شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 5

الدرس في شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 5، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

مقدمة القصيدة وفضائل العلم على المال

يواصل المتحدث شرح قصيدة الزاهد أبي إسحاق الإلبيري، مبيناً فضائل العلم النافع وأنه كنز لا يُسرق ولا يُثقل حامله. كما يقارنها بمتاع الدنيا وزخرفها التي تشغل عن طلب العلم.

العلم ككنز حقيقي لا يُسرق ولا يُثقل

يقارن المقطع بين الكنوز الدنيوية التي تحتاج إلى حراسة وصناديق، وبين كنز العلم النافع الذي يحرس صاحبه ولا يُخاف عليه من اللصوص. وهو خفيف الحمل ويصحبه الإنسان أينما ذهب كما قال الشافعي: «علمي معي حيثما يممت».

وصية علي بن أبي طالب لكميل بن زياد وانعكاسها في القصيدة

أوصى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب تلميذه كميل بن زياد بأن القلوب أوعية للعلم، وأن العلم خير من المال لأنه يحرس صاحبه ويزداد بالإنفاق بينما المال ينقص. وقد استلهم الناظم من تلك الوصية المعاني الحكيمة وأدرجها في قصيدته التي تصف كنزاً لا يخاف عليه لصوص وخفيف الحمل يوجد حيث كنت.

  • 10 جمادى الآخرة 1442هـ - 23/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين، سيدنا ونبينا محمد الصادق الأمين، وعلى آله الطيبين وصحبه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فلا زلنا في ظلال وأفياء هذه القصيدة العصماء والنصيحة الفريدة التي قالها أحد العلماء الزهاد، وهو العلامة الزاهد أبو إسحاق إبراهيم بن مسعود الإلبيري الأندلسي رحمه الله. له ديوان شعر يعتني به أهل الأندلس حفظا، لا سيما هذه القصيدة. تفت فؤادك الأيام فتأ، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. قال رحمه الله تعالى: «وتحمل منه في ناديك تاجا ويكسوك الجمال إذا عريت، ينالك نفعه ما دمت حيا ويبقى ذكرك لك إن ذهبت، هو العضب المهند ليس ينبو، تصيب به مقاتل من أردت، وكنز لا تخاف عليه لصا، خفيف الحمل يوجد حيث كنت، يزيد بكثرة الإنفاق منه وينقص إن به كفا شدت، فلو قد ذقت من حلواه طعما لآثرت التعلم واجتهدت، ولم يشغلك عنه هوا مطاع، ولا دنيا بزخرفها فتنت، ولا ألهاك عنه أنيق روض، ولا خدر بزينتها كلفت، فقوت الروح أرواح المعاني، وليس بأن يقال، وليس بأن طعمت ولا شربت». هذه الأبيات البالغة في الحسن والجمال، وفي الحكمة العظيمة التي منَّ الله بها على هذا العالم الجليل أبي إسحاق رحمه الله تعالى وغفر له، في نصيحته الفريدة. وكنا قرأنا في المجلس السابق بعض الأبيات إلى أن قال رحمه الله: «وكنز لا تخاف عليه لصا، خفيف الحمل يوجد حيث كنت». لا زال يذكر فضائل العلم، لا زال يعدد فضائل العلم النافع وطلبه، وعظيم ما منَّ الله به على من آتاه العلم النافع ووفقه للعمل الصالح. ولا زال يذكر الفرق بين العلم والمال، وسيعود إلى هذا في أبيات أخرى جعلت المال مثل العلم إلى آخرها، سيأتي الكلام عليها أيضا. لا زال يفاضل بين حضوظ الدنيا ومتاعها وأموالها وكنوزها. الكنز ما يكتنزه الناس من الأشياء الثمينة، كالذهب والجواهر النفيسة واللؤلؤ والياقوت والأحجار الكريمة ونحوها. وهم من تعظيمهم، والناس من تعظيمهم لهذه الكنوز وخوفهم عليها، يصنعون لها صناديق وغير ذلك، ويضعونها فيها ويحفظونها، وربما جعلوا على كنوزهم حراسا يحرسونها ويحفظونها، لا سيما حينما تنقل من مكان إلى مكان. هذا حال الناس. وأعظم الكنوز، كما يقول أبو إسحاق رحمه الله، كنز العلم النافع. هذا أعظم الكنوز على الإطلاق، خلافا لما يظنه الغافلون والجاهلون أن الذهب أو الفضة أو الجواهر النفيسة هي الكنز. الكنز الحقيقي الذي لا يقدر بالأثمان، وهو أعظم الكنوز على الإطلاق، كنز العلم النافع. ومن عظمة هذا الكنز النافع وهو العلم، أنك لا تحتاج إلى حراسته، بل هو يحرسك. من عظمة كنز العلم النافع أنك لا تحتاج إلى حراسته، بل هو يحرسك، وهو يحفظك، وهو يدلك على كل خير. سبحان الله، يقول الناظم رحمه الله: «وكنز لا تخاف عليه لصة»، بخلاف كنوز الدنيا الفانية. كنز العلم لا تخاف عليه لصة، خفيف الحمل، لا يحتاج إلى صناديق وأحمال، ويحتاج إلى مراكب تحمله، يوجد حيث كنت. أينما ذهبت فعلمك في صدرك، كما قال الشافعي: «تنسب إليه، علمي معي حيثما يممت، يتبعني صدري وعاء له، لا بطن صندوقي». إن كنت في السوق كان العلم فيه معي، أو كنت في المسجد كان العلم في المسجد. هذا من فضائل العلم، من فضائل العلم، وكنز هو أعظم الكنوز على الإطلاق لمن فهم. فهو لا يحتاج إلى خوف عليه، بل هو يخاف عليه، ولا يحتاج إلى مشقة في حمله، بل هو خفيف الحمل، وهو ليس محصورا في مكان محفوظا في زاوية أو في باطن أرض، بحيث إنك لا تحمله إلى أي مكان. لا، كنز العلم يوجد حيث كنت. في أي مكان ذهبت، ذهب معك كنزك العظيم، وهو ما طلبته من العلم النافع، ما طلبته من العلم النافع. وكنز لا تخاف عليه لصة، خفيف الحمل يوجد حيث كنت. لله در أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقد أوصى بوصية جامعة ذكر فيها كثيرا مما ذكره الناظم في هذه الأبيات، وفيما سيأتي من الوصايا النافعة. هذه الوصية هي وصية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه، وسائر الصحابة أجمعين، إلى تلميذه وصاحبه كميل بن زياد. وصية عظيمة جليلة، أوصى بها كميل بن زياد، وهو تلميذه وصاحبه، رحمهم الله تعالى جميعا. قال كميل بن زياد: أخذ بيده علي بن أبي طالب إلى ناحية الجبان، والجبان هو المقبرة، في بعض الروايات، حتى أصحرنا، أي دخلنا في الفضاء وفي الصحراء. فقال: يا كميل بن زياد، اسمع ما أقول لك، فيه انتباه السامع. يا كميل بن زياد، اسمع ما أقول لك: «القلوب أوعية، وخيرها أوعاها، القلوب أوعية، وخيرها أوعاها». خير القلوب ما كان واعيا تقيا حاملا للعلم النافع، فهو وعاء خير يحفظ فيه العلم. وهذا موجود في حديث أبي موسى رضي الله عنه: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل غيث أصاب أرضا، فكان منها طائفة طيبة قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها قيعان أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها العباد، فسقوا وزرعوا، وكان منها أجادب لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله، ومثل من لم يرفع بذلك رأسه». القلوب أوعية، وخيرها أوعاها. يا كميل بن زياد، العلم خير من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال. ثم قال رحمه الله: «وأنت تحرس المال، والمال تنقصه النفقة، والعلم يزكو بالإنفاق، هذا خلاف المال أضاد». يا كميل بن زياد، العلم خير من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والعلم يزيد بالإنفاق، والمال تنقصه النفقة، والعلم يزكو بالإنفاق. ومنفعة المال تزول بزواله، منفعة المال تزول بزواله. يا كميل، مات خزان المال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر. مات خزان المال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر. أعيانهم مفقودة، أي صور الأجسام ذهبت، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة. هكذا يقول كميل، علي بن أبي طالب رضي الله عنه لكميل بن زياد. استفاد الناظم من هذه الوصية فيما يظهر، وأخذ من تلك المعاني الحكيمة ووضعها في هذه القصيدة: «وكنز لا تخاف عليه لصة، خفيف الحمل يوجد حيث كنت