الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث 9

الدرس في الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث 9، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تقييم كتب الحديث وشرط النسائي

يناقش تسمية كتب الحديث بالصحيح وتشكيك في جامع الترمذي وصحيح النسائي، ويبين شرط النسائي في الرجال وتشديده في توثيق الرواة. يشير إلى أن كلا الكتابين يحتوي على أحاديث ضعيفة.

تشدد النسائي وتقييم مسند الإمام أحمد

يتناول تشدد الإمام النسائي في الجرح والتعديل وتقييم مسند الإمام أحمد، ويبين أن فيه أحاديث ضعيفة وموضوعة. يذكر أن قول الحافظ أبي موسى المديني بأن المسند صحيح هو قول ضعيف.

مناقشة صحة أحاديث مسند الإمام أحمد وعدد الصحابة

يناقش صحة أحاديث مسند الإمام أحمد ويشير إلى وجود أحاديث ضعيفة وموضوعة فيه، لكنها قليلة. كما يناقش احتمال عدد الصحابة في الصحيحين ويذكر إمكانية أن يكون قريبا من مئتين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد: قال رحمه الله تعالى: قال الحافظ ابن كثير: قال، وكان الحاكم أبو عبد الله، والخطيب البغدادي، يسميان كتاب الترمذي: الجامع الصحيح. وهذا تساهل منهما، فإن فيه أحاديث كثيرة منكرة. فقول الحافظ: «بعلي بن السكن»، وكذا الخطيب البغدادي، في كتاب السنن للنسائي: إنه صحيح، فيه نظر. وأن له شرطا في الرجال أشد من شرط مسلم، غير مسلم. هذا التساهل الذي يقصده العلماء، الظاهر أنهم ما يريدون الكتاب كله. فتسمية الحاكم والخطيب البغدادي كتاب الجامع للترمذي بالجامع الصحيح، ليس صحيحا؛ لأن جامع الترمذي فيه أحاديث ضعيفة، بل منها ما هو ضعفه بنفسه. وقد أخرج الإمام الترمذي -رحمه الله- عن أناس من الضعفاء، كيزيد بن أبي زياد القرشي، وعبد الرحمن بن أنعم الأفريقي، وجماعة من هؤلاء الضعفاء الذين ثبت عند العلماء ضعفهم. فأخرج الإمام الترمذي أحاديثهم. كذلك أخرج أحاديث غيرهم من هؤلاء الضعفاء. فلهذا يقول العلماء: إن جامع الترمذي نزل عن سنن النسائي، وابي داود؛ بسبب أنه أخرج أناس اتفق العلماء على ضعفهم. فلهذا فتسميته الجامع الصحيح، فيه التساهل. صحيح أن الإمام الترمذي قال: «هذا الكتاب ما كان في بيت أحد إلا كأنه في بيت نبي يتكلم»، هذا صحيح على الجملة، معناه على الجملة، وإلا كما قلنا: فيه أحاديث ضعيفة، بل بعضها ضعفها بنفسه. وقول الحافظ: «بأعلى بن السكن»، وكذا الخطيب البغدادي، في كتاب السنن للنسائي: إنه صحيح، فيه نظر أيضا. صحيح أن الإمام النسائي تحرى في كتابه، لكن أيضا ذكر أشياء أيضا تتعقب عليه. هناك أحاديث فيها ضعف. من نظر إلى ما فعله الإمام الألباني -رحمه الله-، أنا في الكتب التي جعل بعضها صحيح. أنا السنن، طلب منه بعض الإدارات في الكويت طلب منه أن يفرز الصحيح من الضعيف في السنن، وهذا المعروف الآن. فإذا نظرت في هذا ستجد أن أقل ضعيف في الكتب هو ضعيف سنن النسائي. هناك كتاب صغير: ضعيف سنن النسائي، بينما ضعيف سنن أبي داود ليس به، ضعيف الترمذي كبير، ضعيف ابن ماجه أيضا أكبر. لكن ضعيف سنن النسائي صغير، مع أن أحاديث النسائي التي فيه كثيرة، بل أكثر من سنن الترمذي. وهذا يدل على أن الضعف في سنن النسائي قليل. لكن تسميته بالصحيح ليس كذلك؛ لأن النسائي لم يسمه بالصحيح، بل ذكر أشياء انتقدها نفسه، حتى في المجتبى، حتى في المجتبى، يعل بعض الأشياء، يذكر عللها. وأيضا مع أن شرط النسائي شرط طويل. قال: «وله شرط في الرجال أشد من شرط مسلم»، غير مسلم. مثل ما قال أبو علي الزنجاني: «إن لأبي عبد الرحمن شرطا في الرجال أشد من شرط البخاري ومسلم». وهذا الشرط، الله أعلم ما المقصود به؛ لأن النسائي لم يصرح بشيء بشرط في الحديث، إلا ما قاله -رحمه الله-: «أنه لا يخرج للرجل حتى يجتمع العلماء فيه». وقالوا: إنه أراد بالاجتماع: أن المراد أن يجتمعوا في كل طبقة من المشددين والمتوسطين أو المتساهلين. مثلا يجتمع عليه مثلا: يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي، يجتمعون على أنه ثقة. كذلك أيضا يجتمع عليه مثلا: أحمد، وابن المديني، وابن معين. معنى إذا خالف أحدهم، خلاص لا يخرج له. وهذا تشديد من ناحية أنه تشديد. يقول: إنه ما يخرج للرجل حتى يجتمع عليه هؤلاء. فإذا اجتمع على ثقة أخرج له. لكن هل هناك له شرط آخر؟ المتأمل في فعل النسائي -رحمه الله- أنه يتشدد في الرجال، يتشدد في توثيق الرجال. وهذا التشدد يبرهن لك ذلك: أن النسائي ضعف أناس أخرج لهم البخاري ومسلم، ضعف أناس في كتابه: الضعفاء والمتروكين. وفي بعض كتبه ضعف أناس قد أخرج لهم البخاري ومسلم. وهذا يدل على أنه هناك عنده تشدد في هذا الباب. صحيح أنه يوثق، جاء عنه أنه يوثق التابعين إذا رأى أن حديث أحدهم مستقيم، ولو كان حديثا واحدا يوثقه. هذا في هذا الباب فيه تساهل. وهذا أيضا على منوال أبي زكريا يحيى بن معين. لكن في هذا الباب في مسألة الرجال، فهو يتشدد. فلهذا ذكر في كتابه في الضعفاء رجال أخرج لهم البخاري ومسلم. البرقاني الصغير -رحمه الله- جمع معنى جمع هؤلاء الرجال الذين أخرج لهم البخاري وضعفهم النسائي. جمعهم في ورقة أو في كتاب، وسأل عنهم الدارقطني. وسأل عنهم الدارقطني، فإنه يريد أن ينظر من على الصواب: هل النسائي الذي أصاب في جرحه، أم أن إخراج البخاري ومسلم لهما صحيح؟ فسأل عنهم الدارقطني، فلم يؤيده إلا في اليسير منهم، أنه وافق بإخراج البخاري ومسلم لهؤلاء الرجال. والدارقطني إمام في هذا الباب، فإنه أثنى على النسائي كثيرا، وكان يقول: «أن النسائي أعلم من مسلم»، يقول: «النسائي أعلم من مسلم في علم الحديث». وأما مسلم، قال: «لولا البخاري لما جاء مسلم ولا راح». لكن انتقده في هذا معنى ما انتقده، لكن بين أن الصواب مع البخاري ومسلم في إخراج، إلا وافقه في بعضهم فقط. وهذا يبرهن أن النسائي عنده تشدد في هذا الباب. قال: «وفيه نظر، فإن فيه رجالا مجهولين إما عينا أو حالا». معنى في سنن النسائي، وهذا صحيح، لكنهم قليل. وكأن النسائي تجد أنه يتساهل في مسألة الجهالة، ولهذا كما قلنا: يوثق المجهولين من التابعين، يوثقهم حتى ولو رأى لهم حديثا واحدا مستقيما. وهذا كما قلنا: طريقة أيضا ابن معين. أما من كان دون التابعين، فغالبا لا يخرج من كان هذا أو كان هذا وصفه. قالوا: «فيه المجروح»، وفيه «أحاديث ضعيفة ومعللة ومنكرة»، كما نبهنا عليه في الأحكام الكبير. هذا كلام الحافظ ابن كثير، صحيح، لكنه ليس معنا قياسا بغيره من السنن، فهو أقل. قالوا: «أما قول الحافظ أبي موسى محمد بن أبي بكر المديني عن مسند الإمام أحمد: إنه صحيح»، قول ضعيف؛ فإن فيها أحاديث ضعيفة، بل موضوعة، كحديث فضاء المرو وعسقلان والبرث الأحمر عند حمص، وغير ذلك، ما نبه عليه طائفة من الحفاظ. هذه الأحاديث صحيح أنها موضوعة، مثل حديث أنس: «عسقلان أحد العروسين». وأيضا كذلك غيرها من الأحاديث التي جاءت، وأنها موضوعة. وذكر ابن الجوزي تسعة أحاديث موضوعة في مسند الإمام أحمد، وذكر المقريزي أكثر من ذلك. وألف أبو حفص المقريزي كتابا، وألف الحافظ كتابه: «القول المسدد في الذب عن مسند الإمام أحمد». والحافظ أبو موسى المديني ألف كتابا سماه: «كتاب خصائص مسند الإمام أحمد». وهذا كتاب قيم، سماه: «خصائص مسند الإمام أحمد». وذكر أشياء عن المسند، وعن عدد أحاديثه، وكذا ذكر قصص وغيرها. ومما ذكره هذا الكلام، أقره ابن الصلاح، وأن المسند صحيح. أما أنه صحيح كله، فهذا قول بعيد جدا. لماذا؟ لأن المسند لم يذكر الإمام أحمد أنه صحيح كله. لكن قال -رحمه الله-: «وهذا بحسب ظني، أن الحديث الذي لا يوجد في المسند فليس بحديث». الحديث الذي لا يوجد في المسند فليس بحديث. لكن وجد أحاديث في البخاري ومسلم ليست موجودة في المسند، إما أنها حذفت أو أنها سقطت؛ لأن هناك سقط كثير استدركوه بعض العلماء. فمثلا حديث عمر في النعيمان: «أنه أكثر ما يؤتى به». هذا الحديث ليس في المسند. حالة كبرى. حديث أيضا حديث أم زرع، حديث عائشة: «أنا لك كأبي زرع لأم زرع». هذا أيضا ليس موجودا في المسند. وكذلك أيضا حديث، حديث عمر أيضا لما قال للصحابة: «أترون أن هذه المرة واضعة ولدها في النار؟» قالوا: «لا يا رسول الله». قال: «الله أرحم بهذه من ولدها، أرحم بكم من هذه بولدها». هذا الحديث أيضا لم يخرجه الإمام أحمد، على كبر مسنده. فلهذا كلام هذا ليس صحيحا، لكن على حسب ظني -رحمه الله-. لكن أن نقول: إنه صحيح كله، ليس كذلك؛ لأن الإمام أحمد أخرج أحاديث اشتهرت عند الناس، وهو قد ضعفها، وقد ضعف أصحابها، لكن أخرجها في المسند؛ لأنها اشتهرت عند الناس. فالظاهر أن الإمام أحمد أخرج الأحاديث المشتهرة، وإن لم تكن صحيحة. وهذا الذي فعله أيضا تلميذه أبو داود. هذا الذي فعله أيضا تلميذه ابن أبي داود السجستاني، فإنه أخرج في كتابه أيضا أحاديث ليست صحيحة، ولكنه أخرجها لشهرتها. أخرجها لشهرتها، أو لم يكن عند العلماء في الباب هذا شيء، فيخرجها لأجل أنه في الباب. فمن هذا أدخلت الأحاديث الضعيفة غالبا في سنن أبي داود، وكذلك في المسند. ووجد كما قلنا: فيها أحاديث موضوعة، لكنها قليل. هذه الأحاديث تسعة حديث، كما أقرها الحافظ ابن حجر. وأما ما ذكره ابن الجوزي والمقريزي، فأكثره غير صحيح، معنى: بعضها لا يستحق أن يقال: إنها موضوعة. وينظر في الكتاب الحافظ -رحمه الله-: «القول المسدد». قال: «ثم إن الإمام أحمد قد فاته في كتابه هذا، مع أنه لا يوازيه مسند في كثرته، وحسن سياقته، أحاديث كثيرة جدا». أنا ذكر الشيخ مثاله: قصة أم زرع، الحافظ ابن حجر، والإمام ابن القيم، وكذلك الحافظ ابن حجر، هم معتمدون في مسند الإمام أحمد. والحافظ ابن كثير تجد أنه يحفظ المسند حفظا جيدا، ولهذا كان يذكر الحديث التي في المسند، أو في تفسيره، أكثرها يذكرها من المسند. ثم إن كان رواها البخاري أو مسلم، ينبه على ذلك. وكذلك الإمام ابن القيم -رحمه الله-، كأنه يحفظ أيضا المسند. ولا شك أنه لا يخفى على كبار حفاظ. فذكر: أنه هناك أحاديث كثيرة ليست موجودة، صحيحة وليست موجودة في المسند. نحن ذكرنا ثلاثة أحاديث، وممكن أيضا نذكر زيادة، لكن هذا فقط في مسند عمر، وفي مسند عائشة. لكن كثيرا جدا هنا، بعضها العلم انتقدها عليه، على أن مسند الإمام أحمد لم يفته إلا أشياء يسيرة، معناه من الحديث الصحيح، وخاصة الموجودة في الصحيحين. قال: «بل قد قيل: إنه لم يقع له جماعة من الصحابة الذين في الصحيحين قريبا من مئتين». يقول الشيخ أحمد شاكر: «هذا غلو شديد». بل لم نر أن الذي فات المسند من الحديث شيء قليل. وأكثر ما يفوته من حديث صحابي معين، يكون مرويا عنده، معناه من حديث صحابي آخر. أنه قد يكون هذا الحديث ليس مرويا من طريق الصحابي الذي أخرج له البخاري، لكن مرويا من طريق غيره. فذكر الحافظ ابن حجر، كما ذكر الشيخ أحمد شاكر في «القول المسدد»: 24 حديثا، ادعى ابن الجوزي أنها موضوعة. وذيل عليه السيوطي أيضا بكتابه، ورد فيه 14 حديثا أخرى، ادعى ابن الجوزي أنها موضوعة، وهي في المسند، ولم يذكرها الحافظ. والمهم أن الحافظ دافع عن هذا الكتاب، وأن هذه الأحاديث الموضوعة قليلة. وأيضا نبه الشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- أن هذه الأحاديث، كما ذكرنا قبل، أن هذه الأحاديث الموجودة في المسند، ليست أنها أصح، معناها: أرواتها كذاب، أن رواتها كذبة. وإنما هي أخطاء يقع فيها بعض الرواة، فيروون حديثا ليس صحيحا أو موضوعا، إما بالخطأ، أو كما قلنا: أن هناك بعض الناس أحسن الظن فيهم، لما محمد فروى عنهم، كما قلنا: كنصر بن باب، وفائد وغيرهم من هؤلاء، فأحسن الظن فيهم الإمام أحمد. وأما أنه لم يقع له جماعة من الصحابة الذين في الصحيحين قريبا من مئتين، هذا ممكن، هذا ممكن أن يكون كذلك، الله أعلم. إن شاء الله نكتفي بهذا.