الدرس في شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 3، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يوضح المقطع أن الشاعر الإلبيري ينصح ولده أبا بكر بطلب العلم النافع بوصفه أعظم الحظوظ وأجل العبادات بعد الفرائض، مستدلاً بأقوال السلف. ويبين أن ما يناله العالم من إمامة وطاعة وجمال هي فضائل تابعة حاصلة غير مقصودة لذاتها.
يبيّن المقطع أن العلم النافع يجعل صاحبه إماماً يُقتدى به في الخير نتيجة طبيعية لدعوته ونفعه للناس لا بقصد الترفع، وأن هذه الإمامة تُنال بالصبر واليقين. كما يوضح أن العلماء من أولي الأمر الذين وجبت طاعتهم في طاعة الله مشروطة بعدم مخالفة الشرع.
يشرح المقطع فضيلة العلم النافع في إزالة الغشاوة عن قلب المؤمن وبصره ليميز الحق من الباطل، وكونه هادياً لصاحبه إذا ضل أو زل. مستدلاً بحديث عدي بن حاتم ومقارناً ثبات العلماء على الحق عند وقوع الفتن بتأخر إدراك العامة.
يشير المقطع إلى أن الأبيات الشعرية التراثية تربي الطفل على عزة النفس والنخوة والكرم والشجاعة، وتعد وسيلة فعالة لغرس مكارم الأخلاق منذ الصغر. ويؤكد على أهمية حفظ طالب العلم لهذه القصائد وتدبرها وتعليمها لأبنائه.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. لازلنا في هذه القصيدة التي كتبها ونظمها الشاعر المجود والعلامة الزاهد أبو إسحاق إبراهيم بن مسعود الإلبيري التوجيبي الأندلسي رحمه الله تعالى، في نصيحته لولده المكنى أبا بكر. يقول رحمه الله تعالى: «أبا بكر دعوتك لو أجبت إلى ما فيه حظك لو عقلت إلى علم تكون به إماما مطاعا إن نهيت وإن أمرت ويجلو ما بعينك من غشاها ويهديك الطريق إذا ضللت وتحمل منه في ناديك تاجا ويكسوك الجمال إذا عريت ينالك نفعه ما دمت حيا ويبقى ذكره لك إن ذهبت» بدأ رحمه الله بالتصريح في مضمون النصيحة التي أراد أن ينصح بها ولده الذي كناه أبا بكر. تقدم الكلام على أنها الأقرب أنها نصيحة لولده، كناه أبا بكر، لا ندري ما اسمه لكن كنيته أبا بكر. «أبا بكر دعوتك لو أجبت إلى ما فيه حظك لو عقلت»؛ هذه نصيحة أبوية، ونصيحة من عالم مشفق إلى تلميذ وابن، فهو يدعوه دعاء شفقة ورحمة، ويتمنى أن يجيبه إلى ما دعاه: «لو أجبت دعوتك لو أجبت إلى ما فيه حظك لو عقلت». وهذا الحظ هو أعظم الحظوظ، وهو من جليل العبادات، هذا الحظ إلى ما فيه حظك لو عقلت، هو أعظم الحظوظ، وهو أجل العبادات بعد الفرائض. هذا الحظ هو أجل العبادات بعد الفرائض، وهو طلب العلم النافع. «أبا بكر دعوتك لو أجبت إلى ما فيه حظك لو عقلت». هذا سلب فيه تحضيض على قبول الدعوة. «أبا بكر دعوتك لو أجبت» يتمنى أن يجيبه إلى طلبه، إلى ما فيه حظك. قلنا هذا الحظ هو أعظم الحظوظ، هذا الحظ هو أعظم الحظوظ، وهو أعظم الطاعات بعد الفرائض، وأجل العبادات بعد الواجبات والفرائض، وهو طلب العلم النافع. «إلى ما فيه حظك لو عقلت»؛ أي لو كنت عاقلا تعرف ما ينفعك وما يضرك. والعقل ما عقل الإنسان عما لا ينفعه أو صرفه عما يضره، هذه وظيفة العقل، مأخوذ من العقال وهو الربط، فالعقل يربط الإنسان عن المنكرات، وعن مساوي الأخلاق، وعن المظالم، وعن القبائح، يعقله، يحجزه، ويدله على الخيرات. «إلى ما فيه حظك لو عقلت»؛ أي لو كنت عاقلا حق العقل لأدركت أن هذه النصيحة لا ترد، وأنه يجب أن تمتثل لها وتعمل بها. «أبا بكر دعوتك لو أجبت إلى ما فيه حظك لو عقلت». قلنا هذا الحظ أعظم الحظوظ، ولهذا قال السلف، كسفيان الثوري والإمام الشافعي وغيرهم: «لا نعلم بعد الفرائض أفضل من طلب العلم». لا نعلم بعد الفرائض أفضل من طلب العلم. هكذا قال الأئمة، غير واحد من الأئمة: «لا نعلم بعد الفرائض» أي الواجبات والأركان، كالصلوات الخمس، وصيام رمضان، وحج بيت الله الحرام لمن لم يأتِ بالركل الواجب وهو الحج، والزكاة لمن لم يأتِ بالزكاة الواجبة، ونحوها من الفرائض. بعدها أجل العبادات، أجل من نافلة الصلاة، وأجل من نافلة الصيام، وأجل من نافلة الحج، وأجل من نافلة الصدقات، وأجل من سائر النوافل: طلب العلم النافع. أجل من نافلة العبادة. لا يعني هذا الزهد في النافلة، سيأتي الكلام على الحث على العمل والإتيان بالعبادات والحرص على النوافل والطاعات، لكن هذا من باب بيان منزلة العلم ومكانة العلم. لهذا قال سفيان الثوري، ومحمد بن إدريس الشافعي، وعدد من السلف: «لا نعلم بعد الفرائض أفضل من طلب العلم». وقال بشر بن الحارث زاهد بغداد: «لا أعلم عملا أفضل من طلب العلم لمن اتقى الله وحسنت نيته». لا أعلم عملا أفضل من طلب العلم لمن اتقى الله وحسنت نيته. «وأما أنا فلا أزكي نفسي على هذا» أو كما قال رحمه الله تعالى. «وأما أنا فأستغفر الله من ذلك» هكذا قال، أو كما قال رحمه الله تعالى، وغفر له. فالعلم النافع أعظم الحضور. من أعطاه الله العلم النافع ووضعه على طريق العلم وطلبه فقد أراد به الخير كله. ويدل لهذا حديث ابن عباس وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين». من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين. ما المفهوم عند أهل العلم؟ ومن لم يفقهه في الدين، وصرفه عن الفقه في الدين، وعن تطلب الفقه في الدين، وطلب العلم النافع، فإن الله لم يرد به هذا الخير العظيم. «أبا بكر دعوتك لو أجبت إلى ما فيه حظك لو عقلت إلى علم تكون به إماما مطاعا إن نهيت وإن أمرت». بدأ في هذا البيت والأبيات الآتية في سرد بعض فضائل العلم النافع التي تأتي تبعا لا قصدا. هذه الفضائل ينالها أهل العلم تبعا لا قصدا، رحمهم الله ورضي الله عنهم، فهي حاصل غير مقصود. الفضائل الآتية هي من نوع العلم الذي يقال عنه: هذا حاصل غير مقصود. هذا ينبغي أن يعلم، وقد ورد في الشرع ذكر مثل هذا الضابط: أمور تذكر وهي حاصل لكن هذا الحاصل غير مقصود. من ذلك قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. هذا مثال لهذه القاعدة: حاصل غير مقصود. حاصل لكنه غير مقصود. الله جل جلاله يمتن على المؤمنين: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾ هذه العلة، سخر الله لكم هذه الدواب لأجل أن تركبوها، ثم قال الله بعدها بواو العطف: ﴿وَزِينَةً﴾ هذا حاصل غير مقصود، فإنه ليس من شأن الصالحين أن يتزينوا بالدواب ويتفاخروا بها، لكن الزينة حاصلة لمن ركب الدابة، الزينة حاصلة لمن ركب الدابة وإن لم يقصد التزين. هل فهمتموني؟ الزينة حاصلة، تجد رجلا يركب الخيل، ترى له جمالا في ركوبه وأبهة وشيئا من الزينة كما قال الله: ﴿وَزِينَةً﴾، لكن هل هو قصد ركوب الخيل لأجل أن يتزين بذلك؟ هذا باب آخر. فهذا حاصل غير مقصود. هذا فيما يأتي إن شاء الله من فضائل. يقول رحمه الله: «إلى علم تكون به إماما». والإمام هو المقتدى به في الخير. كل من يقتدى به في الخير أو في الشر فهو إمام، والمراد هاهنا: «إلى علم تكون به إماما» أي في الخير وفيما يرضي الله سبحانه وتعالى. ولا شك أن قصد الخير للناس، وقصد هداية الناس، مطلب من مطالب الأنبياء والمرسلين في دعوتهم، فهم حريصون على الناس، حريصون على هدايتهم، حريصون على دخولهم الجنة. هذا الحرص منهم هو الإمامة في الدين. هذا الحرص منهم هو الإمامة في الدين. ليس المقصود أن يكون إماما ويخدمه الناس ونحو ذلك، معاذ الله، هو لا يقصد هذا ولا ينظر إليه، ولكن المقصود أن يكون العلم باعثا لك على نفع الناس، كما قال الله عز وجل: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾، ثم قال بعدها ربنا جل جلاله: ﴿وَلْيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾. ﴿وَلْيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ هذا الحرص على الإنذار، والحرص على رجوعهم إلى الحق، يجعلهم أئمة للناس، حاصل غير مقصود بالطلب. هل فهمتموني؟ حاصل لكنه غير مقصود ابتداء، معاذ الله أن يقصد أهل العلم أن يترفعوا ويتكبروا ويتفاخروا على الناس، هذا ينافي العلم النافع، لكنهم أكثر الناس تواضعا وأعظمهم استكانة لله عز وجل، فهم لا يقصدون هذا، لكن دعوتهم للخير تجعلهم أئمة، كما قال الله في إبراهيم عليه السلام: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ أي إماما يُقتدى به في الخير، إماما يُقتدى به في الخير. وقال الله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾، فَبِصَبْرِهِمْ وَبِإِيقَانِهِمْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ أَئِمَّةً لِلنَّاسِ. بالصبر واليقين تُنَالُ الإِمَامَةُ في الدِّين، كما قال الأئمة العلماء رحمهم الله: «بالصبر واليقين جعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا». فهم صبروا على طاعة الله، ودعوا إلى طاعة الله، وأوذوا في سبيل الله، ولم يمنعهم الأذى من الدعوة إلى الله ونشر الخير، وكانوا على يقين مما هم فيه، مع كثرة المعارضين وقوة الباطل، غير أنهم كانوا على يقين بما هم فيه. صبروا وأيقنوا واستمروا، فبهذا جعلهم الله أئمة للناس. «إلى علم تكون به إماما». ولهذا يتمنى ويدعو المؤمنون ربهم سبحانه وتعالى: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾. جاء في تفسير الآية أنهم عملوا الخيرات، وأطاعوا ربهم، وبار البريات، ودعوا أبناءهم إلى الخيرات، ثم لم يكتفوا بذلك حتى دعوا الناس الذين حولهم، ثم لم يكتفوا بذلك حتى أرادوا أن يدعوا كل من يستطيعون الوصول إليه: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾. فهم تصلهم أجور أعمالهم، وأجور أعمال من اهتدى بهم، لا ينقص من أجورهم شيئا، كما جاء في الحديث الصحيح: «من دل على هدى كان له من الأجر مثل أجر من تبعه لا ينقص ذلك من أجره شيئا، ومن دل على ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا». «إلى علم تكون به إماما مطاعا إن نهيت وإن أمرت». العلماء كما يقول بعض، كما يقول أبو الأسود الدؤلي: «الملوك حكام على الناس، والعلماء حكام على الملوك». يقول رحمه الله: «إماما مطاعا إن نهيت وإن أمرت». أبو الأسود... فالعلماء، من عرف علمهم وصدقهم ودلائل ما يقولون، أطاعهم، لأن الله أمر بسؤالهم وأمر بامتثال جوابهم، قال جل وعلا: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، بالبينات والزبر. فجعل المرجع هم العلماء، هم يسألون، فإذا أجابوا يطاعون ولا يعصون في طاعة الله جل جلاله. «إلى علم تكون به إماما مطاعا إن نهيت وإن أمرت». قلنا قال أبو الأسود الدؤلي: «الملوك حكام على الناس، والعلماء حكام على الملوك». أفلا يجب عليهم أن يجعلوا بطانتهم من أهل العلم؟ العلم النافع، علم الكتاب والسنة، فإنهم أزكى الناس عقولا، وأصفاهم أفئدة، وهم أولى الناس بالصواب في الرأي، وهم أيضا أذكى الناس في الحنكة والسياسة. العلماء كم صنف العلماء من السياسة الشرعية ما يذهل منه الإنسان اليوم إذا قرأه. والله عز وجل جعل ولاة الأمر الذين أمر بطاعتهم في ثلاث آيات من القرآن الكريم، أمر بطاعة ولاة الأمر، وهم على الراجح العلماء والأمراء. على الراجح كما يقول ابن كثير وكثير من المفسرين: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، فيها ثلاثة أقوال، من هو المراد بأولي الأمر؟ الراجح، كما يقول ابن كثير وابن تيمية وغيرهم من الأئمة، أن المراد بـ ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ في الآية هم العلماء والأمراء. «مطاعا إن نهيت وإن أمرت». هكذا أمر الله بطاعة ولاة الأمر، والعلماء يعتبرون أيضا من ولاة الأمر، العلماء من ولاة الأمر الذين يجب طاعتهم في طاعة الله. يخرج عن هذا طاعة العلماء في معصية الله، أو في مخالفة حكم الله، هذا لا يجوز. لا يجوز طاعة العلماء في معصية الله، ولا يجوز طاعة العلماء فيما يخالف أمر الله وأمر رسوله. يقول الله جل جلاله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. في حديث عدي بن حاتم، وفي سنده شيء من الضعف، غير أن الأئمة احتملوه، كما هو موجود في كتاب التوحيد لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، أجزل الله له الأجر والثواب. أنهم قال عدي بن حاتم للنبي صلى الله عليه وسلم: والله ما عبدناهم. قال: «أليس؟» قال صلى الله عليه وسلم: «أليس يحلون لكم الحرام فتحلونه، ويحرمون عليكم الحلال فتحرمونه؟» قال: بلى. قال: «فتلك عبادتهم» أو «فتلك طاعتهم». إذن فلابد من أن يقيد. قال الناظم رحمه الله: «إلى علم تكون به إماما مطاعا إن نهيت وإن أمرت». هذا فيما يكون للعلماء من الطاعة في طاعة الله عز وجل، وطاعة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. «ويجلو ما بعينك من غشاها ويهديك الطريق إذا ضللت». هذه فضيلة أخرى للعلم النافع، طلبه. هذه فضيلة أخرى للعلم النافع، ولطلب العلم النافع، وهي حاصل. هذا البيت أن من فضائل العلم النافع: جلاء بصر الإنسان، جلاء بصر الإنسان في حقائق الأمور، ومعرفته ما يرضي الله سبحانه، وما يكون فيه تقوى الله عز وجل، وما يكون فيه الباطل، وفيه معصية الله عز وجل. هذه البصيرة، هذا الفرقان الذي يفرق به أهل العلم بين الحق والباطل. يقول الناظم الشاعر أبو إسحاق رحمه الله: «ويجلو ما بعينك من غشاها». غشي على بصره، تقول العرب: غشي على بصره وقلبه، غشوة وغشاوة، غشوة وغشاوة وغشاوة وغشاوة، أي جعل فيها غطاء على البصر لا يبصر منه شيئا. تخيل يأتي إنسان فيضع قماشة على عينيك ثم يقول: امش في هذا الطريق، هل تستطيع أن تمشي؟ لا تستطيع لأن عينيك قد غطي عليهما، عليهما غشاوة. وهكذا العلم: «ويجلو ما بعينك من غشاها». الله جل وعلا يقول في الكفار: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءُ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾. ماذا جعل على بصرهم؟ غشاوة، لا يبصرون الحق ولا يرونه لأن على بصرهم غشاوة. هكذا وصف الله الكفار. لكن العالم: «ويجلو ما بعينك من غشاها». ويجوز: «غشاها». يجلو ما بعينك من غشاها، فتبصر الأمور على حقائقها، وترى الأشياء كما هي. إذا وقعت الفتن، من أعلم الناس بالحق في الفتن؟ العلماء. ماذا قال الحسن البصري؟ «عندك فضل يا حمزة»... ماذا قال الحسن البصري في العلماء في الفتن؟ هذا كمثال: إذا وقعت أو إذا أقبلت الفتنة ووقعت، عرفها العلماء. أقبلت فتنة، من يعرفها؟ العلماء. «ويجلو ما بعينك من غشاها ويهديك الطريق إذا ضللت». وإذا أدبرت عرفها الناس كلهم، حتى الجهال يعرفون أنها فتنة. بالأمس كان هناك ثورات الربيع العربي، ارتجت الشوارع، وامتلأت الطرقات، وخرج المتحمسون، واليوم إذا سألت أي واحد منهم يقول: كانت فتنة، وكان خطأ، وما حصلنا شيء، وحصل كذا إلى آخر. لكن العلماء من أول ما بدأت، كلامهم واحد في أولها، وكلامهم هو نفس كلامهم في آخرها. من فضائل العلم يقول الشاعر أبو إسحاق الإلبيري رحمه الله: «ويجلو ما بعينك من غشاها ويهديك الطريق إذا ضللت». أن يدلك على الطريق الصحيح إذا أخطأت أو ضللت الطريق. لست معصوما، قد تخطئ، لكن العلم من فضائله أنه يوقظ صاحبه، فتراه وقد انتبه من غفلته، ورجع عن زلته، وتاب إلى الله من خطيئته. فالعلم يهديك الصراط المستقيم إذا خرجت عنه. «ويجلو ما بعينك من غشاها أو غشاها ويهديك الطريق إذا ضللت». طيب، لعلنا نقف. ولازلنا في سرد هذه الفضائل العظيمة في هذه القصيدة العصماء التي ينبغي لطالب العلم أن يحفظها، وأن يترنم بها، فإن الأخلاق تكتسب بمثل هذا. كان الجاهليون أيام الجاهلية، وليس هناك إسلام ولا توحيد، كانوا يحفظون أبناءهم لامية الشنفرى في الجاهلية، ينبت الصغير فيحفظونه لامية الشنفرى، وهو لص من لصوص العرب، شجاع، فتاك، سفاك، لكن له قصيدة فيها الحكم، فيحفظون أبناءهم الصغار حتى تنطبع في قلوبهم الحكمة. يقول في لاميته في عزة النفس: «وليدونكم أهلون سيد عملس وأرقط زهلول وعرفاء جيئل هم الأهل لا مستودع السر ذائع لديهم ولا الجاني بما جر يخذل» أي: أنتم نبذتموني يا قبيلتي، ورميتموني، وإن في نفسي لإباء وعزة وشموخ، حتى إني وجدت دونكم أصحابا، وجدت فيهم من خصال الخير، ومن مكارم الفضل، ما فقدته في كثير منكم. «وليدونكم أهلون سيد» والسيد هو الذئب، السيد هو الذئب الذي يكون في البراري والصحاري. هؤلاء أصحابه، من أصحابه الذئب: «سيد عملس» أي رقيق البطن، سريع السير، «وأرقط» الفهد، «زهلول» طويل، وفيه ضعف أيضا لكثرة جريه. «وليدونكم أهلون سيد عملس وأرقط زهلول وعرفاء جيئل» أنثى الضبع، والجيئل: الضبع. «عرفاء جيئل هم الأهل» هؤلاء أهلي، وديرتي، وعشيرتي، وأصحابي، وخلاني، بعد أن نبذتموني، وجدت هذه الشلة الطيبة، والرفقة الحسنة، والرجال الصادقين في كلامهم. «لا مستودع السر ذائع لديهم» إذا جئت وخبرت الذئب بسر من أسراري، وقلت له: تعالي يا صاحبي، الذئب، أكلمك سرا بيني وبينك، لكن لا تخرجي الكلام لأحد، أحفظ السر. لا يمكن، لا يمكن يخرج الكلام لأحد أبدا، سبحان الله. وكذلك البقية، الذئب والفهد وأنثى الضبع، هم الأهل. «لا مستودع السر دائعا لديهم ولا الجاني بما جر يخذل». يعني لو أني مثلا افترست شيئا ما، وقفوا ضدي؟ عندهم عصبية، يقفون معي. لكن أنتم تخذلون. لكن هؤلاء لا، هذين يعني واقفين إلى الموت. تجد الطفل الصغير يتربى على هذه الأبيات، فيه عزة النفس، فيه النخوة، فيه الكرم، فيه الشجاعة، فيه الإباء. يربى من صغره بسبب هذه القصائد والتراث الذي يربي في النفس العزة ومكارم الأخلاق. كذلك مثل هذه القصائد ينبغي لطالب العلم أن يحفظها، وأن يتأملها، وأن يتدبرها، وأن يحفظها أبناءه. أسأل الله جل جلاله أن يوفقنا للهدى. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ترجمة نانسي قنقر