المحاضرة بعنوان الوعد بالتمكين في الأرض، وكانت بمسجد السنة بالقارة ٢٨ ربيع الآخر ١٤٣٥هـ ألقاها
يبدأ الدرس بالتحميد والثناء على الله ورسوله، ثم ينتقل إلى شرح معنى الثبات في لغة العرب بأنه المداومة على الشيء، مثل الحق والخير.
يتناول الدرس الحديث عن الفتن وأثرها على القلوب كما ورد في حديث حذيفة بن اليمان مع عمر بن الخطاب، حيث شبه الفتن بعرض الحصير على القلوب.
يشرح الدرس أهمية التضرع إلى الله والاستعانة به للثبات على الدين، ويذكر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم المأثور للثبات، ويشير إلى أهمية الدعاء بثبات القلب والهداية.
أشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، ثم أما بعد. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يُصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يُطِع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. إن خير الكلام كلام الله جل وعلا، وخير الهدي هدي نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وشر الأمور مُحدثاتها، وكل مُحدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد. أيها المسلمون، عباد الله، نحمد الله تبارك وتعالى الذي يسر لنا مثل هذه المجالس التي نتذاكر فيها ما يفتحه الله جل وعلا على المتكلم، وكذا ما يكون به بإذن الله جل وعلا نفعًا له ولسامعه من كلام الله جل وعلا ومن سنة نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ومما كان عليه وقاله الأخيار في كل زمان ومكان. فهذه المجالس التي نلتقِيها مجالس عظيمة، مجالس جليلة، مجالس خير يُباهي بها ربنا تبارك وتعالى الملائكة، بهذه المجالس التي فيها ذكر الله جل وعلا، وفيها تذكير بالله جل وعلا، وفيها تعظيم لله جل وعلا، وفيها إرشاد إلى الله جل وعلا. عباد الله، عنوان محاضرتنا كما هو معلوم: الثبات في زمن المتغيرات، وهذا الأمر في حد ذاته أمر عظيم وجليل وكبير وخطير، أمر يحتاج من المسلمين إلى أعمال وأمور كثيرة لأجل أن يثبتهم الله جل وعلا على ذلك. أيها الإخوة، الثبات في لغة العرب معناه المداومة على الشيء، فقال: ثبت على كذا، أي داوم عليه، ومعنى الثبات على الحق أي المداومة على الحق، والثبات على الخير أي المداومة على الخير. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. حصول هذه الأشياء المغايرة لدين الله جل وعلا والمُنابِذة لدين الله جل وعلا، قد أخبر بها نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فكانت كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في أحاديث كثيرة. منها ما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن عمر رضي الله عنه وأرضاه، أنه قال يومًا لجلسائه وللأصحاب: من يُحدِّثني بحديث عن الفتن؟ فقال بعض من حضر ذلك المجلس: يا أمير المؤمنين، فتنة الرجل في ماله وأهله، فقال رضي الله عنه وأرضاه: تلك تُكفِّرها الأعمال الصالحة. ولكن من يُحدِّثني عن الفتنة التي تموج كموج البحر؟ فقال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه وأرضاه: أنا يا أمير المؤمنين. قال عمر رضي الله عنه وأرضاه: إنك عليها لجريء، فذكر حذيفة رضي الله عنه وذكر من أمر هالٍ فتنًا، أن قال: تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عودًا عودًا. فأيُّما قلب أُشربها نُكتت فيه نكتة سوداء، وأيُّما قلب أنكرها نُكتت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير القلوب على قلبين: قلب أبيض كالصفاء لا تضرُّه فتنة ما دامت السماوات والأرض، وآخر أسود مُربادًّا كالكوز مُجَخِّيًا لا يعرف معروفًا ولا يُنكر منكرًا إلا ما أُشرب من هواه. عمر رضي الله عنه وأرضاه لما سمع هذا الحديث من حذيفة ماذا أجاب؟ قال حذيفة رضي الله عنه وأرضاه: وإنه وإنه بينك وبينها باب، فقال عمر رضي الله عنه وأرضاه: أيُفتح هذا الباب أو يُكسر؟ فقال حذيفة رضي الله عنه وأرضاه: بل يُكسر. فقال عمر رضي الله عنه وأرضاه: إذن لا يَلْبَث أن يصح أبدًا، فقيل لحذيفة رضي الله عنه وأرضاه: من الباب؟ قال: عمر رضي الله عنه وأرضاه. هذا الحديث عظيم، فيه بيان من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أن الفتن ستدخل على هذه الأمة وتتدفق كذلك بعد موت عمر رضي الله عنه وأرضاه. فما إن مات عمر رضي الله عنه وأرضاه إلا وبدأت الفتن والعياذ بالله، وكان من أولها أن قُتِل أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه، وهو خير عباد الله الصالحين في ذلك الزمان. ثم استمرت الفتن بعد ذلك، واستمرت بعد موت علي رضي الله عنه وأرضاه، ثم الحسن بن علي، فقتل مسمومًا رضي الله عنه وأرضاه، ثم قُتِل الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، وهما سيدا شباب أهل الجنة. أيها الإخوة، المتغيرات كثيرة والأحداث متنوعة والفتن كبيرة، نسأل الله تبارك وتعالى أن يعيذنا منها، وينبغي لنا جميعًا أيها الأحبة أن نبدل الأسباب التي بها بإذن الله رب العالمين جل وعلا يكون الثبات من الله جل وعلا على دينه الحق حتى الممات. من أعظم هذه الأسباب بإذن الله جل وعلا كثرة التضرع والاستكانة إلى الله رب العالمين جل وعلا، وأن يعلم العبد أنه لا حول له ولا قوة ولا ثبات ولا عصمة إلا بالله رب العالمين جل وعلا. فينطرح العبد بين يدي ربه جل وعلا انطراح عبد قد ملئ قلبه خوفًا ووجلًا وتضرعًا ومحبة وتعظيمًا لله رب العالمين جل وعلا أن يثبته على الحق. ومن ذلك أيضًا أن نغتنم الدعاء المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في الثبات، من ذلك ما رواه الإمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه، أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب رجل واحد يُقلِّبه كيف يشاء»، قال: ثم كان نبينا صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول: «يا مُقلِّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك». وجاء في مسند أحمد من حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها، ومن حديث أنس بإسناد صحيح، وكذلك من حديث أم سلمة رضي الله عنهم جميعًا، قالت عائشة رضي الله عنها وأرضاها: كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول: «اللهم يا مُقلِّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك»، قالت: فقلت: يا رسول الله، إني أراك تكثر من هذا الدعاء، قال: «يا عائشة، إن القلوب أشد تقلُّبًا من القدر إذا استجمعت غليانًا». فنسأل الله تبارك وتعالى بمنِّه وكرمه أن يثبت قلوبنا، وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، إنه على كل شيء قدير. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.