الدرس في شرح أصول السنة للحميدي 1، ألقاها
يبدأ المقطع الأول بتوضيح أهمية الإيمان بالقدر كأحد أركان الإيمان، ويشرح المراتب الأربع للقدر. يُؤكد على أن كل شيء يحدث بقضاء الله وقدره وإرادته.
يتناول المقطع الثاني المراتب الأربع للإيمان بالقدر، مع التركيز على المرتبة الثالثة وهي المشيئة وتنقسم إلى مشيئة شرعية ومشيئة قدرية كونية، ثم المرتبة الرابعة وهي الخلق.
يناقش المقطع الثالث ضلال القدرية والجبرية والمعتزلة في فهمهم للقدر، ويبين أن القدرية يخطئون في تفريقهم بين المشيئة الشرعية والكونية، ويؤكد أن أفعال العباد مخلوقة لله.
يختتم المقطع الرابع بالتأكيد على أن كل ما يحدث للإنسان بقضاء الله وقدره، ويشدد على الإيمان بقدرة الله وإرادته على كل شيء.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فنقرأ إن شاء الله في مثل هذا الوقت بكتاب «أصول السنة»، أو «رسالة أصول السنة» للإمام أبي بكر الحميدي رحمه الله، وهي رسالة مختصرة في ذكر شيء من أصول السنة. أولا، نذكر ترجمة لمؤلف هذه الرسالة. فمؤلفها هو عبد الله بن الزبير بن عيسى بن عبيد الله بن أسامة، أبو بكر القرشي الأسدي الحميدي المكي، شيخ الحرم وصاحب المسند. قال شيوخه: حدث عن فضيل بن عياض، وسفيان بن عيينة، فأكثر عنه، وحدث عنه وكيع، والشافعي، وغيرهم. تلاميذه حدث عنه البخاري في أول حديث في صحيحه، أول حديث في صحيح البخاري حديث: «إنما الأعمال بالنيات». وقد ذكره الإمام البخاري رحمه الله عن طريق شيخه الحميدي، وهو صاحب هذه الرسالة. قال الإمام الذهبي، وأبو زرعة، وأبو حاتم الرازيان، وهؤلاء من أئمة السنة: «أبو بكر محمد بن إدريس المكي، وورقه، وخلق سواهم». قال ثناء العلماء عليه: قال إمام أحمد بن حنبل: «الحميدي عندنا إمام». قال أبو حاتم: «أثبت الناس في ابن عيينة الحميدي، وهو رئيس أصحاب ابن عيينة، وهو ثقة إمام». وقال يعقوب الفسوي: «حدثنا الحميدي، وما لقيت أنصح للإسلام وأهله منه». وقال الحاكم: «كان البخاري إذا وجد الحديث عند الحميدي لا يعدوه إلى غيره»، يعني يرويه من طريقه، ولا يرويه من طريق غيره لشرف الحميدي رحمه الله. قال وصف أبو محمد حرب، واللالكائي، وابن تيمية، وغيرهم بالإمامة في السنة. وهذا يدل على عظيم منزلته رحمه الله. فهؤلاء الأئمة كابن عيينة، وابن تيمية، واللالكائي، والإمام أحمد بن حنبل يصفونه بالإمامة بأنه إمام. ومؤلفاته له مؤلفات، منها: «المسند»، و«الرد على النعمان»، و«التفسير»، و«الدلائل». توفي رحمه الله بسنة مائتين وتسعة عشر للهجرة. قال في نص الرسالة: قال حدثنا بشر بن موسى، قال حدثنا الحميدي، قال: «الإيمان بالقدر السنة عندنا أن يؤمن الرجل بالقدر خيره وشره حلوه ومره، وأن يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطاه لم يكن ليصيبه، وأن ذلك كله قضاء من الله عز وجل». ذكر رحمه الله في أوائل هذه الرسالة الإيمان بالقدر، أن يؤمن الرجل بالقدر خيره وشره حلوه ومره. الإيمان بالقدر أحد أركان الإسلام الستة التي لا يتم إيمان العبد إلا بها، كما في حديث جبريل المشهور الذي فيه سؤال للنبي عليه الصلاة والسلام عن الإيمان، فقال: «أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره». الحديث متفق عليه من حديث أبي هريرة، ورواه مسلم من حديث عمر رضي الله تعالى عنهما. فالإيمان بالقدر أن تؤمن بأن كل شيء بقضاء الله جل وعلا وقدره، أن تؤمن بأن كل شيء بقضاء الله جل وعلا وقدره، وأنه لا يكون شيء إلا بإرادة الله وبمشيئة الله سبحانه وتعالى، وأن الله عز وجل علم كل شيء، علم ما العباد عاملون وما هم فاعلون، وقدر ذلك وكتبه جل وعلا في اللوح المحفوظ، وأن الله جل وعلا شاءه، فلا يقع شيء إلا بمشيئة الله سبحانه وتعالى، وأن الله جل وعلا خالق كل شيء، الخير والشر. فلابد من الإيمان بالقدر، من الإيمان بمراتب القدر الأربع، وهي: العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق. علم، وكتابة، ومشيئة، وخلق مولانا، وهو إيجاد وتقديره. هذه مراتب القدر الأربع يجب الإيمان بها. أولها: العلم، أن تؤمن أن الله جل وعلا علم كل شيء، وأنه لا يقع شيء إلا بعلمه. قال الله جل وعلا: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. وقال سبحانه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. وقال: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. فلا يقع شيء إلا بعلم الله سبحانه وتعالى. ثم المرتبة الثانية وهي: الكتابة، أن الله عز وجل كتب مقادير الخلائق كلها، كما قال ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾. وقال جل وعلا: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء». رواه مسلم في صحيحه. وقال عليه الصلاة والسلام: «أول ما خلق الله القلم، قال: أكتب. قال: وما أكتب؟ قال: أكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة». أكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة. إذن كل شيء قد كتبه الله سبحانه وتعالى. والمرتبة الثالثة: مرتبة المشيئة، وهو أنه لا يقع شيء في هذا الكون إلا بمشيئة الله، لا يقع شيء إلا بمشيئة الله سبحانه وتعالى. قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. والمشيئة تنقسم إلى قسمين: مشيئة شرعية دينية، ومشيئة قدرية كونية. فالمشيئة الشرعية الدينية التي هي تتعلق بما يحبه الله جل وعلا ويرضاه، وهي متعلقة بما أمر الله سبحانه وتعالى به من الواجبات والفرائض والطاعات، فهذه متعلقة بمحبة الله ورضاه، كالصلاة والصيام والزكاة والحج والصدقة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلى آخر ذلك من الطاعات والقربات. فهذه مشيئة دينية شرعية. ومشيئة قدرية كونية، فهي متعلقة بما أراده الله عز وجل كونا أن يقع، ما أراده الله عز وجل أن يقع، وقد يحبه الله ويرضاه، وقد لا يحبه، فليست متعلقة بمحبة الله ورضاه، وذلك ككفر الكافر، ومعصية العاصي. فكفر الكافر وقع بمشيئة الله القدرية الكونية، أن الله عز وجل شاء ذلك قدرا وكونا أن يقع منه الكفر، وشاء من العاصي أن يقع منه المعصية كونا وقدرا لا شرعا ودينا. فإذا كل شيء يقع بمشيئة الله سبحانه وتعالى. المرتبة الرابعة من مراتب القدر: الخلق، أن تؤمن بأن الله عز وجل خلق كل شيء. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾. وقال جل وعلا: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾. وخلق كل شيء فقدره تقديرا. هذا العموم يشمل الخير والشر، فكله من خلق الله، كله من خلق الله جل وعلا، لا يخرج شيء عن خلق الله سبحانه وتعالى. والله خلق الخير وخلق الشر، لكن الشر لا ينسى به نسبة فعل، وإنما ينسى به نسبة خلق وإيجاد. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال في دعائه: «والشر ليس إليك»، يعني ليس من فعلك، ليس من فعلك الشر، وإن كان الله عز وجل خالق له والموجد له، لكن الفاعل هو العبد، العبد الذي يفعل الشر بنفسه، وإن كان الله عز وجل خالق له. فهذه المراتب الأربع إذا آمن بها العبد وحققها، فإنه يحقق الإيمان بهذه المرتبة العظيمة من مراتب الإيمان، وهي الإيمان بالقدر خيره وشره. ومن أنكر شيئا منها فهو ظالم. فنفاة القدر الغلاة منهم هم غلاة القدرية، ممن ضل في باب القدر، كانوا ينفون العلم، كانوا ينفون علم الله جل وعلا، أو عموم علم الله، فيقولون: إن الله عز وجل لا يعلم الشيء إلا بعد وقوعه، فينسبون الله جل وعلا بالجهل. يقولون: إن الله عز وجل لا يعلم الشيء إلا بعد وقوعه، فإذا أراد الإنسان مثلا أن يذهب إلى الصلاة، يقوم ويخرج، يقولون: ما يعلم الله إلى أين يذهب وأين يريد؟ وهذا لا شك أنه كفر، ولهذا كفر السلف هؤلاء القدرية الغلاة منهم ممن نفى العلم عن الله جل وعلا. ومن نفى العلم نفى الكتابة، من نفى علم الله جل وعلا نفى كتابة الله جل وعلا لمقادير الخلائق. وهؤلاء الغلاة القدرية كما ذكر أهل العلم أنهم قد انتهوا، وبقي من القدرية من ينفي الخلق أو المشيئة، وهم ظلة القدرية، وظلوا بهذا الباب القدرية والمعتزلة والجبرية. فالقدرية نفوا القدر عن الله جل وعلا، وقالوا: إن الله عز وجل لم يخلق أفعال العباد، وإنما العباد هم الذين يخلقون أفعالهم. قالوا: إن العباد هم الذين يخلقون أفعالهم. والجبرية قالوا: إن العبد لا قدرة له، إن العبد لا مشيئة له، وإنما المشيئة لله جل وعلا، والعبد حاله كحال الأوراق التي تحركها الرياح يمينا وشمالا، فهو مجبور على فعل ما يفعله من طاعة أو معصية، مجبور على ما يفعله من طاعة أو معصية. ما الذي حملهم على هذا؟ أن يقولوا هذا الذي حملهم على ذلك أنهم قالوا: لو قلنا بأن أفعال العباد مخلوقة، إذن لنسبنا الله عز وجل إلى الظلم، لقلنا بأن الله عز وجل ظالم، إذ أنه قدر عليهم الكفر والمعاصي، ثم يعذبهم عليها. قالوا: وقلنا بأن أفعال العباد مخلوقة، والعبد يفعل الكفر ويفعل المعصية، والله جل وعلا يعذبه عليها، إذن إننا بذلك ننسب الله عز وجل إلى الظلم، ننسبه بالظلم، إذ أنه قدرها عليهم ثم يعذبهم عليها. إذن قالوا: نقول بأن أفعال العباد غير مخلوقة، وأن العبد هو الذي يخلق فعل نفسه. وهذا لا شك أنه قول باطل، وقد يعني وقعوا فيما هو أعظم مما فروا منه، إذ أنهم جعلوا مشيئة العبد أقوى من مشيئة الله، فجعلوا مشيئتين: مشيئة لله، ومشيئة للعبد. فالله عز وجل شاء الإيمان من العبد، وهذا العبد شاء الكفر، فغلبت مشيئة العبد على مشيئة الله. وهذا لا شك أنه يعني كفر وظلال. والصواب كما سمعنا أن أفعال العباد مخلوقة، وأنه لا يقع شيء إلا بقضاء الله جل وعلا وقدره. ومما أوقعهم في الضلال هو عدم التفريق بين المشيئة الشرعية الدينية وبين المشيئة الكونية القدرية، فخلطوا بين المشيئتين، فوقعوا في الضلال. فظنوا أنه لا يقع شيء في هذا الكون إلا مما يحبه الله ويرضاه، إلا مما يحبه الله ويرضاه. فقالوا: لو قلنا بأن الكفر والمعاصي من مشيئة الله ومن خلق الله، لقلنا إذن أن الله عز وجل يحب الكفر والمعاصي. وهذا لا شك أنه خلط وباطل، لأننا نفرق بين المشيئة الشرعية الدينية التي هي مناطها المحبة والرضى، وبين المشيئة القدرية الكونية التي هي ما أراده الله عز وجل وقدره أن يقع في هذا الكون، وقد يحبه الله ويرضاه، وقد لا يحبه ولا يرضاه، لكن أراده قدرا وكونا، ولم يريده شرعا ودينا. فمثلا إيمان المؤمن، إيمان المؤمن أراده الله عز وجل شرعا وقدرا، أراده شرعا وقدرا، فهو مما يحبه الله ويرضاه. وإذا وقع الإيمان من العبد، فهو مما أراده الله كونا وقدرا. وكفر الكافر أراده الله عز وجل قدرا، ولم يريده شرعا، فالله لا يأمر بالكفر، الله عز وجل لا يرضى بالكفر، ولا يأمر بالكفر، كما قال جل وعلا: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾. لكن أراده كونا وقدرا، أراده كونا وقدرا أن يكفر هذا العبد وأن يكون كافرا، فوقع ذلك كما أراده الله سبحانه وتعالى. ولا يلزم من ذلك أن الله عز وجل يحبه، لا يلزم أن الله يحبه. ففرق بين الإرادة الشرعية الدينية وبين الإرادة الكونية القدرية. فالقدرية لم يفرقوا بين الإرادتين، فوقعوا في الظلال. وقولهم يعني باطل ظاهر البطلان كما سمعنا، لأنهم يجعلون إرادة المخلوق أقوى من إرادة الله، ولا شك أن هذا ضلال عظيم. ولهذا ذكر أهل العلم مناظرة تدل على ضلال القدرية، ومن ذلك أنه اجتمع قدري ومجوسي، فقال القدري للمجوسي: أسلم. قال المجوسي: إذا أراد الله. قال القدري: إن الله عز وجل أراد، ولكن الشيطان لم يرد. فقال المجوسي: أراد الله وأراد الشيطان، فكان إرادة الشيطان، فأنا مع الأقوى منهما، أي مع الشيطان. إذا كان الشيطان أراد، يعني أراد الله، وقدمت إرادة الشيطان، فكان الشيطان أقوى، فأنا معه، أبقى على ملتي وديانتي. انظر إلى عظم هذا الضلال الذي يقع فيه القدرية. وهكذا أيضا ذكروا عن عمرو بن عبيد، وهو من أئمة القربية، أتاه أعرابي، ظلت ناقته، ضاعت عليه، فجاء، فقال: أدعو الله أن يردها علي. قال: إن ناقتي سرقت، فادعو الله أن يردها إلي. فقال عمرو بن عبيد: «اللهم إنك لم ترد أن تسرق ناقته، فسرقت. اللهم فردها عليه». قال هذا الأعرابي بفطرته السليمة: «لا حاجة لي في دعائك، لا حاجة لي في دعائك». إذا لم يرد الله جل وعلا أن تسرق، فسرقت. وقد يريد الله أن يردها، فلا ترد. فلا حاجة لي في دعائك. علم بطلان هذا الدعاء بفطرته السليمة. كيف يقول: إنها سرقت بغير إرادة الله، ثم يسأل من الله جل وعلا أن ترد إليه؟ كيف يقع شيء بغير إرادة الله، وبغير قضاء الله وقدره؟ فالحاصل أنه يجب الإيمان بالقدر خيره وشره حلوه ومره، وأن ما يصيب الإنسان ما لم يكن يخطيه، وما أخطاه لم يكن ليصيبه، كما جاء في حديث ابن عباس عند الترمذي، الحديث الذي فيه أنه كان رديف النبي عليه الصلاة والسلام على حمار، إلى أن قال: «وعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطيك، وما أخطاك لم يكن ليصيبك». يعني لا يصيبك شيء إلا بقضاء الله، ولا يخطيك شيء إلا بقضاء الله سبحانه وتعالى. وأن كل شيء بقضاء الله سبحانه وتعالى. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.