شرح قرة عيون الموحدين 63

الدرس في شرح قرة عيون الموحدين 63، ألقاها

التحذير من التنجيم وبيان حكمه

يناقش حكم التنجيم وانقسامه إلى مشروع وممنوع، مع التركيز على أن التنجيم المحرم يعتبر شركًا أكبر بالله. يُبين أن التنجيم المحرم يشمل اعتقاد تأثير النجوم على الحوادث أو ادعاء علم الغيب.

حقيقة علم التنجيم ومخالفته للتوحيد

يشرح التحذير من علم التنجيم وبيان حقيقته، ويوضح أن هذا العلم ينافي التوحيد ويوقع في الشرك. كما يُبين الغرض الحقيقي من خلق النجوم وهي زينة السماء، رجومًا للشياطين، ودلالات على الجهات.

تعلم النجوم والسحر وتوضيح الفرق بينهما

يناقش تعلم النجوم وما يجوز وما لا يجوز، ويفرق بين علم التسيير وعلم التأثير. كما يتطرق إلى موضوع السحر وتعريفه وأنواعه وما يدخل فيه من أمور.

خاتمة الدرس وذكر الله

يتضمن تأكيدًا على علو الله تعالى وعلمه، يليه ذكر وتسبيح لله والاستغفار والتوبة إليه، مشددًا على أهمية التوجه إلى الله في جميع الأحوال.

  • 20 جمادى الآخرة 1434هـ - 30/04/2013مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب، عليهم رحمة الله تعالى جميعًا، في كتابه «قرة عيون الموحدين». قال: قوله - أي قول الإمام محمد بن عبد الوهاب عليه رحمة الله - في كتابه «التوحيد»: باب ما جاء في التنجيم. وقوله رحمه الله تعالى: باب ما جاء في التنجيم، أي مدخل لمعرفة حكم التنجيم. وأن التنجيم ينقسم إلى قسمين جملة: إلى مشروع وممنوع. الممنوع - أي المحرم منه - هو نوع من أنواع السحر، أو قل هو على قسمين. التنجيم المحرم هو على قسمين: الأول هو اعتقاد أن للنجوم تأثيرًا بذاتها على الحوادث الأرضية. اعتقاد أن النجوم لها تأثير بذاتها على الحوادث الأرضية، بمعنى أن إيجاد الأشياء أو عدمه إنما يكون بفعل تلك النجوم. وأن الحوادث إنما هي منفعلة من أفعال تلك النجوم. وهذا نوع من الشرك الأكبر المجمع عليه، وهو الذي كان عليه قوم إبراهيم عليه السلام، اعتقادهم في النجوم والكواكب أنها هي الموجدة للأشياء من دون الله جل وعلا. فهذا شرك أكبر بالله جل وعلا، وهو شرك في ربوبية الله جل وعلا، وفي خلق الله جل وعلا، وفي إيجاد الله جل وعلا للأشياء. القسم الثاني: اعتقاد أن النجوم لها في حركاتها وسكناتها واجتماعها وافتراقها وطلوعها وغروبها، إلى غير ذلك، لها علاقة في أمور الغيب. أي أنهم يستمدون أمورًا من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله جل وعلا، من تلك الحركات التي تتحرك بها تلك النجوم والكواكب، فيدعون علم الغيب من حركات النجوم وسكناتها واجتماعها وافتراقها، إلى غير ذلك. وهذا أيضًا كفر وشرك بالله جل وعلا، وهو كذلك شرك في الربوبية، وبالأخص في بابه صفات الله جل وعلا. فهم يزعمون أنهم يعلمون الغيب الذي لا يعلمه إلا الله جل وعلا. وهذا نوع شرك أكبر، إذ أنهم اعتقدوا أنهم يعلمون الغيب بمجرد تلك الحركات للنجوم وغيرها. وهذا إدعاء لعلم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، وهو شرك أكبر. لأن الله جل وعلا يقول: ﴿قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون﴾. وهؤلاء يزعمون أن فلانًا سيولد له في يوم كذا وكذا، وسيموت فلان الآخر في يوم كذا وكذا، ويرزق فلان في يوم كذا وكذا، ويمنع آخر الرزق بزمن كذا وكذا، وما شابه ذلك من التكهنات. فهو كما سمعتم، شرك في علم الله جل وعلا، وهو نوع من السحر والكهانة. قال رحمه الله تعالى: باب ما جاء في التنجيم. قال شيخ الإسلام - أي ابن تيمية - عليه رحمة الله: هو الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية. الاستدلال بالأحوال الفعلية - كما تقدم - باجتماع النجوم وافتراقها وطلوعها وغروبها وحركاتها وسكناتها، يستدلون بها على الحوادث الأرضية. إما بالمعنى الأول - أي أنها مؤثرة بذاتها على الحوادث الأرضية - وإما بالمعنى الثاني - أي في معرفة علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله جل وعلا. قال: وقال الخطابي - أبو سليمان الخطابي - عليه رحمة الله: علم النجوم المنهي عنه. وقوله رحمه الله تعالى: علم النجوم المنهي عنه، إشارة منه إلى أن علم النجوم على ما تقدم، منه المنهي عنه، ومنه المشروع. قال: وقال الخطابي: علم النجوم المنهي عنه هو ما يدعيه أهل التنجيم من علم الكوائن والحوادث التي ستقع في مستقبل الزمان، كأوقات هبوب الريح ومجيء المطر وتغيير الأسعار، وما في معناها من الأمور التي يزعمون أنها تدرك معرفتها بمسير الكواكب في مجاريها واجتماعها وافتراقها. يدعون أن لها تأثيرًا في السفليات - أي الحركات العلوية لها تأثير في الحوادث السفلية - أي الأرضية. قال: وهذا منهم تحكم على الغيب، وتعاط لعلم قد استأثر الله به، فلا يعلم الغيب سواه. قال قوله: قال البخاري في صحيحه: قال قتادة: خلق الله هذه النجوم لثلاثة: زينة للسماء، ورجومًا للشياطين، وعلامات يهتدى بها. فمن تأول فيها غير ذلك أخطأ، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به. انتهى. قال رحمه الله تعالى: هذا الأثر وعلقه البخاري في صحيحه، وأخرجه عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وغيرهم، وأخرجه الخطيب في كتاب «النجوم» عن قتادة بلفظ أطول من هذا. والأثر صحيح كما في «تغليق التعليق» للحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: وقول قتادة رحمه الله تعالى يدل على أن علم التنجيم هذا قد حدث في عصره، فأوجب له إنكاره على من اعتقده وتعلق به. وهذا العلم مما ينافي التوحيد ويوقع في الشرك، لأنه ينسب الحوادث إلى غير من أحدثها، وهو الله سبحانه، بمشيئته وإرادته. كما قال تعالى: ﴿هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض﴾، وقال: ﴿قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون﴾. فدل هذا على أن المنجم الذي يدعي علم الغيب، وأن النجوم لها تأثيرات بذاتها على الحوادث الأرضية، مدع بأن مع الله جل وعلا من يعلم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، وهي الكواكب. وهو مدع كذلك أن مع الله جل وعلا خالقًا ورازقًا وموجدًا لهذه الحوادث التي تكون في هذا الكون. وهذا كذلك نوع شرك آخر بالله رب العالمين جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: قوله: خلق الله هذه النجوم لثلاث. قال تعالى: ﴿ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجومًا للشياطين﴾. قوله سبحانه: ﴿ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح﴾، هذا المعنى الأول: زينة للسماء. ﴿وجعلناها رجومًا للشياطين﴾، هذا المعنى الثاني: أن الله جعلها رجومًا للشياطين. قال الشارح رحمه الله تعالى: وفيه إشارة إلى أن النجوم في السماء الدنيا - أي دون غيرها - لأن الله جل وعلا يقول: ﴿ولقد زينا السماء الدنيا﴾، فلم يقل: ولقد زينا السماء. ولكن السماء الدنيا، لأنه لو قال: السماء، تكون «أل» محتملة أن تكون للجنس، ومحتملة أن تكون للعهد - أي السماء الدنيا - لكن لما قال: السماء الدنيا، دل على أن المقصود بـ «أل» ها هنا: سماء المعهودة المشاهدة - أي السماء. قال قوله: وعلامات - أي دلالات - على الجهات. فالعلامة هي كما ذكر: دلالة وإشارة يهتدى بها المهتدون في أمور. لذا قال: وعلامات - أي دلالات على الجهات - يهتدى بها - أي يهتدون بها الناس في ذلك. كما قال تعالى: ﴿وعلامات وبالنجم هم يهتدون﴾، وقال تعالى: ﴿وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر﴾، أي ليعرفوا بها جهة قصدهم. قال رحمه الله تعالى: فإن قيل: المنجم قد يصدق. وقد هاهنا للتقليد، فهي من باب: قد يصدق الكذوب. قد يصدق الكذوب. قال الشيخ: قيل: صدقه كصدق الكاهن، يصدق في كلمة ويكذب في مئة. وصدقه ليس عن علم، بل قد يوافق قدرًا، فيكون فتنة في حق من صدقه. يعني الشيخ رحمه الله تعالى أجاب عن قول القائل: إن المنجم قد يصدق، يصدق بالكلمة كما هو حال الكاهن، قد يقول الكلمة وتكون صوابًا. فيقول الشيخ رحمه الله تعالى: حال المنجم كحال الكاهن، قد يأتي بالكلمة الواحدة فيصدق فيها، ويكذب في المئة. فكيف نأخذ الواحدة وندع المئة؟ هذا أمر خطير. قال رحمه الله تعالى: قوله: وكره قتادة تعلم منازل القمر. ولم يرخص فيه ابن عيينة. ذكره حرب عنهما - أي عن قتادة وعن ابن عيينة - قال: ورخص في تعلم المنازل أحمد وإسحاق. قال الخطابي: أما علم النجوم الذي يدرك من طريق المشاهدة والخبر - يدرك من طريق المشاهدة - أي الحس - والخبر - أي خبر الصادق - الذي نتج كذلك عن خبرة نتج عن تجربة وخبرة، وكذلك حس مشاهدة. فيقول رحمه الله تعالى - أي الخطابي -: أما علم النجوم الذي يدرك من طريق المشاهدة والخبر، الذي يعرف به الزوال - أي زوال الشمس - وتعلم به جهات القبلة، فإنه غير داخل فيما نهي عنه. قال رحمه الله تعالى: وأما ما يستدل به من النجوم على جهة القبلة، فإنها من الكواكب رصدها أهل الخبرة بها - رصدها - أي تتبعوها - ودرسوا أحوالها بالمشاهدة والحس، فخبروها. قال: رصدها أهل الخبرة بها من الأئمة الذين لا نشك في عنايتهم بأمر الدين، ومعرفتهم بها، وصدقهم فيما أخبروا به. مثل أن يشاهدها بحضرة الكعبة - كما ذكرنا - يشاهد أن هذه النجوم بحضرة الكعبة تشير إلى الكعبة. قال: ويشاهدها على حال الغيبة عنها - أي كذلك - فكان إدراكهم الدلالة منها بالمعاينة - أي بالحس - بالمشاهدة. وإدراكنا ذلك بقبول خبرهم - أي نحن ما رأينا ذلك - ما تتبعنا النجم في بلدنا إلى أن وصلنا إلى الكعبة - لكن تتبعها غيرنا من أهل الخبرة، فأخبروا بذلك. فنحن أخذنا بخبرهم. وخبرهم نتج عن حس ومشاهدة. قال رحمه الله تعالى: قال وروى ابن المنذر عن مجاهد أنه كان لا يرى بأسًا أن يتعلم الرجل من النجوم ما يهتدي به. قال ابن رجب رحمه الله: والمأذون في تعلمه علم التسيير - لا علم التأثير - فإنه باطل محرم. قليل هو، كثيره. أما علم التسيير فيتعلم منه ما يحتاج إليه للإهتداء ومعرفة القبلة والطرق، وهو جائز عند الجمهور. أي ومعرفة كذلك أوقات الصلوات، ومعرفة أوقات الصلوات، ونحوها، ونحوها مما يدرك بماذا؟ بالتجربة والخبرة والمشاهدة. فهذا جائز. قال رحمه الله تعالى: قوله: ذكره حرب عنهما. والإمام الحافظ حرب بن إسماعيل، أبو محمد الكرماني الفقيه، من أجلة أصحاب الإمام أحمد. روى عن أحمد وإسحاق وابن المديني، وله كتاب «المسائل» التي سأل عنها الإمام أحمد، وغيره. مات سنة ثمانين ومئتين. وكتابه «المسائل» مشهور وموجود ومتداول. قال: وأما إسحاق فهو ابن إبراهيم بن مخلد بن يعقوب الحنظلي النيسابوري، الإمام المعروف ابن راهويه. روى عن ابن المبارك وأبي أسامة - أي حماد بن أسامة - وابن عيينة وطبقتهم. قال أحمد: إسحاق عندنا من أئمة المسلمين. وروى عنه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود وغيرهم. ورواه أيضًا عن أحمد. مات سنة تسع وثلاثين ومئتين. قال قوله: عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن الخمر، وقاطع الرحم، ومصدق بالسحر». رواه أحمد وابن حبان في صحيحه. قال: هذا الحديث رواه أيضًا الطبراني والحاكم، وقال: صحيح. وأقره الذهبي. والحديث حسن بمجموع طرقه وشهوده. قال رحمه الله تعالى: قوله: عن أبي موسى، هو عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار، بفتح مهملة وتشديد الضاد. أبو موسى الأشعري، صحابي جليل، مات سنة خمسين. قال: ثلاثة لا يدخلون الجنة، الشاهد لترجمة ومصدق بالسحر - أي هو الشاهد من إيراد الشيخ رحمه الله تعالى هذا الحديث ها هنا - قالوا في الحديث: كما تقدم في نظائره، كقوله: «من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد». وها هنا يقول: لا يدخلون الجنة، وذكر منهم مصدق بالسحر. ومصدق بالسحر يقول: هو كقوله: «من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد». فهما في المعنى سواء. قال: واختار الإمام أحمد رحمه الله تعالى أن مثل هذه الأحاديث تمر كما جاءت من غير تأويل. لماذا؟ من غير تأويل، لأنها أزجر للسامع، بحيث أنها لا إذا أولت ربما فتح للسامع بابًا يستصيغ به فعل بعض هذه الأشياء. قال الذهبي رحمه الله: قال الذهبي في «الكبائر»: ويدخل فيه تعلم السيميا وعلمها، وعقد المرء عن زوجته، ومحبة الزوج لمرأته وبغضها وبغضه، وأشباه ذلك بكلمات مجهولة. انتهى باقتصار. قول: ويدخل فيه تعلم السيميا، السيميا نوع من السحر. وقد ذكر بعضهم أنها قد تكون إما أن تدرك بالحواس كلها، وإما أن تدرك ببعض الحواس، بحيث أن من وقع فيها أو حصل له ذلك صار كأنه متيقظ أو هو في يقاضته، ولكنه كأنه نائم. هو في يقظة ولكنه كأنه نائم، أي تحصل منه من الخواطر والأوهام ما تحصل من النائم في نومه، إلا أنه في حال يقاضته. في حال يقاضته، فهذا كما يقال: تقريب لمعنى السيميا. وهي كما سمعتم: نوع من السحر، وهو نوع من السحر التخييلي، نوع من السحر التخييلي، إذ أنه يتخيل أنه نائم وليس بنائم. قال رحمه الله تعالى: ويدخل فيه تعلم السيميا وعلمها - أي في السحر - وعقد المرء عن زوجته - أي منعه من إتيان امرأته - ومحبة الزوج لمرأته - وهو ما يسمى بالعطف - وبغضها وبغضه - وهو ما يسمى بالصرف - أي السحر العطف والصرف - وأشباه ذلك بكلمات مجهولة - أي كل ذلك يدخل في معنى السحر المنهي عنه شرعًا. والله تعالى أعلى وأعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على