الدرس في كتاب الطلاق من صحيح البخاري 26، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع باب اللعان في صحيح البخاري مبيناً أصله في رمي الزوج زوجته بالزنا أو نفي الولد كما ورد في سورة النور. ويناقش أقوال العلماء في اعتبار إشارة الأخرس وكتابته كالكلام الصريح في الطلاق والقذف والاعتكاف.
يستعرض المقطع إجراءات اللعان أمام القاضي حيث يحلف الزوج أربع شهادات بالله ثم يلعن في الخامسة، وترد الزوجة بمثلها وتغضب الله عليها في الخامسة إن كان كاذباً. يفرق بين من رأى الزنا بعينه فيجوز له اللعان، ومن قذف بالظن فيعد آثماً مع وجوب التفريق بينهما بعد اللعان.
يبين المقطع أحكام خروج الزوجة من بيت زوجها عند ثبوت زناها، وحرمة الدياثة وقبول توبة الزوجة إن صدقت. كما يتناول حكم إشارة الأخرس واعتبارها قذفاً موجهاً للحد.
يستعرض المتحدث قبائل الأنصار كقبيلة بني عبد الأشهل وبني الحارث بن الخزرج مؤكداً أن في كل دور الأنصار خيراً. ويختتم المقطع بالإشارة إلى حديث تفضيل دور الأنصار وعموم خيرهم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام البخاري رحمه الله: باب اللعان، وقول الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ ﴾ إلى قوله: ﴿ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴾. قال: فإذا قذف الأخرس امرأته بكتاب أو إشارة أو بإيماء معروف فهو كالمتكلم، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قد أجاز الإشارة في الفرائض، وهو قول بعض أهل الحجاز وأهل العلم. وقال الله تعالى: ﴿ فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ﴾. وقال الضحاك: لا رمزة إلا إشارة. وقال بعض الناس: معنى في قصة نبي الله زكريا. وقال بعض الناس: لا حد ولا لعن، ثم زعم أن الطلاق بكتاب أو إشارة أو إيماء جائز، وليس بين الطلاق والقذف فرق. فإن قال: إن القذف لا يكون إلا بالكلام، قيل له: كذلك الطلاق لا يكون إلا بالكلام، وإلا بطل الطلاق والقذف، وكذلك الاعتكاف، وكذلك الأصم يلاعن. وقال الشعبي وقتادة: إذا قال: أنت طالق، فأشار بأصابعه، تبين منه بإشارته. وقال إبراهيم: الأخرس إذا كتب الطلاق بيده لزمته. وقال حماد: الأخرس والأصم إن أشار برأسه جاز. وهذا ليس على عادة البخاري رحمه الله أنه يناقش المسائل، وإنما يذكرها ويدلل عليها، لكن في هذا ناقش هذه المسألة، وأيضا سيأتي معنا أنه يناقش بعض المسائل، وخاصة في الطلاق، لأن هذا الباب قد شُدَّ فيه بعض الفقهاء وأتى بكلام غير صحيح. ومن ذلك هذه المسألة التي ذكرها الإمام البخاري، وهو قذف الأخرس. الأخرس الذي لا يتكلم، يعني يقذف امرأته بإشارة، يقذفها بإشارة تعرف بإشارته، فهو كالمتكلم إذا كان عرف ذلك منه صريحا، وعلى عرف الناس أن هذه الإشارة المراد بها الزنا أو القذف، فهذه تعتبر قذفا. طيب، أما المسألة الأساسية الأصلية، وهذا انجر البخاري إليها، المسألة الأساسية هي باب اللعان. اللعان هو ما ذكره الله عز وجل في هذه الآيات في بداية سورة النور، وهو رمي الرجل زوجته بالزنا أو بنفي الولد، أن اللعان يكون إما رمي المرأة بالزنا أو ينفي ولدها، يقول: هذا الولد ليس ولدي، فهذا معنى أنه يقذفها بالزنا وأنها زنت. لهذا فإذا قال هذا، إما أنه صرح بقذفها أو صرح بأن الولد ليس ولده، فهنا يلاعن عند القاضي، فيشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، أن كل شهادة تكون أربعا، وهذا من حكمة الله عز وجل أن جعل اللعان شهادة الرجل بأربع شهادات، لأن غالب هذه الأشياء لا يراها أحد إلا قد يراها الزوج، لأنها تحصل في بيت غالبا، فيرى المرأة أو أن رجلا دخل على امرأته، أو أنه رآه يزني بها، أو غير ذلك مما يدل على هذا، فالغالب أن هذا لا يطلع عليه إلا شخص أو شخصان، لهذا كانت شهادة الزوج أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين. ثم يحلف ويلعن نفسه في الخامسة، قال: ﴿ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ﴾. واختلف العلماء في صيغة هذا اللعن، فأخذ بعضهم على ظاهر الحديث، يقول في الخامسة: وأن لعنة الله عليه، أو يقال: أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. وهي أيضا تدرأ هذا العذاب بأن تشهد أربع شهادات أنه من الكاذبين، والخامسة: ﴿ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴾. وقد حصل اللعان في زمن النبي عليه الصلاة والسلام كما سيأتي في الأحاديث. وإذا قذف الرجل زوجته ولم يطلع بها إلى الحاكم، أو رماها بالزنا، قال لها: أنت تزنين بفلان، ولم تطلع هذه القضية إلى الحاكم، فهذا يعتبر قذفا، يعتبر قذفا، إلا إذا كان قد رأى ذلك بعينه. إذا رأى ذلك بعينه، أما إذا كان أخذه من كلام الناس أو أنه شك فيها أو كذا، فهذا يعتبر قذفا، وهو كبيرة من كبائر الذنوب. إن أراد أن يلاعنها عند القاضي لاعنها، وإلا تكون عليه إثم وعليه كبيرة، عليه كبيرة إن لم... إذا كان مثلا كما قلنا أراد أن يلاعنها، لاعنها عند القاضي، ثم يفرق بينهما القاضي، يفرق بينهما. وإن كان مثلا يقول: أنا ما... ما أصون سمعة زوجتي وكذا، فلا يجوز له أن يقذفها أو أن يتهمها، ممكن أنه يسألها: أين ذهبتِ؟ أين كذا؟ فيحذرها، يحبسها إذا رأى منها أشياء لا تليق، أو رأى أناسا يرددون مثلا على بيت أو غير ذلك، فإنه يعمل الحل في ذلك إذا أراد هذه المرة. أما إذا عرف أنها زنت، فهذا الواجب أنه يخرجها من بيته، كما قال الله عز وجل: ﴿ فَإِنْ أَحْسَنَّ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾... أو قال لما ذكر الخروج: ﴿ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ﴾، معنى ما يخرجها من بيته إلا إذا زنت، فهو يخرجها من بيته، فيخرج هذه المرأة، وهذا الأولى. وإن مثلا تابت وأراد أن يبقيها، فله ذلك، لكن الأفضل أنه يخرجها مادم أنه تأكد أنها زنت، إما أن يلاعنها وإما أن يخرجها من بيته ويطلقها، يطلقها، وهذا إذا كان لا يريد أن يلاعنها. وإن خاف مثلا أو خشي على أولاده أن يتفرقوا أو كذا، فإن يصحها ويعظها، إن تابت قبلها، وإلا فلا يجوز له أن يجعلها في بيته وهو تعرف أنها تزن، ولا يجوز له أن يتركها كذلك، وهذه دياثة، لا يجوز أن يكون الإنسان ديوثا. قد جاء في بعض الأحاديث: أشد الناس عذابا يوم القيامة، ذكر منهم الديوث، والديوث هو الذي يقر الخبث في أهله. ثم ذكر قضية الأخرس، وأنه إذا كتب أو أشار بإشارة مفهمة أو إيماء معروف أو أشار برأسه، عندما تكلم إنسان آخر، هناك من يتكلم على امرأته ويقول لها: أنت تفعلين وتفعلين، فيقول فيشير برأسه أنه مقر بهذا، فهذا أيضا يعتبر قذفا، يعتبر قذفا. قال: حدثنا قتيبة، قال: حدثنا ليث، وهو ابن سعد، أبو الحارث، في الفقه، قال: حدثنا يحيى بن سعيد الأنصاري، يحيى بن سعيد الأنصاري من حفاظ أهل المدينة، قال: أنه سمع أنس بن مالك يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ألا أخبركم بخير دور الأنصار؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «بنو النجار، ثم الذين يلونهم بنو عبد الأشهل، ثم الذين يلونهم بنو الحارث بن الخزرج، ثم الذين يلونهم بنو ساعدة». ثم قال بيده فقبض أصابعه ثم بسطهن كالرامي بيده، ثم قال: «وفي كل دور الأنصار خير». قال: هكذا وبسطها، في كل دور الأنصار خير. ووجه الشاهد من هذا الحديث هو الإشارة، أراد أن يبين الإيماء. البخاري كذلك، مثل ما تقدم في الطلاق، أيضا هنا أراد أن يبين أن الإشارة المفهمة لها أثر ولها حكم، لها أثر في الشريعة ولها حكم، قد بين ذلك بأحاديث كثيرة قد مرت معنا في الباب الذي قبله. وفي هذا الحديث فيه أن أفضل الأنصار هم بنو النجار، وهم أخوال النبي عليه الصلاة والسلام، وأول ما سكن النبي صلى الله عليه وسلم سكن عندهم، سكن في بيت أبي أيوب الأنصاري النجاري، والمسجد أيضا الذي بناه النبي صلى الله عليه وسلم كان في بني النجار. ثم ذكر بنو عبد الأشهل، وهم قبيلة سعد بن معاذ، رضي الله عنه، وهكذا بنو الحارث بن خزرج، قبيلة سعد بن عبادة، أو سعد بن معاذ، بني سعد، قبيلة عبادة، أو سعد بن عبادة، وغيرهم من الأنصار. ثم قالوا: في كل دور الأنصار خير. طيب، نكتفي بهذا والله تعالى. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر