شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 4

الدرس في شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 4، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

فضل العلم ورفعة أهله ومنافعه في الدنيا والآخرة

يبيّن المقطع كيف يمنح العلم صاحبه مكانة سامية في القلوب كالتاج المرصع، مستدلاً بآية رفع الله الذين أوتوا العلم درجات. كما يستعرض منافع العلم النافع التي تنال العبد هداية وعملاً صالحاً وجهاداً بالدعوة، وتظل له بعد موته ذخراً عند الله وذكراً حسناً في قلوب الناس.

العلم النافع سلاح لنصرة الحق بشرط الإخلاص والسنة

يشير المقطع إلى أن طلب العلم يُنال به مقاصد الدنيا والآخرة، مشروطاً بالتمسك بالسنة والإخلاص. ويشبه العلم النافع بالسيف القاطع الذي لا ينبو، ليكون أقوى سلاح لجهاد البيان ونصرة الحق، وأعظم عند الله من السلاح المادي.

الصلاة والسلام على النبي ﷺ خاتمة الدرس

يختتم المتحدث الدرس بالصلاة والتسليم على النبي محمد ﷺ وعلى آله وصحبه. وهي خاتمة معتادة للمجالس العلمية تدل على التوقير والاتباع.

  • 10 جمادى الآخرة 1442هـ - 23/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا ونبينا محمد الصادق الأمين، وعلى آله الطيبين وصحبه الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. لازلنا في هذه القصيدة العصماء التي تعد من عيون الشعر، وفيها من الحكم والنصائح ما لا يستغني عنه عاقل، فضلاً عمن يريد الخير لنفسه. قرأنا إلى الآن، لازلنا في ذكر فضائل العلم التي ساقها الناظم رحمه الله في نصيحته لمن كناه أبا بكر وهو ابنه إن شاء الله. قال رحمه الله تعالى: «أبا بكر دعوتك لو أجبت إلى ما فيه حظك لو عقلت إلى علم تكون به إماماً مطاعاً إن نهيت وإن أمرت ويجلو ما بعينك من غشاها ويهديك الطريق إذا ضللت وتحمل منه في ناديك تاجاً ويكسوك الجمال إذا عريت ينالك نفعه ما دمت حيا ويبقى ذكره لك إذ ذهبت» هكذا عندي في بعض النسخ: «إن ذهبت». «هو العضب المهند ليس ينبو تصيب به مقاتل من أردت وكنز لا تخاف عليه لصاً خفيف الحمل يوجد حيث كنت يزيد بكثرة الإنفاق منه وينقص إن به كفاً شددت» هذه الفضائل تقدم الكلام على بعضها، إلى أن قال رحمه الله: «وتحمل منه في ناديك تاجاً، ويكسوك الجمال إذا عريت». والنادي المراد به مكان اجتماع الناس، النادي هو مكان اجتماع الناس. معنى هذا البيت: أن الله جل جلاله يجعل لصاحب العلم مكانة عالية في قلوب الخلق، سواء كانوا حكاماً أو كانوا محكومين. «تحمل منه في ناديك تاجاً، ويكسوك الجمال إذا عريت»: أن الله عز وجل يجعل لصاحب العلم مكانة عالية في قلوب الخلق، سواء كانوا حكاماً أو كانوا محكومين. وهذه المكانة العالية هي من عاجل رفعة الله جل جلاله لأهل العلم، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾. فالعلماء من خاصة الذين آمنوا، وخصهم بالذكر مع دخولهم في لفظ المؤمنين عموماً. ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾ هذا لفظ عام في المؤمنين، ومنهم العلماء، ثم خص بالذكر العلماء فقال: ﴿وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾. وهذه الدرجات كما سيأتي عامة في الدنيا وعامة في الآخرة. وهكذا الرفعة أيضاً: رفعة دنيوية ورفعة عظيمة أخروية، فهم مرفوعون في الدارين، في الدنيا وفي الآخرة. «وتحمل منه في ناديك تاجاً»: أي هذه الصورة البلاغية الجميلة تجعل صاحب العلم كأنه إذا جلس بين الناس يلبس تاجاً فيه أغلى الجواهر، كأنه يلبس تاجاً من خالص الذهب، وهذا التاج مرصع بنفيس الأحجار الكريمة، مرصع بالجواهر الثمينة، فما من ناظر إلا ويذهب ببصره إلى ذلك التاج وينظر فيه وفي صاحبه. «وتحمل منه في ناديك تاجاً»: والمعنى أن الله عز وجل يجعل في قلوب الخلق لصاحب العلم محبة وهيبة وعلوا ومكانة ورفعة في قلوب الخلق، حكاماً كانوا أو محكومين. وقوله رحمه الله: «وَيَكْسُوكَ الْجَمَالَ إِذَا عَرِيْتَ». معنى هذا البيت: بأن جمال صورة العلم في الدنيا على الإطلاق، جمال صورة العلم أعظم الجمال في الدنيا على الإطلاق. ولهذا لما أراد الله سبحانه وتعالى أن يُظهِر للملائكة ما لآدم من الفضل عليه السلام، وما له من المكانة في صفات الكمال عليه السلام التي بها فضله الله على الملائكة الكرام وعلى سائر المخلوقات في زمانه، أراد الله أن يُظهِر للملائكة فضل آدم وشرف آدم، فأظهر لهم أحسن ما فيه، أظهر لهم ربنا جل وعلا أحسن ما في آدم عليه السلام وهو علمه. أراد الله عز وجل أن يُظهر للملائكة فضل آدم وشرفه، فأظهر لهم أحسن ما فيه وهو علمه الذي آتاه الله عز وجل: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ﴾، فكان فضل العلم أعظم. ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ﴾. فأظهر الله عز وجل فضل آدم بأي شيء؟ أظهره بما عنده من العلم على الملائكة، فصار آدم أشرف وأعظم من الملائكة، وأحسن بصفات أحسنها وأعظمها ما جعله الله عز وجل فيه وله من العلم النافر. فآدم على الملائكة بعلمه، وعلم آدم الأسماء كلها، هذه فضيلة عظيمة لآدم. ونظير هذا أيضاً ما جرى مع نبي الله يوسف عليه السلام. أراد الله جل جلاله إظهار فضل يوسف عليه السلام وإظهار شرفه وجليل مكانته على أهل زمانه، فأظهر للملك ولأهل مصر كلهم تلك الرؤية التي رآها الملك، تأويل الرؤية، فعجزوا جميعاً: علماء التعبير وكهنتهم ورجال فكرهم وغيرهم، عجزوا عن إظهار تعبير رؤية الملك. فحينئذ وصل الأمر إلى يوسف عليه السلام بعد أن عجزوا، عجزوا عن تأويل الرؤية، فأولها وفسرها وعبرها بما آتاه الله من العلم الغزير. ﴿ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. فما كان من الملك إلا أن طلب أن يكون يوسف من أخص أصحابه ومن أصفى أصفيائه، بل سلم إليه ومكنه من خزائن الأرض، وجعله والياً على خزائن الأرض، وكان قبل ذلك يوسف عليه السلام محبوساً مسجوناً لسنين عديدة في غياهب السجن، كان مسجوناً في غياهب السجن محبوساً في غياهب السجن. مع أن صورة يوسف والملك يعرفه أجمل صورة في ذلك الزمان، حتى إن يوسف عليه السلام كان له شطر جمال بني آدم، له شطر الجمال، جمال الصورة والهيئة والمنظر. ومع هذا الجمال العظيم الذي خصه الله به، حبس في السجن بضع سنين، حبس في السجن سنين عدد. ولما ظهر للملك جمال صورة علم يوسف، أمر بإخراجه، ليس لأجل جمال صورة وجهه أو جمال ما آتاه الله من شطر جمال الأرض، ولكنه أمر بإخراجه لأجل ظهور صورة جمال العلم. أمر بأن يُجر، يؤتى بيوسف، ويمكن له في الأرض ما لم يمكن له من قبل ولا لكثير من الناس، جعل على خزائن الأرض وصار كالملك عليه السلام. فدل هذا على أن صورة جمال العلم أعظم في قلوب الخلق، حكاماً ومحكومين، من مجرد الصورة الظاهرة. ولهذا يقول الناظم رحمه الله: «ويكسوك الجمال إذا عريت». هذا معنى كلامه رحمه الله تعالى. فجمال صورة العلم ليس له نظير في الدنيا، والخلق مجبولون على محبة صورة العلم وجمال العلم وأبهة العلم. ولهذا يقول في نصيحته لابنه: «وتحمل منه في ناديك تاجاً، ويكسوك الجمال إذا عريت»، أي إذا كنت مجرداً عن الجمال فجمال العلم أعظم الجمال. «ينالك نفعه ما دمت حيا ويبقى ذكره لك إن ذهبت». النفع متنوع للإنسان في هذه الحياة بالعلم النافع. إذا من الله عليك يا طالب العلم بضبط العلوم، انتفعت كثيراً، أنواعاً من المنافع العظيمة. في بعض النسخ: أولاً نضبط البيت في هذه النسخة التي عندي: «ويبقى ذكره لك إن ذهبت». في بعض النسخ: «ويبقى ذخره» بالذال المعجمة والخاء والراء المهملة: «ذخره لك إن ذهبت». والمعنيان متقاربان في الجمال، فهما نسختان لهذا البيت. والنظم بالنسبة للذخر: هو ما يخبئه الإنسان لوقت الحاجة. الذخر ما يخبئه الإنسان، يدخره لوقت الحاجة، حتى إذا احتاج إليه أخرجه، هذا يسمى الذخر. فالذخر ما يخبئه الإنسان إلى وقت الحاجة، هذا هو الذخر. «ويبقى ذخره لك إن ذهبت»: أي عند الله عز وجل يبقى ذخره مخبأً لك من جزيل الثواب وعظيم الرفعة وجليل الأجر والحسنات العظيمة والمنزلة الرفيعة عند الله عز وجل سبحانه وتعالى. «ويبقى ذخره لك إن ذهبت»: فما يكون لك عند الله عز وجل من جزيل الثواب، من جزيل الثواب المدخر عند أرحم الراحمين سبحانه وتعالى، هو أعظم الذخائر، أعظم الذخائر لك، ما يدخره الله لك عنده سبحانه وتعالى مما لا نحصيه، مما لا نحصيه، ولكننا نعلم ما وعد الله به أولياءه. «ينالك نفعه ما دمت حيا ويبقى ذكره، ذخره لك إن ذهبت»: أي إن مت يبقى ذلك الذخر. في هذا المعنى يقول الخليل بن أحمد: «وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد ذخراً يكون كصالح الأعمال». «ينالك نفعه ما دمت حيا»: يبقى لك نفعه في الحياة، فيعينك على تمييز الحق من الباطل، ويعينك على العمل بما علمت. «ينالك نفعه ما دمت حيا»: فتعمل أعمالاً جليلة يكتب الله لك بها الأجور عند الله العظيم، سواء كان بطلب العلم النافع الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة». خرجاه في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه. هذا نفعه، هذا نوع من النفع. «ينالك نفعه ما دمت حيا»: تطلب العلم فأنت في طريق الجنة. «من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة». هذا فضل عظيم، فضل عظيم. وكذلك النفع أيضاً لك في الثواب إذا نصرت بعلمك دين الله عز وجل، فمن حمى ودافع عن كتاب الله بعلمه، ودافع عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعلمه، وصبر على الأذى والبلاء وغير ذلك، ثم مات، كان من أعظم المجاهدين عند الله تعالى، وله الأجور العظيمة. هذا مجاهد في سبيل الله سبحانه وتعالى. ولهذا سيأتي أن جهاد العلم أعظم من جهاد السيف، جهاد العلم أعظم من جهاد السيف، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. إفتاء الناس، إصلاح ذات البين، وغير ذلك من المنافع الدنيوية التي تعملها. هل يضيع الله عز وجل طالب العلم؟ الجواب: لا يضيع الله سبحانه من سار إليه ومن قصده، ولا يرد الله سائلاً وقف ببابه يطرق الباب، يوشك أن يفتح له. ولهذا لا ينال العلم بشيء مثل توفيق الله عز وجل وكثرة دعائه والضراع إلى الله عز وجل وسؤاله أن يفهم ويتعلم. كان ابن تيمية شيخ الإسلام يقول: ربما تنغلق علي المسألة، فأخرج إلى بعض المساجد القديمة، فأمرّ وخدي في التراب، وأقول: يا معلم إبراهيم علمني، ويا مفهم سليمان فهمني. يخلو فيدعو ويذل نفسه لله عز وجل من أجل أن يفتح الله عليه. يقول: بعد أن يكرر هذا الدعاء: «يا معلم إبراهيم علمني، ويا مفهم سليمان فهمني»، ويسجد لله ويدعوه في سجوده، ويتضرع إلى الله، ويشكو إليه ضعف فهمه وقلة حيلته، وإذا بهذه المسألة تنجلي له إنجلاء عظيماً، وتنكشف له انكشافاً عظيماً، فيتكلم فيها بكلام لم يسبق إليه، ويصير كل من جاء بعده عالة على كلامه في ذلك الموضع وتلك المسألة. ذلك فضل الله وفتحه لمن شاء من عباده. «ينالك نفعه ما دمت حي، ويبقى ذكره، ذخره لك إن ذهبت». بقاء الذكر بعد الموت أيضاً، هذا على وجه الذكر. قلنا البيت رواية في نسخة: «ويبقى ذخره»، والنسخة الثانية: «ويبقى ذكره». بقاء الذكر: «ويبقى ذكره لك إن ذهبت» بعد الموت، من حسن الجزاء، من حسن الجزاء الذي يجازي الله عز وجل، وهو أكرم الأكرمين، وهو أرحم الراحمين، وهو ذو الفضل العظيم سبحانه وتعالى، صاحب المنح والعطايا التي يهبها من يشاء، لا نظير لفضل الله ولا لإحسانه ولا لجوده وكرمه وامتنانه سبحانه وتعالى. «يبقى ويبقى ذكره لك إن ذهبت»: هذا من حسن الجزاء من ربنا جل جلاله للعلماء بعد موتهم، بعد موتهم، وهي كرامة عظيمة. «ويبقى ذكره لك إن ذهبت»: يراها كل أحد من الناس في العلماء بعد موتهم، فتجد لهم بعد موتهم أحسن الذكر وأبلغ الثناء. هذا من جزيل رفعة الله لأهل العلم. «ويبقى ذكره لك إن ذهبت»: ثناء بالغ في الناس، حتى خصومهم وأعداؤهم ينقلبون إلا من شذ، فيثنون ويبالغون في الثناء والمدح لذلك العالم الذي كانوا في حياته له يبغضون ويشنؤون ويكرهون ويعادون، فإذا مات انقلب الأمر، وإذا بهم يثنون. هذا من جزيل رفعة الله للعلماء. «ويبقى ذكره لك إن ذهبت»: هذا من جزيل فضل الله جل جلاله للعلماء. هذا في الدنيا نراه بعد موته، ولدار الآخرة خير لو كانوا يعلمون. هذا في الدنيا، فكيف بما لهم عند رب العالمين سبحانه وتعالى؟ لا شك أن الفضل أعظم والجزاء والجزاء أكمل مما نراه في هذا بعد موته. وهذا مما يدخل تحت قوله تعالى: ﴿وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾، يدخل فيها كثير من فضائل العلم كما تقدم، حاصلة غير مقصودة، حاصلة من الله عز وجل لكنها غير مقصودة لأهل العلم كما تقدم، والأصل أنهم مخلصون لله، يحرصون على الإخلاص لله عز وجل في طلب العلم، فهو عبادة، والعبادة لا تقبل إلا بإخلاص النية وحسن السريرة والطوية ومتابعة السنة النبوية. لا تقبل العبادة إلا إذا كانت خالصة وصواب، إذا كانت صواباً وخالصة يقبل الله العبادة من العبد. ومن أعظم العبادات طلب العلم النافع، طلب العلم النافع من أعظم العبادات. ولهذا كان الحسن البصري رحمه الله وغفر له، والحسن البصري من سادات التابعين الذين قيل فيهم: إن كلامه يشبه كلام الأنبياء، يقول كلمة عظيمة: «والله ما طلب هذا العلم أحد»... والله، هكذا يقدم اليمين تأكيداً لما سيأتي من الكلام: «والله ما طلب هذا العلم أحد إلا كان حظه منه ما أراد به». «والله ما طلب هذا العلم أحد إلا كان حظه منه» أي من العلم «ما أراد به». من أراد الدنيا قد ينال بالعلم الدنيا، وبئس ما أراد. ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورة. ﴿كُلًّا نَّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا * انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾. ماذا تريد بطلب العلم؟ هل تريد الرئاسة؟ هل تريد الزعامة؟ هل تريد الظهور على الناس أو تملك أموالهم؟ أم تريد وجه الله سبحانه وأن تعبد الله على بصيرة، وإن لم تذكر، وإن لم تشهر، وإن لم يشر إليك، وإن لم يبال بك؟ «طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة في مؤخرة الجيش كان في الساقة، إن استؤذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع» أو كما قال صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة في الصحيحين. هذه صفة من يريد الله سبحانه وتعالى، من يريد الله والدار الآخرة. وينبغي أن يعلم أن قول الناظم رحمه الله: «ويبقى ذكره لك إن ذهبت»، له شرط، له شرط لا بد من تحقيقه، له شرط لا بد من تحقيقه. هذه الرفعة وهذا الذكر الحسن له شرط لا بد من تحقيقه، وهو التمسك بالسنة، وهو التمسك بالسنة. إنما يرفع الله أهل العلم بقدر تمسكهم بالسنة، كما قال ابن تيمية رحمه الله: إنما يرفع الله الإنسان أو المرأة ومنهم العلماء بقدر تمسكهم بالسنة. يؤذون في هذه الحياة ويجهل عليهم لأنهم يبلغون دين الله جل جلاله، فيجازيهم الله بدفاعهم عن السنة وغيرتهم على السنة وذبهم عن السنة أعظم الجزاء. قال أبو بكر بن عياش الإمام المشهور رحمه الله تعالى: «أهل السنة يموتون ويحيي الله ذكرهم، وأهل البدعة يموتون ويموت ذكرهم». أهل السنة يموتون فيحيي الله ذكرهم، وأهل البدعة يموتون فيميت الله ذكرهم. لأن أهل السنة أحيوا ما جاء به الرسول من سنته، لأن أهل السنة أحيوا ما جاء به الرسول من سنته، فكان لهم نصيب من قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾. وأهل البدعة شنئوا، أي أبغضوا، شنئوا ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، فكان لهم نصيب من قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾، والأبتر يعني المقطوع الذي انتهى. سبحان الله، هكذا يقول الإمام أبو بكر... أحد أئمة التابعين رحمه الله تعالى وغفر له. فبالسنة يرفع العلماء وتعلو مكانتهم بقدر تمسكهم بالسنة. «ينالك نفعه ما دمت حيا ويبقى ذكره لك إن ذهبت، هو العضب المهند ليس ينبو، تصيب به مقاتل من أردت». العضب هو السيف القاطع، العضب هو السيف القاطع، يسمى عضبا. العضب هو السيف القاطع، والمهند نوع من السيوف يصنع من حديد في بلاد الهند. المهند نوع من السيوف يصنع من حديد في بلاد الهند، يقال: سيف مهند، وسيف هندي، وسيف هندواني، كلها بمعنى واحد. وسيف مهند: أي مصنوع في بلاد الهند. قوله رحمه الله تعالى: «ليس ينبو». تقول العرب: نبا السيف إذا لم يقطع، تقول العرب: نبا السيف إذا لم يقطع، وإذا كل بفتح الكاف وارتد، تضرب به الحبل مثلاً لا يقطع، تضرب به لا يقطع لأن حده قد فل فصار مفلولاً، فكأنك تضرب بعصا. إذا ضربت بعصا على حبل هل تقطع الحبل؟ الجواب: لا. لكن السيف العضب بمجرد ما يسقط على الحبل يقطعه مباشرة، هو أحد من الموسى، حاد جداً، حاد في غاية الحدة. هذا السيف يقول رحمه الله: «هو العضب» يعني العلم هو العضب المهند، ليس ينبو، تصيب به مقاتل من أردت. معنى هذا البيت: أن من طلب العلم قويت حجته، معنى هذا البيت: أن من طلب العلم قويت حجته وزكى فهمه، هذا معنى البيت، وتنورت بصيرته. معنى هذا البيت: «هو العضب المهند ليس ينبو، تصيب به مقاتل من أردت». أن العلم النافع، من طلبه قويت حجته وزكى فهمه وتنورت بصيرته، فإذا انتصر لقول غلب على غيره، إذا انتصر لقول غلب على غيره، وأظهر من الحجج الشيء العظيم، وقطع خصمه لقوة حجته التي لا تدع لمنازع قدرة على المنازعة. «هو العضب المهند ليس ينبو، تصيب به مقاتل من أردت». والمراد: نصرة الحق بالعلم النافع، هذا المقصود بالبيت. «هو العضب المهند ليس ينبو، تصيب به مقاتل من أردت»: المراد نصرة الحق بسلاح العلم النافع، المراد نصرة الحق بسلاح العلم النافع. وهذا أعظم الجهاد في سبيل الله عز وجل، هذا أعظم الجهاد وهو جهاد البيان وجهاد القلم واللسان. الله جل وعلا يقول لنبينا صلى الله عليه وسلم عن القرآن وهو أصل العلم: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾، أي بالقرآن وهو أصل العلوم، الذي به ترد على ضلالات الضالين وشبهات المشبهين ومقالات الجاحدين. فالعلم النافع سلاح، هو من أعظم الأسلحة الفتاكة إن صح التعبير. ولهذا كان شيخ العالم المحدث الفقيه الزاهد أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي الهمداني رحمه الله تعالى، كثيراً ما يقول: إن أعداء الله يخافون من العلم أعظم من خوفهم من عظيم الدبابات والصواريخ والأسلحة المدمرة. هكذا يقول هذا العالم. ولهذا يحاربون العلم بكل سبيل، العلم النافع، علم الكتاب والسنة، يخافه أعداء الله جميعاً ويحاربونه جميعاً، لأنه سلاح، كما قال الناظر الشاعر أبو إسحاق الإلبيري رحمه الله: «هو العضب المهند ليس ينبو». لا يمكن لهذا العضب أن يكون مفلولاً، فإذا ضرب به لا يقطع، لا، العلم يقطع مباشرة إذا وقع على أمر ومسألة. «هو العضب المهند ليس ينبو، تصيب به مقاتل من أرد». فهو أعظم سلاح، أعظم سلاح، سلاح العلم، سلاح العلم أعظم سلاح لمن تمسك به، ولمن تعلمه، ولمن دعا به، ولمن انتصر به، فإن الله، فإن الله عز وجل ينصره. ولهذا كان العلم النافع ضرورة أعظم من ضرورة الطعام والشراب. يقول الناظم رحمه الله: «ينالك نفعه ما دمت حيا ويبقى ذكره لك إن ذهبت، هو العضب المهند ليس ينبو، تصيب به مقاتل من أردت». فنقف عند هذا الموضع، ونكمل إن شاء الله في المجلس القادم بقية الأبيات. هذا، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.