الدرس في التعليق على النبذة الشريفة النفيسة في الرد على القبوريين 6، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش الدرس مسألة شرك المحبة ودعاء غير الله، ويبين أن من يدعو غير الله أو يحب مخلوقًا كما يحب الله فقد جعله ندًا لله. يذكر أيضًا أقسام الشرك ومنها شرك المحبة والدعوة والطاعة.
يتناول الدرس تحذيرًا من الشرك بالله واتخاذ الأنداد معه، ويشير إلى أن بعض الناس قد ينحرفون عن طريق الله عندما يمنحهم النعم. يُبين أن المؤمنين أشد حبًا لله من عباد الأصنام لأوثانهم.
يشرح الدرس مفهوم شرك الطاعة ودعاء غير الله، ويستدل على ذلك بآيات قرآنية تشير إلى أن إطاعة غير الله في تحليل الحرام وتحريم الحلال يعتبر شركًا. كما يبين أن المشركين سيتبرؤون يوم القيامة من الذين عبدوهم من دون الله.
يتم ختام الدرس بنية استكماله في درس لاحق، مع التأكيد على أن العلم بيد الله تعالى. يُظهر الدرس أهمية الاستمرار في طلب العلم والتحذير من الشرك.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ثم بعد، ذكر المؤلف رحمه الله عندما رد على هذا الذي قال بأن إطلاق الكفر بدعاء غير الله غير مسلم، وذكر وجوهًا على ذلك، فرد عليه بهذه المقدمة، وذكر أن النصوص تدل على خلاف ذلك. ثم قال رحمه الله: فمن أحب مخلوقًا كما يحب الله، أو رجاه كما يرجو الله، فقد جعله ندًا لله، وصار من الخالدين في النار، لقول الله عز وجل: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبًا لله﴾ إلى آخر الآية. في آخرها، قال: ذكر أنهم في النار، وما هم بخارجين من النار. قالوا: في صحيح البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من مات وهو يدعو لله ندًا دخل النار»، «من مات وهو يدعو من دون الله ندًا دخل النار». فهذا إطلاق، فهذا نصوص فيها إطلاق. لكن عند التحقق، يقال: إن من دعا غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فهو مشرك. وكذلك أيضًا إذا دعا الميت. قالوا: في الصحيحين، أي عن عبد الله بن مسعود أيضًا، أنه سئل: أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندًا وهو خلقك»، «أن تجعل لله ندًا وهو خلقك». والند: المثل. قال الله عز وجل: ﴿فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون﴾. وقال تعالى عن أهل النار: ﴿تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين﴾. والند غالبًا يكون في الشرك في المحبة والهوى، فيكون غالبًا الشرك في هذه الأمور يكون ندًا اتخذه ندًا من دون الله. وقد ذكر شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله أن الشرك ينقسم إلى أربعة أقسام: شرك الدعوة، وشرك الطاعة. وكذلك أيضًا أن الشرك الذي يكون في الألوهية، والشرك المحبة. شرك المحبة تذكر هذا الذي يتخذ من دون الله ندًا. قالوا: معلوم أنهم ما ساووهم به في الخلق. فقال الله عز وجل: ﴿تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين﴾. ومعلوم أنهم ما ساووهم به في الخلق والرزق والإحياء والإماتة، وإنما ساووهم به في الدعاء والخوف والرجاء والمحبة والتعظيم والإجلال؛ لأنهم يعلمون أن هؤلاء لا يخلقون ولا يرزقون. وقال الله عز وجل: ﴿وإذا مس الإنسان ضر دعا ربهم منيبًا إليه ثم إذا خولهم نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل وجعل لله أندادًا ليضل عن سبيله قل تمتع بكفرك قليلًا إنك من أصحاب النار﴾. قال: فصرح بكفره، وأمر نبيه عليه الصلاة والسلام أن يقول لمن هذه حاله: تمتع بكفرك قليلًا إنك من أصحاب النار. أنه إذا مسه الضر دعا ربه منيبًا إليه، راجعًا إلى الله. وإذا خولهم نعمة أعطاهم هذه النعمة أو ما طلب، نسي ما كان يدعو إليه من قبل، وجعل لله أندادًا ليضل عن سبيله. وجعل لله أندادًا في المحبة والتعظيم والإجلال، فهو يحبهم أعظم من حبه لله، أو كحبه لله على التفسير الآخر؛ لأن في الآية تفسيرين. والذين آمنوا أشد حبًا لله، قال بعض السلف: أي أشد حبًا لله من محبة عباد الأصنام وعباد الأوثان لأوثانهم. أن أهل الإيمان يحبون الله عز وجل أشد من أولئك. وقيل: إن المراد أن هؤلاء المشركون يحبون الله، لكن يحبون آلهتهم أكثر من محبتهم لله، فلهذا صاروا معنى اتخذوا ندًا من دون الله. قالوا: قال الله عز وجل: ﴿ومن يدع مع الله إلهًا آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون﴾. وقال جل وعلا: ﴿ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادًا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابًا أي أمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون﴾. قال: فبين أن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابًا كفر. وقال جل وعلا: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾. وشرك الربوبية، أو شرك اتخاذ الملائكة والنبيين أربابًا، بجعل أنهم يطيعونهم فيما حرم الله فيحلونه لهم، مثل ما قال الله عز وجل في النصارى: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله﴾. فجاء عند الترمذي، وإن كان في سنده شيء من الانقطاع لكن معناه صحيح، جاء عند الترمذي عن عدي بن حاتم لما دخل على النبي صلى الله عليه وسلم، ويقرأ هذه الآية: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله﴾، فقال: يا رسول الله، ما اتخذناهم أربابًا. فقال: «لم يحلوا لكم الحرام فاتبعتموهم، وحرموا عليكم الحلال فاتبعتموهم». قال: نعم. قال: «فذلك عبادتهم إياهم». ولهذا قال الله عز وجل: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون﴾. وهذا الذي قصده الشيخ بشرك الطاعة. ﴿وإن أطعتموهم إنكم لمشركون﴾. والمراد: إن أطعتموهم أي في تحليل ما حرم الله وتحريم ما حل الله. وليس كما فسرها الخوارج كذلك في هذا العصر، فسرها السرورية والقطبية، فظنوا أن المراد به مجرد الطاعة، وحملوا هذه الآية على الحكام. هما ما عندهم كفر إلا على الحكام. فقالوا في قول الله عز وجل: ﴿وإن أطعتموهم إنكم لمشركون﴾، مع أن هذه الآية ما نزلت في الحكام، وإنما نزلت في المشركين. لما كانوا يقولون -قالوا لبعض المسلمين- قالوا: كيف تأكلون ما ذبحتم؟ ورجاء في رواية: إنهم قالوا: كيف تأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون ما قتل الله؟ على الميتة يريدون الميتة؛ لأن المشركين كانوا يأكلون الميتة. فقالوا للمسلمين: كيف تأكلون ما قتلتم الذي تذبحونه وتأكلونه، والذي يقتله الله -معنى تموت بدون ذبح- لا تأكلونها؟ أنا وضع شبهة للمسلمين حتى يحلوا ما حرم الله. فقال الله عز وجل: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾؛ لأن هذه ماتت ميتة لم يذكر اسم الله عز وجل عليه. ﴿وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون﴾؛ فلهذا فشرك الطاعة المراد به أن يحل سواء كان حاكمًا أو سواء كان رب بيت أو سواء كان غيره ممن يطاع. فإن أطيع في تحليل الحرام وتحريم الحلال، فهو يعتبر شركًا أن اتخذه ربا من دون الله. قال: وقال الله عز وجل: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾. وقال فيه: ما حكاه عن المسيح: ﴿إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار﴾. وقال جل وعلا: ﴿والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير﴾. قال: فدلت الآية الكريمة على أن أعظم شركهم إنما هو دعاء غير الله؛ لأنه قال: ﴿والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير﴾. والقطمير هو القشرة التي على نواة التمر، القشرة التي تكون على نواة التمر تسمى قطمير. والنقير هو الفتيلة التي تكون في نواة التمر في بطنها. فقال: فأخبر أنهم لا يملكون من قطمير، وهو القشرة الذي يكون على ظهر النواة، أي ليس لهم من الأمر شيء وإن قل. معنى ما يملكون حتى هذه القشرة التي على النواة. قال: ثم أخبر أنهم لا يسمعون دعاءهم، وأنهم لو سمعوا ما استجابوا لهم؛ لأنهم أموات أموات غير أحياء. ﴿وما يشعرون أيان يبعثون﴾. قال: وهذا صريح في دعاء المسألة، أي أنه شرك بالله عز وجل إذا دعي غير الله. ثم أخبر أن هذا شرك يكفرون به يوم القيامة، فقال: ﴿ويوم القيامة يكفرون بشرككم﴾. فقول: كلا، سيكفرون بعبادتهم، ويكونون عليهم ضدًا. أي هؤلاء الذين عبدوهم. وقال جل وعلا: ﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون﴾. حصب: أي حطب لجهنم. هؤلاء الذين تدعونهم من دون الله سيكونون حطبًا يوم القيامة، إلا من كان من أهل الإيمان، كما قال الله عز وجل: ﴿إن الذين سبقت لهم من الحسنى أولئك عنها مبعدون﴾. قال رحمه الله: وقوله: ﴿وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين﴾. يكفرون بعبادة هؤلاء لهم، ويتبرؤون منهم. قال: والله سبحانه قد أرسل رسله، وأنزل كتبه ليعبد وحده، ويكون الدين كله لله، ونهى أن يشرك به أحد من خلقه. ثم ذكر بعض الأشياء التي يؤكد بها أن ما وقع في هؤلاء هو الشرك بعينه. طيب إن شاء الله تعالى نكمل في درس لاحق، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.