شرح أصول السنة للإمام أحمد 21

الدرس في شرح أصول السنة للإمام أحمد 21، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

عقيدة أهل السنة في الشهادة للمعين بالجنة أو النار

يشرح المقطع موقف الإمام أحمد وأهل السنة من عدم الشهادة لمعين من أهل القبلة بالجنة أو النار لمجرد عمله، بل يُرجى للصالح ويُخاف عليه، ويُخاف على المسيء ويُرجى له رحمة الله. يُفصل أحكام التائب والمصر ومن أقيم عليه الحد، مع الاستثناء لمن جاء الدليل الشرعي الصريح بجنته أو ناره كالعشرة المبشرين وأبي لهب وفرعون.

النهي عن الجزم بمصير الميت وقبول التوبة النصوح

يبين المقطع أنه لا يجوز الجزم بأن الميت قد دخل الجنة أو نال رحمة الله، بل يُقال: رحمه الله أو نرجو له الرحمة لأن علم الغيب لله وحده. أما التوبة النصوح المستوفية لشروطها، فجمهور العلماء يقطعون بقبولها اعتماداً على نصوص قرآنية قاطعة، بينما يرى بعضهم الاكتفاء بالرجاء.

التوبة النصوح وشروطها وحدود الكفارات

يوضح المقطع أن التوبة النصوح بشروطها موجبة لمغفرة الله قطعاً عند جمهور العلماء، مستدلين بآيات (عسى) التي فسرها ابن عباس بأنها موجبة، وأن الحدود في الدنيا كفارات للذنوب كما في حديث عبادة بن الصامت. أمر من مات مصراً على ذنوبه دون توبة موكول إلى مشيئة الله، أما الكافر فلا يغفر له ويعذب أبداً.

الختام بالدعاء والصلاة على النبي

يختتم المتحدث بالدعاء إلى الله بالمغفرة، وستر العيوب، والتوفيق لرضاه وتقواه. ثم يصلي ويسلم على النبي محمد وعلى آله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين. لازلنا في رسالة أصول السنة للإمام المبجل إمام أهل السنة أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني رحمه الله، ولازلنا نقر في آخر هذه الأصول من أصول السلف التي من فهمها وعمل بها وعلمها واعتقدها نجا عند الله عز وجل. فهذا الذي جاء به الكتاب والسنة وسار عليه الصحابة ومن تبعهم من سلف الأمة. يقول الإمام أحمد رحمه الله تعالى ورضي عنه: «ولا نشهد على أحد من أهل القبلة بعمل يعمله بجنة ولا نار، نرجو للصالح ونخاف عليه، ونخاف على المسيء المذنب ونرجو له رحمة الله. ومن لقي الله بذنب تجب له به النار تائباً غير مصر عليه فإن الله عز وجل يتوب عليه ويقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات. ومن لقيه وقد أقيم عليه حد ذلك الذنب في الدنيا فهو كفارته كما جاء في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومن لقيه مصراً غير تائب من الذنوب التي قد استوجب بها العقوبة فأمره إلى الله، فأمره إلى الله عز وجل إن شاء عذبه وإن شاء غفر له. ومن لقيه من كافر عذبه ولم يغفر له». وهاتان الفقرتان فيهما بيان لعقيدة أهل السنة والجماعة في هذه المسائل، ومنها الشهادة لمعين بالجنة أو بالنار. وهذه المسألة يمكن أن يقال فيها إنها على ثلاث صور: فمن المعينين من جاء الدليل على أنه من أهل الجنة، فهذا نقول بما جاء به الدليل وأنه من أهل الجنة، كالأئمة الخلفاء الراشدين والعشرة وأهل بيعة الرضوان والشجرة وأهل بدر ونحوهم. فهؤلاء جاء الدليل على أنهم من أهل الجنة، فنشهد على المعين منهم أنه من أهل الجنة، فنقول: أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وسائر العشرة في الجنة. فقد صح في ذلك حديث أن العشرة بأعيانهم من أهل الجنة، والأدلة على ذلك كثيرة. أثبت أحد: «فإن عليك نبياً، فإن عليك نبياً وصديقاً وشهيدين». الأدلة كثيرة في هذا الباب. وهذا النوع، والنوع الآخر: من شهد له بالنار، فهذا نشهد له بالنار، في قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ﴾، فنقول: أبو لهب سيصلى ناراً ذات لهب، نشهد على ذلك. وهكذا فرعون، قال جل وعلا: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾. جاء الدليل فنقول كما جاء الدليل. وهناك أناس عملوا أعمالاً، فمنهم من عمل أعمالاً سيئة وهو مسلم، فهذا أمره لا نشهد له بالنار لعمله السيئة. وهناك منهم من عمل أعمالاً صالحة ثم مات، وهذا لا نجزم ونقطع أنه من أهل الجنة، أو نجزم له بالشهادة أو نحو ذلك. نرجو للمحسن ونخاف عليه، كما قال الإمام أحمد رحمه الله: «قال رحمه الله: ولا نشهد على أحد من أهل القبلة بعمل يعمله بجنة ولا نار». في حديث ابن مسعود: «أن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها. وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها». قال رحمه الله تعالى: «وَلَا نَشْهَدُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِعَمَلٍ يَعْمَلُهُ بِجَنَّةٍ وَلَا نَارُ، نرجو للصالح ونخاف عليه». إذا ذكرنا الصالحين رجونا لهم الخير والجنة، رجونا لهم أن الله عز وجل يكرمهم، ولا نجزم أن الله أكرمهم بالجنة، لا نجزم، ما عندنا دليل. نرجو للصالح ونخاف عليه. فإن حديث ابن مسعود حديث مخيف لأهل القلوب الواعية: يعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، يعني قضى من العمر ما قضاه بعمل أهل الجنة ثم يدخل النار بعمل يختم عليه به. في بعض الرواية حديث أبي هريرة: «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يرى الناس». نرجو للصالح ونخاف عليه، ونخاف على المسيء المذنب ونرجو له رحمة الله. نرجو له رحمة الله، المسيء المذنب نخاف عليه، أعماله سيئة، ولكن لا نقطع عنه من أهل النار، ولا نجزم أنه في النار، بل نخاف عليه ونرجو أن الله يعفو عنه، ونرجو أن الله يرحمه. وفي هذا الباب أدلة كثيرة، منها حديث أم العلاء الأنصارية، امرأة من الأنصار، وأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا قد وزعوا على أبيات، فكان من نصيب بيت أم العلاء رضي الله عنها عثمان بن مظعون رضي الله عنه وأرضاه. في مرضه الذي مات فيه قالت: فمرضناه، أي اعتنينا به في المرض، حتى مات رضي الله عنه. قالت: فلما غسل وكفن دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتي عليك أن الله قد أكرمك. هكذا قالت أم العلاء رضي الله عنها وأرضاها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأم العلاء: «وما يدريك أن الله أكرمه؟ وما يدريك أن الله أكرمه؟» قالت: قلت: لا أدري، الله ورسوله أعلم. فمن يكرمه الله؟ سألت رسول الله، قال: «والله إني لأرجو له الخير». ثم قال: «والله إني رسول الله، وما أدري ما يفعل بي». الحديث، الحديث انفرد به الإمام البخاري في صحيحه. رضي الله عنهم وأرضاهم. قالت أم السائب: فوقع في نفسي وحزنت، وفي بعض الطرق حزن الصحابة. قالت: فرأيت في المنام أن لعثمان بن مظعون عيناً تجري، عين من الماء تجري. فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «ذاك عمله يجري له». قال العلماء: وكان عثمان بن مظعون رضي الله عنه مرابطاً في المدينة، فمات وهو مرابط، فكتب الله له أجر الرباط الذي يدوم. وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ذاك عمله يجري له»، أي الأجر والثواب. قالت أم السائب: فوالله لا أزكي أحداً أبداً. فهذا وأمثاله من الأدلة على أن المحسن يرجى له، ولا نقطع أنه من أهل الجنة، أو أن الله أكرمه. ومن هذا الباب، باب علم الغيب، الآن نسمى بعض الناس: «انتقل إلى رحمة الله تعالى، المرحوم فلان بن فلان بن فلان» إلى آخره. لو نظرنا إلى هذه الألفاظ بميزان هذه المسألة وتفصيلها الشرعي الذي جاء به الدليل، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأم العلاء: «وما يدريك أن الله أكرم؟» فعلى هذا، مثل هذه الألفاظ غير شرعية. «انتقل إلى رحمة الله»، ما يدريك أنه انتقل إلى رحمة الله؟ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأم السائب: «وما يدريك أن الله أكرم؟» فهذا اللفظ فيه الجزم. وهكذا «المرحوم»، وما يدريك أن الله رحمه؟ عندك دليل؟ نعم هو صالح، نرجو له الرحمة، فيقيد مثل هذا في الرجاء. فنقول: توفي فلان، رحمه الله، هذا دعاء، أو نرجو له الرحمة، أو «المرحوم بإذن الله عز وجل». مثل هذا اللفظ فيه معنى الرجاء وأبعد عن المحذور. قال الإمام رحمه الله تعالى: «نرجو للصالح ونخاف عليه، ونخاف على المسيء المذنب ونرجو له رحمة الله. ومن لقي الله بذنب تجب له به النار تائباً غير مصر عليه فإن الله عز وجل يتوب عليه». من لقي الله بذنب تجب له به النار تائباً غير مصر عليه فإن الله عز وجل يتوب عليه ويقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات. والأدلة على ذلك كثيرة. قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾، فهو يقبل التوبة جل جلاله إذا تاب المذنب توبة صحيحة. الله عز وجل يقول أيضاً: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾. أحب أن نضع انتباهنا وأن نهتم بخاتمة الآية كما نهتم بأولها: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾، قال الله: ﴿فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾. فأولئك يتوب الله عليهم. وقال عز وجل: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَآمَنُوا﴾، قال بعدها: ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. والله عز وجل يقول أيضاً: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً﴾، قال الله بعدها: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾. نهتم بأول الآية وبآخرها. ويقول عز وجل: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئاً﴾. هذا أيضاً آخر الآية. بقي أن الإمام أحمد رحمه الله مشى على ما عليه جماهير العلماء، أن من تاب ظاهر الآيات أن من تاب توبة نصوحاً أتى فيها بشروط التوبة، فهل نقطع أن الله تاب عليه؟ هل نقطع أن الله قبل توبته؟ جمهور العلماء على أننا نقطع بذلك. هل فهمنا المسألة؟ المسألة هذه غير الأولى. هل نقطع بتوبة التائب إذا تاب توبة النصوح؟ إذا تاب توبة النصوح أتى بشروطها، فهل نجزم ونقطع أن الله تاب عليه؟ جمهور العلماء، جمهرة العلماء، على أننا نقطع، وذلك أن ظاهر الآيات هذا الأمر. ذكرنا الآيات، ولهذا ذكرت أنه ينبغي الانتباه لمطلع الآية وخاتمتها: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾، جزم. ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا﴾، ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾، ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾، جزم. هذا قول جماهير العلماء، ولهذا يقول الإمام أحمد رحمه الله: «ومن لقي الله بذنب تجب له به النار تائباً غير مصر عليه فإن الله عز وجل يتوب عليه ويقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات». لم يقل الإمام: نرجو له. وذهب بعض أهل العلم إلى أننا نقول: نرجو له. فنقول: من أتى بالتوبة النصوح بشروطها وتاب لله توبة النصوح، فنحن نرجو أن يتوب الله عليه. هذا قاله بعض العلماء، لكن عامة سائر أهل العلم على القطع. وهم يستدلون، هؤلاء القائلون وغيره من القائلين بالرجاء في هذا الموضع، بمثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، فيقولون: قال الله: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ﴾. ويحافظ ابن رجب رحمه الله يقول: هذه الآيات التي فيها ﴿عَسَى﴾، ﴿أَنْ يَتَابَ عَلَيْهِ﴾، ﴿عَسَى﴾ هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾، يقول: ليس فيها الجزم بأنه لا يقطع. قال رحمه الله كلمة لطيفة: «قال ابن رجب: وهذه الآيات لا تدل على عدم القطع، فإن الكريم إذا أطمع لم يقطع من رجائه المطمع». ولهذا يقول ابن عباس في تفسير هذه الآيات: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ﴾، يقول: ﴿عَسَى﴾ موجبة. ما معنى موجبة؟ أي واجبة. يقول ابن عباس: ﴿عَسَى﴾ كل ﴿عَسَى﴾ في القرآن فهي موجبة من الله عز وجل. ما معنى هذا عندك يا إخوان؟ ﴿عَسَى﴾ في القرآن يقول ابن عباس: موجبة. ما معنى موجبة؟ يعني نقطع بها، أي نقطع بها. هذا الذي عليه التحقيق في المسألة، لهذا هذا الذي مشى عليه الإمام أحمد رحمه الله. والله عز وجل يقول: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً﴾. نقول: يمكن يجد الله غفوراً رحيماً، أو ﴿عَسَى﴾ أن يجد الله غفوراً؟ لا، هذا ليس صواباً. ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً﴾، نقطع: يجد الله غفوراً رحيماً. ولهذا كان أنس إذا قرأ هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ كان يبكي رحمه الله، ويقول: إن الله خفف عن عقوبات أهل الكتاب، كان الواحد إذا أراد أن يتوب من أهل الكتاب تفرض عليه عقوبات، أما الله عز وجل فيقول: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً﴾. وقال: «ومن لقيه وقد أقيم عليه حد ذلك الذنب في الدنيا فهو كفارته كما جاء في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم». يعني حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه وأرضاه، الذي أخرجه البخاري ومسلم: «بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن عصابة، أي مجموعة من أصحابه، فقال: بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم. فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً» - هذا الشاهد - «فأقيم عليه حد الله أو أقيمت عليه العقوبة في الدنيا فهو كفارته، ومن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله فهو إلى الله، إن شاء عفى عنه وإن شاء عذبه». أخرجه البخاري ومسلم من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه وأرضاه. شاهد من الحديث: «ومن أصاب من ذلك شيئاً فأقيم عليه حد الله أو فعوقب في الدنيا فهو كفارته». ولهذا نجزم ونقول كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الحدود كفارات». فمن لا يجوز تعيير المذنب، إنسان زنى ثم أقيم عليه حد الزنى، فهل يجوز أن يعير بذلك الذنب ونقول: اذهب يا زان؟ لا يجوز، لأن الحدود كفارات. هذا كأنه ما سوى شيئاً، هذا في الشريعة كأنه لم يصنع شيئاً، لأن الحدود كفارات، فكيف تلومه على شيء قد غفره الله له وقد تاب الله عليه؟ يقول الإمام رحمه الله: «ومن لقيه وقد أقيم عليه حد ذلك الذنب في الدنيا فهو كفارته كما جاء في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن لقيه مصراً غير تائب من الذنوب التي قد استوجب بها العقوبة فأمره إلى الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له». كما في حديث عبادة: ﴿وَاللَّهُ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. فما دون الشرك تحت المشيئة، إن شاء الله عذبه بذنبه عدلاً وقصاصاً، وإن شاء عفى عنه فضلاً وكرماً من الله عز وجل. قال رحمه الله: «ومن لقيه مصراً غير تائب من الذنوب التي قد استوجب بها العقوبة فأمره إلى الله عز وجل، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له. ومن لقيه من كافر عذبه ولم يغفر له». الله عز وجل يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾، الشرك والكفر لا يغفر. ويقول عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾. فكل كافر معذب. ولهذا يقول إمام أحمد رحمه الله: «من لقيه من كافر عذبه ولم يغفر له». فنسأل الله عز وجل أن يغفر لنا ذنوبنا، ويستر عيوبنا، ويعيننا على رضاه وتقواه، إنه جواد كريم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.