تعالى في الصبر. قال ربنا تبارك وتعالى في محكم تنزيله: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. اطمئن يا عبد الله، الله عز وجل يعطي الصابرين عطاء عظيما: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وهكذا يقول جل في علاه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. قال العلماء: هذا الأسلوب يدل على عظم الأجر وكثرة الثواب، وهذا لم يذكر إلا في حق عبادتين عظيمتين: الأولى الصبر، والأخرى الصيام. فقال الله في الصوم: «إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به»، إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به. أما سائر الأعمال فقد أخبر الله عنها أن الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة. قال الله تعالى: ﴿إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ﴾، وأنا أجزي به. ومن أجر الصابرين جنة عرضها السماوات والأرض، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. الجنة يا عبد الله من أجر وثواب الصابرين. ولهذا يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾، وجزاهم بماذا؟ قال: ﴿بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾، ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾. وهكذا يقول سبحانه: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾، أي على أهل الجنة من كل باب من أبوابها، ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾، سلام عليكم بما صبرتم، ﴿فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾، فنعم عقب الدار. جاء في الصحيحين حديث عطاء بن أبي رباح رحمه الله تعالى، قال: قال لي ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: «ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟» قال: قلت: بلى. قال: «هذه المرأة السوداء»، مرأة يا عباد الله، امرأة سوداء بشرت بالجنة وهي تمشي على ظهر هذه الأرض. قال: «هذه المرأة السوداء أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إني أصرع»، أي يصيبها مرض الصرع. وذكر العلماء أن الصرع له سببان: الأول تلبس الجن بالإنس فيؤدي ذلك إلى أن يصرع الإنس، وآخر هو بسبب تشنجات وهكذا توترات عصبية وحالات نفسية لربما أدت إلى أن يتشنج المريض فيصرع. عندها قالت: «إني أصرع، فادع الله تعالى لي». انظر ما قالت: «اشفني يا رسول الله» أو «ادفع ما بي من مرض»؟ وإنما كانت تعلم أن الشفاء من عند الله عز وجل لا يملكه أحد غيره. قالت: «فادع الله تعالى لي». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله تعالى أن يعافيك». قال: «دعت الله تعالى أن يعافيك»؟ ماذا ستختار هذه المرأة التي قد أتعبها المرض، والتي آلمها الوجع، الوجع الذي يتعرض له المصروع، وجع لا يوصف، وجع شديد، وهكذا أليم؟ ومع هذا يا عباد الله خيرها النبي صلى الله عليه وسلم، فماذا ستختار هذه المرأة التي هي كغيرها من النساء يغلب عليهن الضعف وقلة التحمل إلا من رحم الله؟ هذه المرأة قالت: «أصبر، لي الجنة». ستصبر على الألم، ستتحمل الوجع، لكن في سبيل ماذا؟ في سبيل أن تكون هناك الراحة الأبدية والنعيم المقيم عند الله عز وجل. قالت: «أصبر، لي الجنة». قارن بين هذا الموقف وموقف كثير من المسلمين والمسلمات الذين لربما بعضهم مستعد أن يضحي بدينه من أجل الشفاء إذا مرضه أو مرض ابنه أو مرض زوجته أو غير ذلك، مستعد ولا يبالي أن يذهب إلى السحرة وإلى المشعوذين وإلى أصحاب الدجل والكهانة، استعد أن يذهب عندهم من أجل أن يعاف المريض، ولو كان على حساب دينه، ولو كان على حساب دينه. وهذه المرأة تقول: «أصبر، لي الجنة». قالت: «يا رسول الله، لكني أتكشف، فادعو الله ألا أتكشف». قال: «فدعا لها». ومما ينبغي أن نعلمه أن هذا الصبر الذي يؤجر عليه صاحبه ويحمد فاعله هو الذي يكون عند نزول البلاء، وهذا ما يسمى عند الصدمة الأولى. ومما يدل على ذلك ما جاء في الصحيحين من حديث أنس، قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم على امرأة تبكي عند قبر، جاء في رواية أنها أنه قبر ابن لها مات. ولا تسأل يا عبد الله، أما يصيب فؤاد الأم إذا فقدت ابنها وفلذة كبدها؟ هذه امرأة مات ابنها وتبكي عند قبر، فمر عليها النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها: «اتقي الله واصبري». قال لها: «اتقي الله واصبري». قالت: «إليك عني، اذهب، إليك عني، فإنك لم تصب بمصيبتي». قال: ولم تعلم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فذهب النبي صلى الله عليه وسلم حتى دخل منزلها. ما شنع عليها، ما قال لها: «أنت ما عندك أدب ولا احترام ولا تقدير»، ما قال لها: «أما تدرين من تخاطبين؟» أبدا يا عباد الله، كان بالمؤمنين رؤوفا رحيما. ذهب حتى دخل منزله. اليوم الواحد منا لربما إذا نصح بعض الصبيان في المسجد فقال: «يا فلان لا تلعب»، فالطفل يقول له مثلا: «ما أريد»، أو يأتي له بكلمة سيئة، لربما أخذ العمامة وجرى وراء الطفل وضربه وسبه، وإلى خارج المسجد يجري خلفه. لا يا عباد الله، النبي صلى الله عليه وسلم كان رؤوفا رحيما، كما قال مالك بن الحويرث في صفة النبي صلى الله عليه وسلم: «قال: وكان رقيقا رحيما، وكان رقيقا رحيما». ذهب عليه الصلاة والسلام حتى دخل منزله. فقيل لهذه المرأة: «إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم». وحينها عظم الأمر على هذه المرأة، فجمعت نفسها وذهبت إلى باب النبي صلى الله عليه وسلم فلم تجد عنده بوابين، ثم دخلت فقالت: «يا رسول الله، لم أعرفك». هذا اعتذار يا عباد الله، قالت: «لم أعرفك»، أي أنها لو كانت تعلم أن الذي قال لها: «اتقي الله واصبري» هو سيد الأولين والآخرين، وخاتم الأنبياء والمرسلين، آتاه الله الحوض المورود والمقام المحمود والشفاعة العظمى، أول من يستفتح باب الجنة، يأتي باب الجنة فيستأذن، فيقول الملك: «من؟» فيقول: «محمد»، فيقول الملك: «أمرت ألا أفتح لأحد قبلك». لو كانت تعلم أنه هو لما قالت ما قالت. قالت: «يا رسول الله، لم أعرفك». فقال النبي صلى الله عليه وسلم كلمة عظيمة تستحق أن تكتب بالذهب لا بماء، وأن تكون نبراسا لكل مسلم ونصب عيني كل مؤمن، إذا نزلت مصيبة تذكر هذه الكلمة. قال عليه الصلاة والسلام: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى». أول ما ينزل البلاء يقال لك: «يا عبد الله، احتسب الأجر، سيارتك سرقت، ماذا تصنع؟» قل: «الحمد لله، إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي هذه، وأخلف لي خيرا منها». يقال لك: «يا عبد الله، القارب والمكائن، أتى رجل وأخذها إلى مكان بعيد، إيش تفعل؟» الحمد لله، اصبر واحتسب. يقال لك: «يا عبد الله، احتسب الأجر في ابنك، نزل إلى الشارع فأخذته السيارة فمات، لا قدر الله، فماذا؟» يوطن العبد نفسه على الصبر. إخوالنا، أخوالنا أهل البحر، لربما كذلك يبتل الواحد في عمله ابتلاء شديدا، يبقى نحو ساعة وأكثر يحاول أن يصطاد هذا الحوت، تعب وإرهاق وشمس، وتار يجلس وتار يقوم، فبينما هو قاب قوسين أو أدنى على وشك أن يغفر بهذا الصيد، فيبتليه الله عز وجل فيحرك ذلك الصيد فمه أو ذيله فيذهب ويهرب. ماذا يصنع أخوالنا أهل البحر؟ ماذا يصنع؟ يصبر ويحتسب، لا يضرب القارب، ولا يسب الصياد الذي بجانبه، ولا... يصبر ويحتسب، يعلم أن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، هذا كله بتقدير المولى تبارك وتعالى. إخواني في الله، نحن في هذه الأيام في شهر رمضان الذي سماه النبي صلى الله عليه وسلم بشهر الصبر، فينبغي أن نستفيد هذه الصفة وأن نتخلق بهذا الخلق، ولا سيما ونحن في شهر الصيام وشهر الصبر: تصبر على الجوع، تصبر على العطش، تصبر على الشهوة، تصبر كذلك أيضا على الحر. هذه الأيام الكهرباء، نعم، نسأل الله أن يصلحها لنا، تحتاج مننا إلى صبر. نسمع بعض الإخوان لربما يتضجر، لربما يصيح، لربما بعضهم يدعو على أصحاب الكهرباء. طيب، إذا ذهبوا من سيصلح لنا الكهرباء؟ بدلا من أنها تأتي وتذهب، ستذهب ولا تأتي. لكن اصبر يا عبد الله، طفأت الكهرباء، قل: «الحمد لله، إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبة هذا الحر». مصيبة، لكن اصبر فتأجر على هذا. فأسأل المولى تبارك وتعالى أن يجعلني وإياكم ممن إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر، وإذا أذنب استغفر. نسأله سبحانه أن يجعل اجتماعنا هذا اجتماعا مرحوما، وأن يجعل تفرقنا من بعده تفرقا معصوما، وأن لا يجعل منا ولا بيننا شقيا ولا محروما. نسأله سبحانه أن يجعلنا من عباده المحبوبين إليه الذين يوفقهم للخير والطاعة والبر والتقوى، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وأصلي وأسلم وأبارك على نبينا محمد وعلى آله، والله تعالى أعلم.