الدرس في شرح سلم الوصول للشيخ حافظ الحكمي رحمه الله 80، الدرس الثمانون : (لا نوء ولا عدوى ولا طير ولا ... كما بذا أخبر سيد البشر ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
شرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي ينفي الاعتقاد بالنجوم والطيرة والغول، ويوضح أن النجوم خلقت للزينة والاهتداء ورجم الشياطين. النفي أبلغ من النهي لأنه يتضمن نفي التأثير والنهي عن الاعتقاد.
النهي عن الاعتقاد في تأثير النجوم، وتوضيح استخدامها للاهتداء. ومناقشة مفهوم العدوى وتفسير الأحاديث المتعلقة به، مع توضيح أن النجوم والعدوى لا تأثير لهما بذاتهما.
جمع بين الأحاديث التي ظاهرها التعارض في العدوى بثلاثة أوجه: رد عقيدة الجاهلية، حفظ عقيدة المسلمين، وقطع مادة الشر. هذه الأوجه الثلاثة تبرر الأحاديث المختلفة وتوحد بينها.
اختتام الدرس الحالي وتأجيل بعض الأحكام إلى وقت لاحق. الإعلان عن نية تأجيل بعض المواضيع إلى درس قادم، مع ختام بالتسبيح والحمد لله.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال حالب حكم، رحمه الله تعالى: قال: لا نوء، لا عدوى، ولا طير، ولا عما قضى الله تعالى، ولا غول، ولا هامة، ولا صفر، كما بذا أخبر سيد البشر: لا غول، ولا هامة، ولا صفر، كما بذا أخبر سيد البشر. يعني بالسكون، عندكم بالسكون، طيب، هو صفر، لكن عندي بالضم، لعله خطأ. ولا صفر، أورد المؤلف، رحمه الله تعالى، هذين البيتين تتمة ومناسبة لذكر القضاء، مبحث القضاء والقدر، أي لا ينافي ما سبق من علم الله عز وجل هذه المسائل، ولمناسبتها ذكرتها هنا، وللتنبيه كذلك على خطرها، ولكثرة وقوع الناس فيها، نبه عليها، رحمه الله تعالى. وقوله، رحمه الله: لا نوء، لا عدوى، ولا طير، ولا عما قضى الله تعالى، يعني لا اعتقاد في هذه الأشياء، وأوردها بالنفي، اقتداءً بحديث النبي عليه الصلاة والسلام، فيما جاء بحديث أبي هريرة، وحديث عبد الله بن عمر، وحديث جابر بن عبد الله، وجماعة من الصحابة، رضي الله تعالى عنهم أجمعين، هذا المعنى. ففي حديث أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه: لا عدوى، ولا طيرة، ولا صفر. وفي حديث عبد الله بن عمر، بمعنى، وفيه: ولا هامة، ولا صفر. وفي زيادة بمسلم: ولا نوء، ولا غول. ومعنى هذا هو أولًا: نفي وجود التأثير في هذه الأشياء، وثانيًا: النهي عن الاعتقاد في هذه الأشياء، والعمل بعمل الجاهلية فيها. وبهذا نعلم أن أسلوب النفي أبلغ من أسلوب النهي، قال ابن القيم، رحمه الله تعالى، في شرح هذا الحديث: قال: والنفي ها هنا أبلغ من النهي؛ لأنه يتضمن النهي وزيادة، يتضمن النهي وزيادة. ما هي هذه الزيادة؟ هذه الزيادة هي نفي التأثير، نفي وجود التأثير في هذه الأشياء التي يعتقدها أهل الجاهلية. ومعنى لا نوء: يعني لا اعتقاد بالأنواء، وهي النجوم ومنازلها، لا اعتقاد بها على ما كان يعتقد أهل الجاهلية. وهكذا كذلك إلى زماننا هذا، صار مثل التراث الذي يورث ويتحدثون به، حتى يكتب في الصحف والجرائد والمجلات، تجدهم يقولون: هذا نجم كذا، ومن صفات من ولد فيه أنه كذا وكذا وكذا، فيتفاءلون ويتشاءمون بالنجوم، وهذا من طرق أهل الجاهلية، ليس من طرق أهل الإسلام. وهو كذلك مما ورث من عقائد بعض الظلال ممن سبق من المشركين، وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام النهي والنفي لهذا المعتقد الفاسد، ومن ذلك هذا الحديث، حديث أبي هريرة، وحديث بن عمر، وجابر، وجماعة. وكذلك حديث زيد بن خالد الذي في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم صلى الصبح على إثر مطر من السماء، فلما التفت إلى أصحابه، قال: أتدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فهو مؤمن بي، كافر بالكوكب. ومن قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فهو كافر بي، مؤمن بالكوكب. وفي هذا أولًا: تأكيد هذه الجملة من أنه لا تأثير للأنواء والنجوم فيما يتعلق بأعمال الناس وأحوالهم، فلا يجوز للمسلم أن يستدل بأحوال ومواقع ومنازل النجوم على ما يقع للناس من أمر الغيب، أو كذلك يعني أمر أحوالهم وأعمالهم؛ فإنه لا علاقة لهذا بهذا. ولا يعني ذلك أنها ليست علامات، لا بل هي علامات، كما روي عن قتادة، رحمه الله، أنه قال: خلق الله النجوم زينة للسماء، وعلامات يهتدى بها، ورجومًا للشياطين. علامات يهتدى بها، ورجومًا للشياطين. وبه نعلم أنه لا بأس أن نعرف به المواقع، فنهتدي بها في المكان، أو نهتدي بها كذلك في الزمان. يعني أن النجم الفلاني علامة وبداية دخول زمن الشتاء، ولكن لا يلزم أن يأتي الشتاء بنفس ما يأتي في العام الذي قبله. وكذلك النجم الفلاني إذا دخل، هو الغالب علامة ابتداء موسم كذا وكذا من الزراعة، أو كذا وكذا من أنواع الصيد، صيد البر أو صيد البحر، ظهور أنواع الصيد عند ظهور النجم الفلاني، فإنه علامة، وليس هو بلازم أن يقع كذلك. أن النجم الفلاني علامة في دخول وقت الأمطار، لكن لا يلزم أن يكون نزول المطر؛ فإن الله جل وعلا قادر على أن ينزل المطر بغير وقته، وهو قادر سبحانه على أن يمنع نزول المطر في وقته، وكم قدر الناس من ذلك. لكن أهل الجاهلية كانوا ينسبون الفضل إلى هذا النجم، فإذا جاء نجم استبشروا به؛ لأنه كما يعتقدون من اعتقادهم الفاسد هو الذي ينزل هذا المطر. وهذا هو الذي نهينا عنه. وهكذا كذلك في كشف الغيب، فمن ادعى أن النجم الفلاني من ولد فيه فمعناه أنه سيكون له كذا وكذا وكذا، فهذا كذلك من اعتقاد أهل الجاهلية، وقد نهينا عنه. وهو الذي يفعل تمامًا اليوم في صحفنا وجرائدنا ومجلاتنا، وللأسف مع هذا كما يقال تطور الحديث، ومع ذلك تجد أناسًا عندهم أمية حديثة، الأمية الحديثة بهذا الزمان ليست هي أمية القراءة والكتابة، ولكنها أمية الجهل بالأحكام الشرعية. فتجد إنسانًا دكتورًا أو بروفيسورًا كما يقال، ولكنه يتعلق بقبر، أو دكتور أو بروفيسور، ثم يتشاءم أن ولده ولد في نجم العقرب، أو يفرح أن بنته ولدت في نجم الأسد، أو نحو ذلك مما هو ينافي تمامًا هذا العلم الذي يدعيه، فهذه الأمية التي ابتليت بها الأمة في هذا الزمن. وهكذا كذلك لا عدوى، نفي للعدوى، أي لا شيء يُعدي بنفسه، اقتداءً. وقد جاء هذا المعنى عن النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث، ومنها ما جاء بمسند الإمام أحمد من حديث عبد الله بن سعود، بإسناد حسن: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: لا يُعدي شيء شيئًا، لا يُعدي شيء شيئًا، لا يُعدي شيء شيئًا، كررها ثلاثًا. فذكر له الرجل الإبل وما يصيبها من جرب، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: فمن أجرب الأول؟ من الذي أجرب الأول؟ يعني إذا كان الأول قد أصابه الجرب من دون سبب ظاهر، ما في بجانبه شيء فيه جرب، فإن الله جل وعلا قادر على أن يمنع الجرب من الثاني، ولو وجد سبب الجرب، ولو وجد سبب الجرب. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام ثلاثًا: لا يُعدي شيء شيئًا، ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام: إن الله خلق كل نفس، وكتب رزقها ومصابها وأجلها. ويريد بذلك عليه الصلاة والسلام تأكيد أن كل شيء قد كان وسبق في علم الله عز وجل. وهنا يأتي إشكال قد يطرح على بعض الناس ببعض الأحاديث التي رويت، وظاهرها أنها تخالف هذا الحديث، وليس الأمر كذلك. فقد صح بصحيح مسلم من حديث أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: لا يُورَدَنَّ مُمْرِضٌ على مُصح. وجاء كذلك معلقًا عند البخاري، وموصولًا خارجه بإسناد حسن: أنه قال عليه الصلاة والسلام: فر من المجذوم فرارك من الأسد. وفي الصحيحين من حديث أسامة وعبد الرحمن بن عوف: أنه عليه الصلاة والسلام أمر إذا وقع الطاعون في أرض أن لا يُدخل إليها، وأن لا يُخرج منها، وأن لا يخرج المرء منها. فظاهر هذه الأحاديث أن العدوى موجودة، وظاهر الأحاديث التي سبقت أن العدوى غير موجودة. فكيف يُجمع بين هذه الأحاديث؟ جمع بينها بثلاثة أوجه، أشار إليها الشارح، رحمه الله تعالى. الوجه الأول: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أراد بهذا أن يرد عقيدة من عقائد أهل الجاهلية الفاسدة كانت عندهم، وكانوا يعتقدون أن الشيء يُعدي بأصله دون إرادة الله عز وجل وقدرته، وهذا خطأ. وعلى هذا المعنى كان هذا الحديث: فمن أجرب الأول؟ يعني أن هذه الأشياء وجود الجرب سبب ينبغي الإنسان أن يجتنبه، لكن ليس معناه إذا أصيب أنه يعتقد أن هذا الشيء كان من دون إرادة الله عز وجل، بل إنه ما حصل إلا بإرادة الله جل وعلا. وفائدة هذا هو أمران اثنان: الأمر الأول أن الإنسان يتعلق بالله عز وجل، ولا يتعلق بغير الله سبحانه طمعًا وخوفًا، لا يتعلق بغير الله عز وجل، بل يتعلق بالله عز وجل وحده. والفائدة الثانية: أنه كذلك إذا اعتقد هذا الاعتقاد، فإنه لن يصير جبانًا أبدًا إذا وقعت الأشياء على خلاف ما يحب. فإنه لن يكون جبانًا، ولهذا تجد صاحب العقيدة الثابتة لا يتضرر إذا ابتلي بمخالطة السبب، مثلًا ابتليت بأن يكون أحد أولادك فيه جرب، هل معناه أنك ستنبذه كما يفعل الكفار؟ تجعله في حجر صحي وترميه وتتخلص منه، ولا تتصل به، ولا تقوم بما يجب عليك معه، مثل ما يفعل الذين لا يعرفون ما عند الله؟ فإن القوم الكافرين هذا خلقهم، وهذا طبعهم، هذه طريقتهم. لكن المؤمن إذا ابتلي مثل هذا، يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، فإنه يؤدي الذي أوجبه الله عز وجل عليه مع هذا المريض. ولا يعني ذلك أنه يتساهل في الاحتياط من أسباب الوقوع في هذا المرض، لا يحتاط، مثلًا لا يستخدم الأوعية مباشرة، لا يخالطه بمخالطة فيها مظنة العدوى، لكن لا يعني أن ينبذه، لا يعني أن يتركه. كذلك إذا ابتليت مثلًا بمس يدي مجذوم، بعض الناس ربما ينهار، بعض الناس ربما ينهار؛ لأنه ليس عنده إيمان بالقضاء والقدر، وليس عنده هذه العقيدة، ربما يمرض شهرًا من غير مرض، فقط لماذا؟ صابعه ذاك المجدوم، يخطر بباله هذا المنظر، وكلما تذكره يزداد مرضًا وسقمًا، لماذا؟ لأنه صاحب عقيدة ضعيفة. هذا هو التفسير الأول، أو الوجه الأول في الجمع بين هذه الأحاديث التي ظاهرها المخالفة، وليس الأمر كذلك. والوجه الثاني: أن هذا النهي الذي ورد، والنفي جاء لحفظ عقيدة الناس، أي عقيدة المسلمين، وسد ذريعة اعتقادها للجاهلية. يعني أن بعض الناس ربما إذا باشر هذا السبب، وحصل منه الاقتراب منه، تختل عقيدته، ويحصل عنده شيء من الشك والوسوسة، فلأجل ذلك سد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هذا الباب، فأمر أن لا يورد ممرض على مصح، وأن يفر من المجذوم الفرار من الأسد، لماذا؟ حتى لا تختل عقيدة المسلم، لا يبقى في وسوسة وفي خوف دائم وفي قلق. بل إذا اجتنب ذلك سلمت له عقيدته. وهذا التفسير والوجه يصح لبعض الناس، وليس لكل الناس. ولكن التفسير الشامل الكامل هو التفسير الأول. والوجه الثالث من أوجه الجمع بين هذه الأحاديث: أن يقال: أن هذا الذي ورد النهي، ورد لقطع مادة الشر التي قد يظن وقوعها. يعني أن هذا مظنة وقوع المرض، فإذا كان هو المظنة، فالمأمور هو قطع هذه المظنة، وهذا السبب الذي يوقع في هذا الشيء. هذا خلاصة ما يذكر في أوائل هذين البيتين، وما بقي من أحكام يؤخر إلى وقت آخر، ولطول الوقت واسترسالنا فيه نؤخر إن شاء الله، ونعجل ما بقي إلى درس لاحق. وإلى هنا والحمد لله رب العالمين.