الدرس في شرح أصول السنة للإمام أحمد 22، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يقرر الإمام أحمد بن حنبل في رسالة أصول السنة أنه لا يحل قتال السلطان ولا الخروج عليه حتى لو كان ظالماً، وأن من فعل ذلك يعد مبتدعاً خارجاً عن أهل السنة والجماعة، مستدلاً بأحاديث النبوية وأقوال السلف بأن الصبر على جور الولاة واجب لأن الخروج يترتب عليه شر أعظم، وينقل إجماع السلف على تحريم الخروج على الحكام الظلمة.
يبيّن المقطع جواز قتال اللصوص والخوارج إذا اعتدوا على النفس أو المال، مع وجوب التدرج في دفعهم بالأخف فالأخف، وعدم جواز مطاردتهم بعد فرارهم، كما يوضح أن من قُتل وهو يدافع عن ماله أو نفسه أو عرضه فهو شهيد، مستدلاً بأحاديث صحيحة في ذلك.
يستعرض المقطع نشأة الخوارج من جيش علي رضي الله عنه وخروجهم عليه، وشبهتهم القائلة بأن من قاتل يحل دمه وماله ونساؤه، والرد عليهم بأن هذا يلزم منه سب أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وهو كفر، كما يبين الفرق بين القتال المشروع لدفع الفتنة والقتل العبثي، ويقرر أن المسلم لا يحل دمه إلا بأحد الموجبات الشرعية كالأردة أو القتل العمد أو الزنا بعد الإحصان.
يختتم المتحدث بدعاء الله بالهداية والمغفرة للمسلمين، ويصلي ويسلم على النبي محمد وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله الطيبين وصحبه الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. ولازلنا في رسالة أصول السنة للإمام المبجل، إمام أهل السنة، أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، رحمه الله تعالى وغفر له. ولازلنا في آخر الرسالة، فيها مسائل مهمة حول الولاء ومعاملتهم في منهج أهل السنة والجماعة. قال الإمام رحمه الله تعالى وغفر له: «ولا يحل قتال السلطان، ولا الخروج عليه لأحد من الناس، فمن فعل ذلك فهو مبتدع على غير السنة والطريق. وقتال اللصوص والخوارج جائز إذا عارضوا للرجل في نفسه وماله، فله أن يقاتل عن نفسه وماله، ويدفع عنهما بكل ما يقدر عليه. وليس له إذا فارقوه أو تركوه أن يطلبهم، ولا يتبع آثارهم، ليس لأحد إلا للإمام أو ولاة المسلمين. إنما له أن يدفع عن نفسه في مقامه ذلك، وينوي بجهده أن لا يقتل أحدا. فإن أتى عليه في دفعه عن نفسه في المعركة فأبعد الله المقتول، وإن قتل. وإن قتل هذا في تلك الحال وهو يدفع عن نفسه وماله، رجوت له الشهادة كما جاء في الأحاديث. وجميع الآثار في هذا إنما أمر بقتاله، ولم يؤمر بقتله، ولا اتباعه، ولا يجهز عليه إن صرع أو كان جريحا. وإن أخذه أسيرا فليس له أن يقتله، ولا يقيم عليه الحد، ولكن يرفع أمره إلى من ولاه الله فيحكم فيه». وهذه الفقرة المهمة، أو هاتان الفقرتان، فيهما الكلام على عدة مسائل. قال رحمه الله: «ولا يحل قتال السلطان، ولا الخروج عليه لأحد من الناس». تقدم النصوص في ذلك، وأن بغي السلطان وظلم السلطان لا يبيح الخروج عليه وقتاله، فهذا منهج الخوارج. والنبي صلى الله عليه وسلم لما قيل: «أخال ستكون عليكم أثرة وأمور تنكرونها» -أي من الصلاطين والحكام- قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: «أدوا إليهم حقهم، واسألوا الله حقكم». أخرجه البخاري ومسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه. فلا يحل القتال ولا الخروج. قال الفقهاء: لأنه يترتب على ذلك شر أعظم من الشر الذي خرجوا لأجله. قال الفقهاء: يترتب على الخروج على الولاة والسلاطين وقتالهم من الشرور، ومن المنكرات، ومن سفك الدماء، وغير ذلك من المفاسد، ما هو أعظم مما خرجوا لأجل إصلاحه فيه. ولهذا جاءت السنة ناهية عن هذا الخروج بأي صورة كانوا، على أي ظالم من الحكام. الظلم والواجب الصبر. قرأنا أمس الأحاديث في ذلك، ذكرنا بعضها، منها: لما شكى التابعون لأنس، قال الراوي: شكونا إليه ما نجد من الحجاج، وكان سفاكا غشوما ظلوما، فقال أنس: «اصبروا، فإنه لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه، سمعته من نبيكم صلى الله عليه وعلى آله وسلم». أخرجه البخاري، وانفرد به. «ولا يحل قتال السلطان، ولا الخروج عليه لأحد من الناس، فمن فعل ذلك فهو مبتدع». وهذه المسألة فيها التنبيه على أن الذين يخرجون على الحكام والولاة الظلمة، بخروجهم يخرجون عن دائرة أهل السنة والجماعة، ويلحقون بأهل الأهواء والبدع والخوارج. ولهذا تجد اليوم من أهل الفتوى من يقول: إذا سُئل: ما حكم من يبيع الخروج على الأمر والملوك في هذا الزمان؟ فيقول: هذا مبتدع، هذا خارجي. وهكذا منهج أهل السنة والجماعة. يقول يا محمد: «فمن فعل ذلك فهو مبتدع على غير السنة والطريق»، أي يخرج بهذه الخصلة عن دائرة أهل السنة والجماعة، ويلحق بأهل الأهواء والبدع، وإن وافق أهل السنة في سائر عقيدتهم. هذه المسألة وحدها تخرجه عن دائرة أهل السنة والجماعة. ولهذا تكلم السلف في الحسن بن صالح بن حي، وقالوا: مبتدع، ومنهم من قال: ليس من أهل السنة. والسبب في ذلك، مع كون الحسن بن صالح بن حي من كبار الأئمة والحفاظ، أنه كان يرى ويجوز الخروج على الأمراء والسلاطين، فأنكر عليه الأئمة، وقالوا: نعم الرجل هو، لولا هذه المسألة. وكانوا يذكرونه ويحذرون منه. وهكذا القاعدة في كل من يبيح أو يجوز أو يرى الخروج على الحكام والسلاطين، الظلمة، البغاة، أهل الفساد، وغيرهم. ولينتزم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصبر وسؤال الله الفرج، عسى الله عز وجل أن يهلك الفاجر ويأتي بخير منه. ويفتح هذا الفاتح على المسلمين الشرور، هذا الخارج يفتح على المسلمين أنواعا من الشرور بسبب خروجه. ولهذا بدع الأئمة بهذه المسألة من كان يفعل ذلك. ولهذا اليوم تجد كثيرا من الناس، أصل الخلاف معهم في هذه المسألة، يرون جواز الخروج على كثير من الحكام والأمراء، مع اعترافهم بلسان المقال أن هذا الحاكم مسلم. وهذا بدعة وضلالة تخرج صاحبها عن دائرة أهل السنة والجماعة. هذه الفقرة ذكرها الإمام أحمد أيضا في رسالة حرب بن إسماعيل الكرماني، أحد تلامذة الإمام أحمد، له رسالة في العقيدة، نقل هذه المسألة: أن من خرج على السلطان فهو مبتدع. ونقل الإمام أحمد في رسالة حرب -نحن في رسالة عبدوس بن مالك وهي أصح وأضبط، وكذلك رسالة حرب صحيحة أيضا- نقل الإمام أحمد رحمه الله إجماع السلف على هذا، وأنه لا يجوز الخروج على السلطان لبغيه وظلمه وفسقه وجوره. ومن فعل ذلك، ومن فعل ذلك، فإنه مبتدع خارج عن أهل السلطان. نقل الإمام أحمد إجماع السلف، ومن يقتدى بهم من الصحابة، ومن بعدهم من الأئمة وأهل الأثر في الشام والحجاز واليمن وغيرها من البلدان. قال رحمه الله: «وهذا قول أهل الأثر، وقول أهل العلم، وقول أهل السنة». هكذا نقل رحمه الله تعالى وغفر. ثم ذكر رحمه الله المسألة الثالثة، وقال: «وقتال اللصوص والخوارج جائز إذا عرضوا للرجل في نفسه وماله». أما قتال اللصوص، فهذه تسمى مسألة دفع الصائل. هذه المسألة تسمى مسألة دفع الصائل، وهي: ما إذا اعتدى لصوص على رجل، أرادوا أخذ ماله مثلا، فهل يجوز له أن يدفع عن نفسه؟ الجواب: أفتى في هذه المسألة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أفتى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم في غير ما حديث. في هذه المسألة منها حديث أبي هريرة في صحيح مسلم: أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال: «أرأيت إذا جاء رجل يريد أخذ مالي؟» فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تعطيه مالك». قال: «أرأيت إن قاتلني؟» قال: «قاتله». قال: «يا رسول الله، أرأيت إن قتلني؟» قال: «هو في النار». قال: «يا رسول الله، أرأيت إن قتلته؟» قال: «هو في النار». أخرجه مسلم في صحيحه. فهذا نص في هذه المسألة، وأن اللصوص إذا هجموا على الإنسان في داره، أو في دكانه، أو في سفره، أو نحو ذلك، وأرادوا أخذ ماله، فالواجب عليه أن يدفعه. ولهذا يقول الإمام رحمه الله: «وقتال اللصوص». واللصوص لا يريدون قتله ابتداء، إنما همهم المال. اللص يريد المال ولا يريد الدم. فالأصل في مثل هذا الحال أن يدفع بالحسن. فإن كان يندفع بعصا لم يحل استعمال السلاح. إذا كان هذا اللص يمشي إذا استخدمت العصا وحملت العصا فدفعت فاندفع، لم يحل لك استعمال السلاح. وإذا كان لا يندفع شره إلا باستعمال السلاح، فيجوز لك استعمال السلاح بما يحصل به الاندفاع وإذهاب الشر عنك. فإن كان إذا ضربته في يده بالسلاح، أو في رجله بالسلاح، ذهب شره، لم يجوز لك ضربه بالسلاح في رأسه، ولا قصد قتله، فهذا حرام تحاسب عليه. فتدفع بالتي هي أحسن. فإن كان لم يبق إلا أن يقتلك أو تقتله، جاز لك قتله. إذن المسألة تدور على مراتب: فالأصل أن هذا اللص جاء للمال. فإن اندفع بسلاح كعصا، إن اندفع بما ليس بسلاح كعصا، وجب دفعه بالعصا، وهكذا. إن اضطررت إلى استخدام السلاح، تدفعه بالتي هي أحسن. هكذا قال الفقهاء، وهذا الذي دلت عليه الأدلة والنصوص النبوية، كحديث بهريرة الذي قدمناه في صحيح مسلم، في قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تعطيه مالا». قال رحمه الله: «قتال اللصوص والخوارج جائز إذا عرضوا للرجل في نفسه وماله، فله أن يقاتل عن نفسه وماله، ويدفع عنهما بكل ما يقدر عليه». يدفع عنهما بكل ما يقدر عليه. فإذا اضطر إلى أن يدفع عن نفسه أو ماله بالسيف وبالسلاح، جاز له ذلك. وإن وجد ما يندفع به وكان أخف، وجب الأخف، لأن القصد ليس القتل وسفك الدم، إنما القصد دفع الشر. هكذا قال أهل العلم، وهذا الذي دلت عليه الأدلة. قال: «ويدفع عنهما»، أي ماله ونفسه، «بكل ما يقدر عليه». «وليس له إذا فارقوه أو تركوه أن يطلبهم، ولا يتبع آثارهم، ليس لأحد إلا للإمام أو ولاة المسلمين. إنما له أن يدفع عن نفسه في مقامه ذلك». في ذلك الموضع يدفع عن نفسه. أما أن يطلبهم، كأن يكونوا هربوا إلى غار من الغيران فيذهب ويغزو ذلك الغار، هذا لا يحل. يتركهم، أو هربوا عنه، لا يتبعهم، يتركهم. وسيأتي أنه إذا كانوا جرحى لا يجوز له أن يذفف عليهم فيزهق أرواحهم. قال: «إنما له أن يدفع عن نفسه في مقامه ذلك، وينوي بجهده أن لا يقتل أحدا». ينوي بجهده، بكل ما يستطيع، أن لا يسفك دما، لأن هؤلاء مسلمون، عصاة، ظلمة، ولكنهم في دائرة الإسلام. ولا يحد دم امرأ مسلم إلا بما ذكر في حديث ابن مسعود المتقدم. عما مثل هذا يدافع، كما نص الإمام رحمه الله. قال: «فإن أتى عليه في دفعه عن نفسه في المعركة»، يعني أتى عليه بالقتل، فاضطر إلى قتله، ما وجد سبيله، إما أن يكون قاتلا وإما أن يكون مقتولا. يقال: يصح له القتل، يصح له القتل في هذا الحال. قال رحمه الله: «فإن أتى عليه في دفعه عن نفسه في المعركة، فأبعد الله المقتول، وإن قتل». «وإن قتل هذا في تلك الحال»، أي المطلوب الذي خرج عليه هؤلاء. «فإن قتل هذا في تلك الحال وهو يدفع عن نفسه وماله، رجوت له الشهادة كما جاء في الأحاديث». في حديث بهريرا المتقدم: قال: «أرأيت إن قتلني؟» قال: «فأنت شهيد». قال: «أرأيت إن قتلته؟» قال: «هو في النار». وفي سنن النسائي وأبي داود، حديث أبي سعيد: «من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون عرضه فهو شهيد، ومن قتل دون نفسه فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد». هكذا الحديث خارج الصحيحين. وأما في الصحيحين، فهو من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، لفظة واحدة: «من قتل دون ماله فهو شهيد». هكذا خرجها البخاري ومسلم في صحيحيهما. هذا الحديث نص على أن من قتل يدافع عن نفسه، يدافع عن عرضه، يدافع عن ماله، يدافع عن دينه، من قبل صائل، فإنه شهيد. ولهذا يقول الإمام محمد رحمه الله: «فإن قتل، وإن قتل في تلك الحال وهو يدفع عن نفسه وماله، رجوت له الشهادة كما جاء في الأحاديث». قال: «وجميع الآثار في هذا إنما أمر بقتاله، ولم يؤمر بقتله». قبل أن ندخل في هذا، المصنف رحمه الله ذكر مع اللصوص الخوارج. والخوارج هم الذين كانوا في جند علي رضي الله عنه وأرضاه، ثم خرجوا على علي رضي الله عنه وأرضاه، فقتلوا، فقتلهم علي رضي الله عنه وأرضاه. والنبي صلى الله عليه وسلم قد بشر بخروج الخوارج، وهذا من أعلام النبوة. كانوا في جند علي، سفكوا دم أمير المؤمنين عثمان، واندسوا في جنود علي بن أبي طالب أمير المؤمنين رضي الله عنه وأرضاه. ثم حصلت معركة الجمل، ومعركة صفين، بين علي بن أبي طالب، وبين معاوية بن أبي سفيان. وفي معركة الجمل شاركت عائشة وابن الزبير على جمل عائشة، وحصلت المعركة. فكان علي رضي الله عنه لا يتبع جرحا، لا يقتل جريحا، في الجمل وصفين. وكان علي رضي الله عنه وأرضاه لا يأخذ أموال أهل الجمل وصفين. وكان علي رضي الله عنه يصلي على قتلى أهل الجمل وصفين، ويدعو لهم، ويقول: «إخواننا بغوا علينا». فقامت الخوارج، وقالت: كيف لا تنسبيهم؟ وكيف لا نأخذ أموالهم؟ وكيف لا نتتبع آثارهم ونتبع مدبرهم؟ كيف لا نصنع ذلك؟ وقد قاتلناهم؟ أصل شبهة الخوارج عندهم: أن من قاتل، أن من قوتل، فإنه يحل دمه وماله وعرضه ونساءه. هذا فهم الخوارج إلى اليوم والليل. فهم الخوارج: بما أنك يا علي رضي الله عنك قاتلت هؤلاء أهل الجمل وصفين، فيلزمك أخذ أموالهم. فلما لم تأخذها غنيمة وتوزعها، ويلزمك من كان منهم جريحا أن تكمل عليه، فلما تركته وربما عالجته، ويلزمك من فر هاربا أن تتبعه فتقتله، لأنك قاتلته، ويلزمك أن تسبي نساءه. فرد عليه ابن مسعود، علماء الصحابة، قالوا: إن في أهل الجمل عائشة، إن في أهل الجمل عائشة أمكم وأمنا. فمن أجاز سبي أمه عائشة فقد ارتد عن الدين. فأنتم بين الردة وبين فساد مذهبكم، وهذا لازم لكم. يعني تريدون أن نأسر عائشة رضي الله عنها وهي أمنا جميعا. ومن أسر عائشة وهي أم المؤمنين كفر بالله العظيم، جعلها سبي وجرها مع السبايا، هذه ردة عن الدين. هي أمه، وأزواج قال جل وعلا: ﴿ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ﴾ [الأحزاب: 6]. أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أمهاتهم. الخوارج لا يفرقون بين المقاتلة وبين القتل، فيظنون أن من قاتل لأجل دفع الشر، معناه أنه كافر. لأن الناس عندهم إما مؤمن لا يحل قتاله، وإما كافر يحل قتاله. وهذا غلط في الجانبين. فليس كل كافر يجب قتله. ولهذا نسمع اليوم مثلا بعض الناس، غفر الله لهم، مثل أسامة بن لادن، يقول: يجب قتل كل أمريكي في كل مكان. وهكذا يقول أيضا أي من الظواهر: يحل قتل كل أمريكي في أي مكان. هذا نفس كلام الخوارج الأوائل، هذا نفس كلام الخوارج الذين خارجوا على علي رضي الله عنه وأرضاه. وهذا خطأ. الله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ﴾ [البقرة: 193، الأنفال: 39]. فأمر بالقتال لغاية، وهي دفع الفتنة، وهي دفع الفتنة، وليس الغرض إبادة الكفار. فهذا لم يأت في شرع الله عز وجل. ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ﴾، هكذا أمر الله جل جلاله. وهذا النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقتل الكفار قتل إبادة، بمجرد من يشوف الجنسية: أنت منين؟ قال: أنا من كذا. أنت كافر، إذن أنت حلال الدم. هذا ليس بالصحيح. بل قال صلى الله عليه وسلم: «من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة». المعاهد الكافر الذي دخل بأمان وعهد، ويدخل في ذلك اليوم جواز السفر وتأشيرة الدخول ونحوه. وكذلك لا يحل قتال إلا من قاتلنا. هكذا جاء في آية سورة، في سورة البقرة، النص على ذلك. وتقدم الكلام في خطبة كاملة على مثل هذا الأمر. فالحاصل: المسلم، الشقة الثانية، قد يقتل. يقال: الخوارج أيضا، المسلم يحل قتله في بعض الحالات، كما ثبت في حديث ابن مسعود: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة». فهذا مسلم، وجاز قتله، لأنه وقع في موجب للقتل: إما ردة عياذا بالله، وإما قتل بغير حق، وإما زنا بعد إحصان. ويجوز قتل الساحر، ويجوز قتل بعض المفسدين في الأرض: ﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا ﴾ [المائدة: 33]. وإن حكم بإسلامه. فهؤلاء لا يفرقون بين أن القتل قد يجتمع مع الإسلام. ولهذا علي رضي الله عنه وأرضاه، وصيرته، وصيرة الصحابة، أنهم لا يسبون أهل الجمل، ولا أهل صفين، ولا يقتلونهم قتل إبادة، ولا يتتبعون مدبرهم، ولا يأخذون أموالهم، ولا يسبون نساءهم، لأنهم عندهم مسلمون. بل كان علي بن أبي طالب يأتي بقتلاهم فيصلي عليهم، رضي الله عنهم وأرضاهم. هذا قتال فتنة، هذا قتال فتنة. لا زلنا في الكلام على أمر الخوارج، لم نكمل. بقي الكلام على حكم قتال الخوارج، وما جاء في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، والفرق بين القتل والمقاتلة. لضيق الوقت نقف عند هذا الحد، ونكمل غدا إن شاء الله. هذا، ونسأل الله جل وعلا أن يخذ بنواصينا إلى هدا، وأن يهدي ضال المسلمين، وأن يغفر لنا أجمعين، إنه جواد كريم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.