الدرس في شرح أصول السنة للحميدي 2، ألقاها
الإيمان هو قول وعمل يزيد وينقص، ويشمل الاعتقاد بالقلب والقول باللسان والعمل بالجوارح. يُعتبر الإيمان ركنًا أساسيًا في الإسلام.
يُبرز المقطع أهمية الإيمان بالقلب والعمل الصالح في تحقيق النجاة والفوز بنعيم الله، مستندًا إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. يشدد على وجوب الكف عن إيذاء من نطق بالشهادتين.
يشترط لقبول العمل عند أهل السنة الإخلاص لله والمتابعة لرسول الله، بحيث يكون العمل خالصًا لوجه الله وموافقًا لسنة النبي عليه الصلاة والسلام. يُعد الإيمان قولًا وعملًا يزيد وينقص.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المولد رحمه الله: «وأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، ولا ينفع قول إلا بعمل، ولا عمل وقول إلا بنية، ولا قول وعمل ونية إلا بسنة». من أصول السنة التي يجب على العبد أن يعتقدها وأن يوقن بها الإيمان بأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص. الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بطاعة الله وينقص بمعصيته. هذا قول أهل السنة والجماعة في مسألة الإيمان، خلافا لغيرهم من أهل الأهواء وأهل الباطل الذين ظلوا في هذا الباب في باب الإيمان، وهم طوائف كثر كالجهمية والشاعرة والمتوردية، وكذلك أيضا المرجية والخوارج. فقد ضل في هذا الباب كثير من الفرق. قول أهل السنة كما سمعنا أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، قول باللسان، وهو النطق بشهادتين، فلا يكون العبد مؤمنا ومسلما إلا بذلك. وهذا النطق واجب أن ينطق بالشهادتين. وكذلك أيضا اعتقاد القلب، بأن يوقن بأنه لا إله إلا الله وأنه لا رسول إلا محمد عليه الصلاة والسلام، أو أن محمدا رسول الله. وهكذا أيضا اعتقاد ما يجب الإيمان به من أركان الإيمان الستة وغيرها. ثم العمل هو ثمرة الإيمان، ظهور أثر هذا الإيمان في الجوارح، في اللسان، في اليدين، في القدمين، بالقيام بالفرائض والواجبات من الصلاة والصيام والزكاة وحج وغير ذلك من العبادات والطاعات. ثم هذا الإيمان يزيد وينقص، يزيد بطاعة الله وبذكر الله وبعبادة الله، وينقص بالغفلة عن ذكر الله جل وعلا والبعد عن طاعة الله وبفعل المعاصي والذنوب. وبقدر ابتعاد العبد عن طاعة الله جل وعلا ينقص إيمانه، وبفعل الذنوب والمعاصي كذلك ينقص إيمانه، حتى ربما يذهب إيمانه بالكلية. الأدلة على أن الإيمان قول واعتقاد وعمل كثيرة. من الأدلة على وجوب النطق بالشهادتين في الإيمان حديث عمر في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم». فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه أمر بقتال الناس حتى ينطقوا بالشهادتين، ثم يقوموا بما أوجب الله عليهم من العبادات والطاعات. وهكذا أيضا في حديث أسامة، قصة أسامة لما قتل الرجل الذي قال لا إله إلا الله حين رفع عليه السيف، وكان مشركا يقتل المسلمين. فلما رأى السيف قال لا إله إلا الله، فقتله أسامة. فلما بلغ ذلك النبي عليه الصلاة والسلام أنكر عليه، قال: «أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟» قال: يا رسول الله، إنما كان متعوذا، إنما كان متعوذا -يعني خوفا من القتل والموت-. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أشققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟» ومعنى ذلك أن من نطق بالشهادتين وجب الكف عنه؛ لأنه يكون بهذا قد دخل في الإسلام. واعتقاد القلب من الأدلة على وجوبه قول الله جل وعلا: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾، يدل على أن الإيمان لابد أن يقع في القلب وأن يعتقد الإنسان والناطق بالشهادتين يعتقد بقلبه ويقين ذلك بقلبه. وهكذا أيضا قول الله جل وعلا: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾، إذا الإيمان لابد أن يكون في القلب. وهكذا أيضا قول الله جل وعلا: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾. وهكذا أيضا قول الله جل وعلا: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾. وأما الأدلة على وجوب العمل وأنه لابد من العمل في الإيمان أيضا في ذلك أدلة كثيرة. ومنها قول الله جل وعلا: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾، الله عز وجل يخبر أنه من كان يرجو لقاءه يرجو ثواب الله والأجر والجزاء عند الله جل وعلا، فليعمل لذلك عملا صالحا يشمل كل أعمال الجوارح، سواء كان ما يتعلق باللسان أو يتعلق باليدين أو بالقدمين، فيدل هذا على أن من أراد تحقيق الإيمان بالله جل وعلا الذي به ينجو من عذاب الله ويفوز بنعيم الله فلابد من العمل. وكذلك أيضا قول الله جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾، أي صلاتكم. وهذه آية نزلت فيمن قد صلى إلى بيت المقدس ومات قبل أن يؤمر النبي عليه الصلاة والسلام بالتحول إلى الصلاة إلى الكعبة، فقال المؤمنون: كيف بإخواننا الذين ماتوا؟ فأنزل الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾، أي صلاتكم، فسمى الصلاة إيمانا مع أنها عمل، إذن العمل لا بد فيه من الإيمان، أو لا بد في الإيمان من العمل. والنبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة قال: «الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة، أفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان». إماطة الأذى عن الطريق عمل، وسماها النبي صلى الله عليه وسلم إيمانا من شعب الإيمان وأجزاء الإيمان. هذا الاعتقاد أن الإيمان قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالجوارح والأركان وأنه يزيد وينقص هو قول الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، وهكذا قول من بعدهم من التابعين. كما ذكر بعض أهل العلم هذا القول عن جماعة من الصحابة كعمر وعلي ومعاذ وابن مسعود وابن عباس وابن الدرداء وجابر. وهكذا أيضا من التابعين الحسن وعمر بن عبد العزيز وسعيد بن جبير وزيد بن أسلم ومجاهد وغيرهم. فمن قال بغير ذلك فهو ظالم. فقول الجهمية الذين يقولون الإيمان هو معرفة الله، إذا عرفت الله فأنت مؤمن، قولهم لا شك أنه باطل؛ لأن إبليس عرف الله، قال: ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾، هل بهذا صار مؤمنا؟ الجواب: لا. وهكذا أيضا من يقول بأن الإيمان قول إذا نطقت بالشهادتين صرت بهذا مؤمنا وإن لم تعتقد، هذا قول باطل. فالمنافقون ينطقون بالشهادتين، بل ويعملون من الأعمال الصالحة من الصلاة والصيام وغير ذلك، ومع ذلك هم من أهل الكفر بسبب عدم الاعتقاد، هم ينطقون بألسنتهم ويكفرون بقلوبهم، كما قال الله عز وجل عنهم: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾، ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾. وكذلك قول المرجئة الذين قالوا بأنه قول واعتقاد وأنه لا يزيد ولا ينقص، هذا باطل. فالإيمان يزيد وينقص. من الأدلة على ذلك قول الله جل وعلا: ﴿وَيَزْدَادُ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾، وآيات كثيرة في كتاب الله جل وعلا في ذكر زيادة الإيمان. قال: ولا ينفع قول إلا بعمل، يعني لو قال إنسان: أنا مؤمن بلسانه ونطق بالشهادتين، لكن لم يعمل ولم يأت بشيء من أمور الإيمان، فهذا لا ينفعه. قال: ولا عمل وقول إلا بنية -يعني بإخلاص-. لو نطق بالشهادتين وعمل صلى وصام، لكن لم يعتقد ذلك بقلبه ويصدق ويخلص في إيمانه، ما نفعه ذلك، حال المنافقين، فإنهم لا ينفعهم نطقهم بالشهادتين وصلاتهم وصيامهم. قال: «ولا قول وعمل ونية إلا بسنة»، يعني لو قال نطق بالشهادتين وعمل لوازم الإيمان من صلاة وصيام وغير ذلك، وكان عنده النية الصادقة الخالصة، لكنه خالف السنة، ما قبل العمل. قال: «إلا بسنة»، لا بد أن يكون العمل كما أنه إذا كان خالصا لله جل وعلا أن يكون موافقا لسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ لأن العمل كما نعلم لا يقبل إلا بشرطين: الإخلاص والمتابعة، الإخلاص لله جل وعلا بأن لا يريد بعمله إلا وجه الله جل وعلا، والمتابعة لرسول الله عليه الصلاة والسلام أن يكون هذا العمل مما شرعه الرسول صلى الله عليه وسلم. هذا بيان الإيمان عند أهل السنة على جهة الاختصار، أنه قول وعمل يزيد وينقص. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.