الدرس في التعليق على كتاب السيرة النبوية من تاريخ الإسلام للذهبي 18، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
ابتدأ الوحي بالرؤيا الصادقة التي كانت تأتي النبي صلى الله عليه وسلم كالفجر الصادق، ثم حبب الله إليه الخلاء فاعتزل في غار حراء يتعبد الليالي ذوات العدد. فاجأه الحق جبريل في الغار فأمره بالقراءة، فلما قال: ما أنا بقارئ، غطه ثلاث مرات حتى بلغ منه الجهد في بداية نزول القرآن الكريم.
يصف المقطع واقعة نزول الوحي الأولى حيث ضمه جبريل ثلاثاً حتى بلغ الجهد، ثم قرأ عليه أوائل سورة العلق، فرجع النبي مرعوباً إلى خديجة فزملوه حتى ذهب الروع. أخبرها بما حدث وخشي على نفسه، فبشرته خديجة بالخير وذكرت خصاله الحميدة من صلة الرحم وصدق الحديث، مبينة أن الله لا يخزيه أبداً.
يصف المقطع لقاء خديجة بالنبي صلى الله عليه وسلم مع ابن عمها ورقة بن نوفل، الذي كان نصرانياً عارفاً بالكتب السابقة، فبشّره بالنبوة وأخبره أنه سيخرج من قومه ودعا له بالنصر. توفي ورقة بعد ذلك بيسير، وأثنى عليه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه مؤمن ورؤي له في المنام بثياب بيض، مما يدل على حسن خاتمته.
يختتم المتحدث الجلسة الحالية معلناً الاكتفاء بالمادة المطروحة حول بداية الوحي وتصديق ورقة بن نوفل. ويؤكد على استكمال الشرح في درس قادم إن شاء الله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال الإمام الذهبي رحمه الله: «ذكر مبعثه صلى الله عليه وعلى آله وسلم». قالت: حدثنا الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «أول ما بُدئ به النبي صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة». وهذا الحديث في الصحيحين، والإمام الذهبي رحمه الله يذكر مخرج الحديث. والزهري قال عن عائشة: «أول ما بدأ به النبي عليه الصلاة والسلام من الوحي الرؤيا الصالحة». وهذا الحديث هو حديث بدء الوحي الذي ذكره الإمام البخاري بعد حديث النية. وهذا الحديث قد حصل أن شرحت هذا الحديث وبينت مسائله وفوائده في دروس في مسجد التقوى، وهي موجودة في الشبكة، ولهذا هنا غالباً أن نختصر؛ لعدم الإطالة أو لأن الكتاب كبير، ونذكر المهم. فالمهم: قالت عائشة رضي الله عنها: «أول ما بدأ به النبي عليه الصلاة والسلام من الوحي الرؤيا الصالحة». الرؤيا الصالحة: بمعنى الصادقة التي تصدق. معنى: كلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم رؤيا رآها مثل فلق الصبح، يراها أمامه. قال: «ثم حبب إليه الخلاء». عن أول الوحي هو الرؤيا: يرى رؤيا ثم يراها بعينيه عليه الصلاة والسلام. قال: «ثم حبب إليه الخلاء». حبب الله عز وجل إليه الخلاء حتى ينفرد عن الناس ويبتعد عنهم ويخلو بالله جل وعلا. قال: «فكان يأتي حراء فيتحنث فيه». وجاءت أكثر الروايات أنه كان في شهر رمضان أن يتعبد الليالي ذوات العدد. وهذا كلام الزهري. قوله: «يتحنث فيه» فسرها الزهري: أنه الليالي ذوات العدد، أن يجلس عدة أيام. قيل: أنه شهراً، وقيل: أقل من ذلك. وقيل: أنه يجلس شهراً لكنه يتردد على خديجة لأجل أن يتزود من الطعام، أنه يأخذ طعامه وشرابه ثم يذهب إلى الغار، إلى ذلك الغار، وهو غار حراء. وغار حراء في جبل النور، في جبل النور سُمّي حراء، يقال له: جبل حراء، ويقال له: جبل النور. قال: يتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها. يعني: يتزود عندما يذهب ويأخذ معه طعاماً وشراباً، ثم يرجع إلى خديجة ويتزود مرة أخرى ويرجع. قال: «حتى فجأه الحق». وفي رواية: «فجأة الحق». قال: «حتى فجأه الحق». «فجأه»: بمعنى جاءه. و«الحق»: هو المراد به جبريل. قال: «وهو في غار حراء». فجاء الملك فقال: «اقرأ». قال: «فقلت: ما أنا بقارئ». أنا لا... ما أنا بقارئ، لم أتعلم القراءة ولا أعرف أقرأ. أي: «اقرأ» ما يكتب. قال: «فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني». قيل: أن هذه الغطّة أو هذه... لما أخذ النبي صلى الله عليه وسلم... أي: الملك وغطه. وظاهر أن الملك... أنه صحيح أنه جاء في صورة رجل، جاءه في صورة رجل، ولم يأتيه في صورته الحقيقية، وإنما رآه النبي صلى الله عليه وسلم مرتين في صورته الحقيقية كما سيأتي. قال: «فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد». قال بعض أهل العلم: حتى يعلم النبي عليه الصلاة والسلام أن الأمر شديد، وأن الأمر ليس بالهين. قال: «ثم أرسلني فقال: اقرأ». فقلت: «ما أنا بقارئ». فأخذني الثانية فغطني حتى بلغ مني الجهد. «الجهد»: معنى التعب من كثرة ضمه. «غطني»: بمعنى ضمني. قال: «ثم أرسلني فقال: اقرأ». فقلت: «ما أنا بقارئ». فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ حتى بلغ إلى قوله: ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾. قالت عائشة: «قالت عائشة رضي الله عنها: فرجع بها ترجف بوادره». «بوادره»: معنى فرائصه، أو هذه... معنى الأماكن التي هي بين العنق والكتف تسمى بوادره. وهذا الذي قرأه عليه يبين أثر العلم، وأن أفضل شيء هو العلم، وأن أول بعثة النبي صلى الله عليه وسلم بدأت بالعلم: «اقرأ» أي: بالقراءة. وأيضاً ذكر التعليم: ﴿عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾. قالت: «فرجع بها ترجف بوادره حتى دخل على خديجة فقال: زملوني». فزملوا. «زملوني»: أي غطوني. معنى: الذي يكون فيه برد شديد أو يستبرد، يحتاج إلى أن يُدفع، فيدفع بهذا، قد يدفع بثوب أو بغيره. فقال: «زملوني». قال: «فزملوه حتى ذهب عنه الروع». أي: الخوف والفزع، وما وجده من قشعريرة في جسده. قال: «يا خديجة، مالي». وأخبرها الخبر. قال: «قد خشيت على نفسي». فقالت له: «كلا». والظاهر أنه: «قد خشيت على نفسي» كما جاء في رواية البخاري: «لقد خشيت على نفسي». في رواية: «أشفقت على نفسي» عن أن يذهب عقلي من كثرة الخوف. وهذا يدل كله على أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يعلم أنه رسول الله. ولو كان يعلم أنه رسول الله، لا احتمل مثل هذه الأمور. فهذه كما ذكرنا قبل: أن القصص التي فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك، فهي ليست صحيحة. لم يخبره الله عز وجل ولم يعلمه أنه هو نبي. ولهذا لما جاء إليه ورقة بن نوفل... زيد بن عمرو كما ذكرنا... لما جاء زيد بن عمرو إليه، أخبره أن نبياً من الأنبياء سيخرج من مكة، ولم يقل له النبي صلى الله عليه وسلم مثلاً: «أنا» أو كذا. إذا كان عنده خبر لأخبره، لكن ليس عنده خبر من ذلك. ولهذا ارتجف هذا وارتعد حتى قال: «خشيت على نفسي». أي: خشيت على نفسي الجنون، كما هو قول أكثر الشراح، أو خشي على نفسه الموت. قال: «فزملوا حتى ذهب عنه الروع». قال: «يا خديجة، مالي». وأخبرها الخبر. قال: «قد خشيت على نفسي». فقالت له: «كلا، والله لا يخزيك الله أبداً». «لا يخزيك»: الخزي المراد به الإهانة. أي: لا يهينك الله، ولا يفضحك، يظهر عيوبك أمام الناس. «لا يخزيك الله، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل». «تصل الرحم»: معروف. «وتصدق الحديث»: أي: حديثك صدق. «وتحمل الكل»: قيل: أن تحمل الكل أي: تحمل ما يكون تعباً على غيره فتحمله. وقيل غير ذلك. قيل: تحمل الكل أي: تحمل ما يكون فيه ما يحتاجه الناس من صدقة وغيرها تتحمله عنهم. لكن الأول أولى. «وتعين على نوائب الحق». في رواية: «وتكسب المعدوم». «تكسب المعدوم»: معنى: أنك تأتي بالأشياء التي لا... لا يأتي بها أحد. وقيل: «تكسب المعدوم» وهو الأصح: أنك تعطي الذي لا يجد الشيء تعطيه. معنى: لا يجده، تتصدق عليه بما عندك فتعطيه. «المعدوم»: هو الذي لا يجد الشيء. «وتكسب المعدوم». «وتعين على نوائب الحق»: أن النوائب الحق أي: ما يحدث للناس، فأنت ممن يعين الناس على الخير، ويعين الناس على الكروب. أحياناً ينزل بالرجل كرب وشدة فيحتاج إلى من يعينه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعين هؤلاء. قال: «ثم انطلقت به خديجة إلى ابن عمها ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى». تعني: ابن عمها، أي: ابن عم أبيها. وقيل: ابن عمها مباشرة. وورقة بن نوفل بن أسد، وهي خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى. يعني: هو العصل أنه ابن عم أبيها، ابن عم أبيها. فقال: ولهذا جاءت في رواية أنه قالت: «يا عم»، وفي رواية: «ابن عم». وصحيح أنه عمها، معنى: من باب أنه ابن عم أبيها. قال: «وكان امرأً تنصر في الجاهلية». وقد ذكرنا ذلك في قصة زيد بن عمرو. «وكان يكتب الكتاب العربي، فكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب». وكان شيخاً قد عمي. قال: «فاسمع من ابن أخيك». فقال: «يا ابن أخي، ما ترى؟» فأخبره. فقال ورقة: «هذا الناموس الذي أنزل على موسى». «الناموس»: معنى: الذي يأتي سراً، الشيء الذي يأتي سراً يقال له ناموس. قال: «الذي أنزل على موسى. يا ليتني فيها جذعاً». لأن الملك يأتي خفية، ما يراه أحد، ولهذا قيل له: ناموس. قال: «يا ليتني فيها جذعاً إذ يخرجك قومك». قال: «أو مخرجيهم؟» قال: «نعم، لم يأتِ أحد بمثل ما جئت به إلا عُودي، وإن يُدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً». وهذا يدل على أن ورقة كان عنده علم من الإنجيل أن محمداً صلى الله عليه وسلم سيبعث. فلما ذكر له ما رأى، عرف أنه نبي الأمة، وقال: «ليتني فيها جذعاً إذ يخرجك قومك». قال: «أو مخرجيهم؟» قال: «نعم، ما من أحد جاء بمثل ما جئت به إلا عُودي». «إلا عُودي وأُودي»: عاداه قومه. «ويدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً». قال: «ثم لم ينشب ورقة أن توفي». قيل: أنه توفي قبل بعثة النبي عليه الصلاة والسلام، قبل أن يشتهر أمره. وقيل: أنه بداية ما اشتهر. وجاءت روايات عند الزبير والبكائي وغيره، لكنها مراسيل ومعضلات، على أن ورقة رأى تعذيب الصحابة، ومر على بلال، لكن لم يصح شيء من ذلك. قال: «فروى الترمذي عن أبي موسى الأنصاري عن يونس بن بكير عن عثمان بن عبد الرحمن عن الزهري عن عروة عن عائشة: سئل النبي عليه الصلاة والسلام عن ورقة، فقالت له خديجة: إنه يا رسول الله قد صدقك، وإنه مات قبل أن تظهر. فقال: رأيته في المنام عليه ثياب بيض، ولو كان من أهل النار لكان عليه لباس غير ذلك». وهذا إسناد فيه ضعف، وعثمان بن عبد الرحمن الذي في الإسناد فيه كلام. وأيضاً لم يروه أحد من أصحاب الزهري بهذا السياق. لكن جاءت مراسيل وأحاديث تدل على أن ورقة أسلم. قال: «وجاء من مراسيل عروة أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: رأيت لورقة جنة أو جنتين». وفي رواية: «دوحتين عن شجرات كبيرات في الجنة». وخلاص ما يذكر: أن ورقة أسلم، وأثنى عليه النبي عليه الصلاة والسلام. وجاء في حديث: «لا تسبوا ورقة، فإنه مؤمن». طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا ونكمل في درس قادم.