الدرس في شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 2، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يذكر الناظم أن الموت يدعو الإنسان بصدق ويسرع لإدراكه أينما كان، مستشهداً بآيات قرآنية. ويبين أن التعلق بالدنيا وشهواتها هو سبب الغفلة عن الاستعداد للقاء الله.
يفسر المقطع مفردتي "الكيس" و"العاجز" مستنداً إلى حديث شداد بن أوس، حيث الكيس من دان نفسه وعمل للآخرة والعاجز من أتبع هواه وتمنى على الله. وينبه إلى ضعف إسناد الحديث مع صحة معناه.
يوضح أن الحديث المذكور ضعيف الإسناد لكن معناه صحيح وله شواهد، ويشرح بيت الشعر الذي يصف غفلة الإنسان في الدنيا كنوم عميق لا يستيقظ منه إلا بالموت. ويحذر من خداع الدنيا وقسوة القلوب التي لا تعتبر بآيات الموت.
يتناول آية قرآنية تصف حال من يدرك الموت فيطلب الرجوع ليعمل صالحاً، ويبين الله أن ذلك مجرد قول لا يُقبل. ويختتم الدرس بالدعاء بالتوفيق للطاعة والتقوى.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا ونبينا محمد الصادق الأمين، وعلى آله الطيبين وصحبه الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. لازلنا في تائية أبي إسحاق الإلبيري التجيبي الأندلسي، هو تجيبي من قبيلة تجيب المشهورة المعروفة. وقفنا في البيت الأول، قال رحمه الله في نصيحته لولده: هناك نسخ موجودة صورت وأوقفت للحاضرين في هذه الدروس المكثفة، فمن كان مستمرا وحاضرا فهو أولى بها، لأنه قد يأخذها بعض الناس ولا يستمر أو يتركها، فيكون قد تعطلت المصلحة، تكون المصلحة الشرعية المطلوبة قد تعطلت. وهذه النسخ الموجودة وتوزعونها، طيب، إن شاء الله أزاك الله خيرا. يقول الناظم رحمه الله: تفت فؤادك الأيام فتة وتنحت جسمك الساعات نحتة وتدعوك المنون دعاء صدق ألا يا صاح أنت أريد أنت أنا عند النسخ أعطيها، حسن، أعطيه، نعم. وتدعوك المنون دعاء صدق، ألا يا صاح أنت أريد أنت. أراك تحب عرسا ذات خدر، أبت طلاقها الأكياس، بت تنام الدهر ويحك في غطيط بها، حتى إذا مت انتبهت. لا زال رحمه الله في نصيحته البليغة التي ابتدأ بها هذه القصيدة العصماء، فهو يخبره في البيت الثاني: يقول: وتدعوك المنون، والمنون جمع منية وهي الموت. وتدعوك المنون دعاء صدق، فالموت يسارع إليك بجد واجتهاد حتى يدركك. وتدعوك المنون دعاء صدق، الموت يطلبك ويمشي ويجري ويسرع إليك في غاية الجد والاجتهاد ليصل إليك. وتدعوك المنون دعاء صدق حتى يدركك، كما قال الله جل جلاله: ﴿أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة﴾، في أي مكان يطلبك الموت يصل إليك يدركك، يدركك ولو كنت في برج شامخ محكم البناء عالما. وقال الله جل جلاله: ﴿قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم﴾. وتدعوك المنون دعاء صدق، يلاقيك في طريقك، فأنت تهرب منه وإذا به قد لاقاك في وجهك. ﴿قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم﴾، فالموت لاحق بك يطلبك. يقول الناظم: وتدعوك المنون دعاء صدق، ألا يا صاح أنت أريد أنت، كأنها تطلبك باسمك وهي كذلك، وكأنها تناديك صائحة بصوت عال تسمعه. وتدعوك المنون دعاء صدق، تناديك نداء: أنت أريد أنت، يا صاح. هذا منادى مرخم، الترخيم حذف آخر الاسم، قد يكون مسموعا كما في اسم صاحب، كلمة صاحب هي اسم سمع هكذا في لغة العرب، يقول النحاة: هذا خلاف القياس، هكذا يقولون، أصلها يا صاحبي أو نحوها، لكنها سمعت: يا صاح، يا صاح. ألا يا صاح، منادى مرخم، أنت أريد أنت. هكذا يلاحقك الموت، فإذا كان الموت إليك سريعا، فهل عملت لذلك أعمالا تنجيك عند الله عز وجل إذا مت؟ لكن غالب الناس، السبب في هذه الغفلة العظيمة التي هم فيها هو التعلق بالدنيا، التعلق بالدنيا هو السبب الذي يجعلهم يغفلون، ولهذا قال في البيت اللاحق: أراك تحب عرسا ذات خدر، أبت طلاقها الأكياس، بت. هذا هو السبب. وقوله رحمه الله: عرسا، العرس هي المرأة، العرس هي المرأة. أراك تحب عرسا ذات خدر، والخدر هو الستر في داخل البيت الذي تختبئ فيه البنت والجارية، هذا هو الخدر قبل زواجها، هذا هو الخدر، هو الستر الذي تختبئ فيه البنت أو تخبأ فيه البنت أو الجارية قبل زواجها، فيقولون: هي ذات خدر، أي صاحبة ذلك الخباء وذلك الستر، فهي تختبئ فيه حياء ومحافظة عليها. يقول رحمه الله: أراك تحب عرسا، أي بنت ومرأة ذات خدر مختبئ مغطى حتى لا يراها الراؤون ولا ينظر إليها الناظرون. لكن هذه العروس فتن فيها أقوام ضعفاء العقول، فهم يطلبونها لأجل الزواج والنكاح، ولكن هذه العرس وهذه العروس ليست ذات بعل ولا تريد الزواج أصلا، وإنما تخدع صاحبها حتى يمضي عليه الزمان وتتوالى عليه الأيام ثم يموت ولا يدرك منها ما أراد، ولهذا فعقلاء الناس قطعوا حبال الصلة بينهم وبينها. يقول الناظم رحمه الله: أراك تحب عرسا ذات خدر، أبت طلاقها الأكياس، بت. الأكياس جمع كيس، الأكياس جمع كيس، والكيس هو المتوقد ذكاء، هكذا قال أهل اللغة، الكيس هو المتوقد ذكاء. وقوله: أبت طلاقها، أي طلقها طلاقا مبتوتا مقطوعا لا رجعة فيه، يقال: أبت طلاق المرأة، وابت طلاق المرأة، إذا بانت منه بينونة كبرى فلا رجعة فيه، فأكد الفعل وقال: أبت، أبت، أي قطع وجعل الحبال مقطوعة والصلح مفقودة، فهو لا يطلبها وإنما يطلقها. أبت طلاقها الأكياس، بت. هذا البيت لعله أيضا مأخوذ من حديث في سنن الترمذي، ومسند الإمام أحمد، وسنن ابن ماجة، حديث مشهور من حديث أبي يعلى شداد بن أوس رضي الله عنه وأرضاه، حديث مشهور في كتب الرقائق والنصائح، من حديث أبي يعلى شداد بن أوس رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله». الكيس من دان نفسه، من هو الكيس عندك يا أخي؟ ساعده فضل، من هو الكيس المتوقد ذكاء؟ أرأيت الجمرة وهي كلما جاءها الهواء تتوهج، هذا هو التوق، فهو من شدة فطنته وحذقه وذكائه يتوق ذهنه. أبت طلاقها الأكياس، بت. في حديث شداد بن أوس: الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، أي حاسب نفسه في الدنيا محاسبة شديدة في الدنيا، الكيس من دان نفسه حاسبها وراقبها محاسبة شديدة، وعمل لما بعد الموت، هو مدرك أن هناك موتا آتيا لا بد منه فهو يعمل لما بعد الموت. والعاجز من أتبع نفسه هواها، كلما تمنت النفس الهوى هوي مع هواها، ولله در القائل: والنفس إن أتبعتها هواها فاغرة نحو هواها فاها. والنفس إن أتبعتها هواها فاغرة نحو هواها فاها. الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأمان. هذا الحديث، هذا الحديث إسناده ضعيف، فيه أبو بكر بن أبي مريم وهو ضعيف. هذا الحديث إسناده ضعيف، في سنده أبو بكر بن أبي مريم، ولا يعلم هذا الحديث إلا من طريق أبي بكر بن أبي مريم كما قال البزار في مسنده، لكن معنى الحديث صحيح وله شواهد، مثل حديث أبي هريرة: «احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز»، وحديث ابن عمر: «عش في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، وخذ من صحتك لمرضك»، الحديث الآخر: «إذا أصبحت فلا تنتظر المساء»، هكذا كان يقول ابن عمر: «وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك». المعنى صحيح إن شاء الله. أراك تحب عرسا ذات خدر، أبت طلاقها الأكياس، بت. تنام الدهر ويحك في غطيط، والغطيط ما يسمع من النائم من الأنفاس الشديدة أو من الأنفاس لشدة النوم والاستغراق به، فتر النفس يصعد حتى يصدر صوتا ثم يخفت ثم يصعد ثم يخفت، فيقال: غط في نومه غطيطا، وهذا لا يكون إلا في حالة النوم المستغرق، أما في أول النوم لا يكون هذا، إذن الغطيط يكون في النوم الخفيف أو في النوم الثقيل؟ الغطيط في النوم الثقيل، لأنه صعود النفس من النائم، صعود الأنفاس. تنام الدهر ويحك في غطيط بها، حتى إذا مت انتبهت، أي إذا جاءك الموت وسكراته أبصرت حقائق الأشياء كما هي، إذا جاءك الموت تبصر الأمور على حقيقتها، إذا جاءك الموت، حتى بها تنام الدهر ويحك في غطيط بها، حتى إذا مت انتبهت. ويقرأ: مت ومت، وهو ميت وهو ميت بالتشديد، ويقرأ ويقرأ أيضا البيت: حتى إذا مت انتبهت، هذا وهذا جائز إن شاء الله تعالى. وهذا يدل على أمرين: الأمر الأول أن الدنيا خداعة وأنها دار بهرج وزينة، فربما يقف الناظر في زينتها وبهجتها وزخرفها فيغتر بها ويفرح بها، والله جل جلاله يقول: ﴿فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور﴾، فالدنيا دار خدعاء تنسيك آخرتك، كم من غافل لو استيقظ قلبه كما يستيقظ عند الموت لكان من أصلح الصالحين. وفيها أيضا الأمر الثاني: أن كثيرا من الناس لا يوقظهم إيقاظ معتبر صحيح نافع، ولكن ذهب النفع ولا جدوى له إلا الموت. تنام الدهر ويحك في غطيط بها، حتى إذا مت انتبهت. وللأسف نسمع نحن اليوم وقد قست القلوب، أخبار الموت: شاب يموت في شبابه، رجل يموت في كهولته، الموت يجري في الناس، نسمع ذلك، نشيع الجنائز، ندفن الموت، ولكن القلوب قاسية لا تبصر أنها غدا ستحمل وتغسل وتدفن، نسأل الله العافية والسلامة. هذا من قسوة القلوب التي نعاني منها في هذا الزمان، والناظم ذكرها، والشاعر أبو إسحاق الإلبيري رحمه الله ذكرها وأشار إليها، وأبلغ في النصح والتحذير منها. أراك تحب عرسا ذات خدر، أبت طلاقها الأكياس، بت. تنام الدهر ويحك في غطيط بها، أي بالدنيا وبزخرفها وبجمالها وبزينتها، فأنت كالنائم الذي استغرق في النوم حتى سمعت له تلك الأصوات لصعود النفس وشدة النوم وثقله. تنام الدهر ويحك في غطيط بها، أي بالدنيا، حتى إذا مت، حتى إذا مت انتبهت. لكن هل ينفعك ذلك؟ ولو ترى، الله جل جلاله يذكر: ﴿حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعوني﴾، انتبه، حتى إذا مت انتبهت، حتى إذا جاء أحدهم الموت قال: رب ارجعوني، لعلي أعمل صالحا فيما تركت، قال الله: ﴿كلا إنها كلمة هو قائلها﴾، الآيات والآيات في هذا المعنى كثيرة. نكتفي بهذا، ونقرأ غدا إن شاء الله بقية الأبيات. فأسأل الله جل جلاله أن يوفقنا لهداه، ويعيننا على العمل بطاعته، ويرزقنا تقواه، إنه جواد كريم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. شكرا، شكرا.