الدرس في شرح كتاب صريح السنة للإمام الطبري 13، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
ينقل ابن جرير أن مسألة ألفاظ العباد بالقرآن لم تُعرف عن السلف الصالح، وتفرد الإمام أحمد بالحكم على القائلين بخلق اللفظ بأنهم جهمية، وعلى القائلين بعدمه بأنهم مبتدعة، معتبراً اتباعه في ذلك رشداً وهدى. ويبرز هذا الموقف التفرد الأحمدي في هذه المسألة الدقيقة.
يناقش المقطع تحريم الخوض في مسألة اللفظ بالقرآن لالتباسها على ذات القرآن، وينتقد جدل المعتزلة في الاسم والمسمى مؤكداً مذهب أهل السنة في الأسماء والصفات. ويختتم بتحذير شديد من تأويل صفة الاستواء أو نفيها، مؤكداً وجوب إمرارها كما جاءت على فهم السلف.
يحذر النص بشدة من نسبة الأقوال الكاذبة إلى الأئمة مبيناً أن فاعل ذلك يبوء بسخط الله، ثم يسرد حديثاً نبوياً عن أربعة أنواع من الناس يؤذون أهل النار بعذابهم الخاص. ويذكر أصنافهم كصاحب التابوت وجار الأمعاء وسائل القيح وآكل اللحم مع بيان ذنوبهم.
يقرر الشيخ أن الحديث المذكور منكر ولا يصح، ويُعد شاهداً على ضعف رواية إسماعيل بن عياش إذا روى عن أهل الحجاز كالخثعمي حيث يأتي بالمناكير. ويختتم بالاكتفاء بهذا القدر على أن يكمل الشرح في الدرس القادم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه بعد. يقول الحافظ ابن جرير رحمه الله تعالى: «وَأَمَّا الْقَوْلُ فِي أَلْفَاظِ الْعِبَادِ فِي الْقُرْآنِ فَلَا أَثَرَ فِيهِ نَعْلَمُهُ عَنْ صَحَابِيٍّ مَضَى وَلَا تَابِعِيٍّ قَضَى إِلَّا عَمَّنْ فِي قَوْلِهِ الْغِنَى وَالشِّفَاءُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَرِضْوَانُهُ، وَفِي اتِّبَاعِهِ الرُّشْدُ وَالْهُدَى، وَمَنْ يَقُومُ قَوْلُهُ لَدَيْنَا مَقَامَ قَوْلِ الْأَئِمَّةِ الْأُولَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ». يقول شيخنا الحافظ ابن جرير رحمه الله في ذكر ألفاظ العباد بالقرآن: فهذه المسألة انتشرت في زمن الإمام أحمد رحمه الله، فبعض من كان يتفقه فكان يقول: «هَذَا لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ»، فأنكرها الأئمة، ومن أنكرها الإمام أحمد رحمه الله. فيقول الإمام ابن جرير رحمه الله - وابن جرير يعتبر من تلاميذ أحمد أو من تلاميذ تلاميذ - فيقول رحمه الله: إن هذه المسألة لم تأتِ عن صحابي ولا تابعي، بمعنى لم يتكلم فيها أحد من الأول من السلف ومن القرون المفضلة، إلا أنه جاء عن أحمد رحمه الله. قال: «إِلَّا عَمَّنْ فِي قَوْلِهِ الْغِنَى وَالشِّفَاءُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَرِضْوَانُهُ». وأحمد رحمه الله إمام السنة، وكل من عرف السنة عرف مقام هذا الرجل. قالوا: «فِي اتِّبَاعِهِ الرُّشْدُ وَالْهُدَى». وليس هذا من باب التقليد، وإنما هذا من باب الاعتراف باتباع هذا الرجل للسلف وللنبي عليه الصلاة والسلام أولاً. فلذلك لما كان أمره أكثره اتباعاً كان الناس يقتدون به في الأشياء التي تنزل عليهم. قالوا: «مَنْ يَقُومُ قَوْلُهُ لَدَيْنَا مَقَامَ قَوْلِ الْأَئِمَّةِ الْأُولَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ». قال: فإن أبا إسماعيل الترمذي - وهو محمد بن إسماعيل الترمذي، ليس صاحب السنن، صاحب السنن محمد بن عيسى، وهذا محمد بن إسماعيل الترمذي كان عالماً من علماء السنة والحديث - قال: حدثني، قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: «الْأَلْفَاظِيَّةُ جَهْمِيَّةُ» لقول الله جل اسمه: ﴿ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ﴾. فمن سمع أن يقول: «الْأَلْفَاظِيَّةُ»، أولا يقول: مذهبهم إلى التجهم؛ لأنهم قولهم: «لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ»، معناه: عندما يقولون هذا كأنهم يقولون: إن القرآن الذي يخرج من فم القارئ هو مخلوق، وهذا مثل قول الجهمية. قال: ثم سمعت جماعة من أصحابنا لا أحفظ أسماءهم - بمعنى لكثرتهم - يذكرون عنه أنه كان يقول: «مَنْ قَالَ لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ فَهُوَ جَهْمِيٌّ، وَمَنْ قَالَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ». معناه: أن الإنسان لا يتكلم في هذه المسألة، لا يقول: «لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ»، ولا: «غَيْرُ مَخْلُوقٍ»؛ لأنه لو قال: «لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ» كان فيه احتمال أن القرآن الذي يقرأه مخلوق، وإن قال: «غَيْرُ مَخْلُوقٍ» أيضاً أدخل صوته في ذلك. ولهذا يفصل الأئمة في هذه المسألة كما قد تقدم الكلام على ذلك. قال: «وَلَا قَوْلَ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا يَجُوزُ أَنْ نَقُولَهُ إِذْ لَمْ يَكُنْ لَنَا فِيهِ إِمَامٌ نَأْتَمُّ بِهِ سِوَاهُ، وَفِيهِ الْكِفَايَةُ وَالْمَنْعُ، وَهُوَ الْإِمَامُ الْمُتَّبَعُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَرِضْوَانُهُ». وهذه المسألة قد تكلمنا عليها وذكرنا ما فيها من الكلام، ومن قالها أو من بدأ بهذه المسألة. وأما الإمام البخاري كما قلنا فهو بريء من هذا. قال: وأما القول في الاسم: أهو المسمى أم غير المسمى؟ فإنه من الحماقات الحادثة التي لا أثر فيها فيتبع، ولا قول من إمام فيستمع، فالخوض فيه شين، والصمت عنه زين. وهذه المسألة: مسألة هل المسمى الاسم غير المسمى أم أنه المسمى؟ وهذه المسألة من مسائل المعتزلة التي شغبوا بها. والذي ذكره أهل السنة - كما ذكر شيخ الإسلام وغيره - أن الاسم للمسمى، أن الاسم هذا للمسمى، فأسماء الله عز وجل له سبحانه وتعالى، فهي ليست المسمى نفسه، وإنما هي له يتصف بها ويسمى بها. قال: وحسب امرئ من العلم به والقول فيها أن ينتهي إلى قول الله جل ثناؤه الصادق، وهو قوله: ﴿ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَانَ ۖ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ﴾. لا ينبغي أنه يخوض في هذا. وقوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا ﴾. إن عنده العيات، فهو يدعو الله عز وجل بأسمائه الحسنى. قالوا: يعلم أن ربه هو الذي على العرش استوى، وهذا في ثبات الاستواء، وهذا هو قول عامة أهل السنة، بل قول أهل السنة جميعاً، وخاصة السلف وأهل القرون الأربعة، ولم يأتِ تأويل هذا الأمر إلا بعد القرن الرابع، كثر فيه من يتأول هذه الصفة. قال: ﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَىٰ ﴾. فمن تجاوى ذلك فقد خاب وخسر وضل وهلك. فليبلغ الشاهد منكم أيها الناس عن من قال غير هذا، فوصف الله عز وجل بما ليس في القرآن، أو أنكر ما وصف الله ما وصف له نفسه، فقد هلك وخاب. قال: فليبلغ الشاهد منكم أيها الناس من بعد منا، فنأى أي بعد أو قرب فدنى، أن الذين دين الله به في الأشياء التي ذكرناها ما بيناه لكم على وصفنا. فمن روى عنا خلاف ذلك، أو أضاف إلينا سواه، أو نحلنا في ذلك قولاً غيره، فهو كاذب مفتن مترخص معتد، يبوء بسخط الله، وعليه غضب الله ولعنة في الدارين. لأن كثيراً كما قلنا من الناس كان يفتري على هذا الإمام وينسب له أقوالاً لم يقلها. قالوا: حق على الله أن يورده المورد الذي ورد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أضرابه. وهناك من نسب إلى هذا الإمام بعض الأشياء، هو من أهل العلم من أهل الخير، لكن أحياناً يحصل الحسد أو يحصل الوشاية، فيثق ذلك العالم بأناس ينقلون أشياء غير صحيحة، فلذلك حصل مثل هذا بين الأئمة. وأكثر من حصل بينه وبينه - أي من العداوة والقصومة - بين ابن جرير وابن أبي داود، أبو بكر ابن أبي داود. قال: وأن يحله المحل الذي أخبر نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم أن الله يحل أمثاله على ما أخبر به، ما أخبره صلى الله عليه وسلم. قال أبو جعفر: وذلك ما حدثنا أبو قريب محمد بن علال الهمداني، قال: حدثني المحاربي، عن إسماعيل بن عياش الحمصي، وهو حافظ أهل حمص، لكنه في روايته عن غير أهل الشام يضعف. قال: عن ثعلبة بن مسلم الخثعمي، عن أيوب بن بشير العجلي، عن شفي بن ماتع الأصبحي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أَرْبَعَةٌ يُؤْذُونَ أَهْلَ النَّارِ عَلَى مَا بِهِمْ مِنَ الْأَذَى، يَسْعَوْنَ بَيْنَ الْحَمِيمِ وَالْجَحِيمِ، يَدْعُونَ بِالْوَيْلِ وَالتَّبُورِ». يقول أهل النار بعضهم لبعض: «مَا بَالُ هَؤُلَاءِ قَدْ آذَوْنَا عَلَى مَا بِنَا مِنَ الْأَذَى؟» فرجل مُغَلَّقٌ عَلَيْهِ تَابُوتٌ مِنْ جَمْرٍ، ورجل يجر أمعاءه، ورجل يسيل فوه قيحاً ودماً، ورجل يأكل لحمه. فيقول لصاحب التابوت: «مَا بَالُ الْأَبْعَدِ قَدْ آذَانَا عَلَى مَا بِنَا مِنَ الْأَذَى؟» فيقول: «إِنَّ الْأَبْعَدَ مَاتَهُ فِي عُنُقِ أَمْوَالِ النَّاسِ»، هذا الذي في التابوت. ويقال للذي يجر أمعاءه: «مَا بَالُ الْأَبْعَدِ قَدْ آذَانَا عَلَى مَا بِنَا مِنَ الْأَذَى؟» فيقول: «إِنَّ الْأَبْعَدَ كَانَ لَا يُبَالِي إِنْ أَصَابَ الْبَوْلُ مِنْهُ لَا يَغْسِلُهُ». ويقال للذي يسيل فوه قيحاً ودماً: «مَا بَالُ الْأَبْعَدِ قَدْ آذَانَا عَلَى مَا بِنَا مِنَ الْأَذَى؟» فيقول: «إِنَّ الْأَبْعَدَ كَانَ يَنْظُرُ إِلَى كُلِّ كَلِمَةِ بِدْعَةٍ قَبِيحَةٍ فَيَسْتَلِدُهَا كَمَا يَسْتَلِدُ الرَّفَثَ». ويقال للذي يأكل لحمه: «مَا بَالُ الْأَبْعَدِ قَدْ آذَانَا عَلَى مَا بِنَا مِنَ الْأَذَى؟» فيقول: «إِنَّ الْأَبْعَدَ كَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ وَيَأْكُلُ لُحُومَ النَّاسِ». وهذا الحديث منكر لا يصح، وهو شاهد من الشواهد التي تدل على أن إسماعيل بن عياش إذا روى عن أهل الحجاز - وهنا روى عن الخثعمي وهو من أهل الحجاز - فإنه يأتي بالمناكير، وهذا من المناكير التي جاء بها. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا ونكمل في الدرس اللاحق.