كتاب الطلاق من صحيح البخاري 25

كتاب الطلاق من صحيح البخاري 25

الدرس في كتاب الطلاق من صحيح البخاري 25، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

حديث ابن أبي أوفى في إفطار الصائم عند غروب الشمس

يروي عبد الله بن أبي أوفى أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بإفطار الصائم عند غروب الشمس وشرب اللبن، مبيناً أن اقبال الليل من المشرق علامة الإفطار. ويوضح الحديث جواز الإفطار بما يتيسر من طعام أو شراب دون تكلف.

سند حديث الإفطار باللبن وقصة توبة ابن مسلمة

يتناول المقطع سند حديث شرب النبي صلى الله عليه وسلم اللبن وتصحيح الوهم في رواية عبد الله بن مسلمة. ويسرد قصة توبته على يد شعبة بن الحجاج ورحلته للأخذ عن مالك بن أنس حتى صار من أحفظ الناس للموطأ.

أحكام السحور وتمثيل البخيل والمنفق

يبين المقطع أن أذان بلال لا يمنع من السحور بل يُنتظر أذان ابن أم مكتوم أو الفجر الصادق. ويضرب مثل البخيل والمنفق بجبتين من حديد تتسع بالإنفاق وتضيق بالبخل دلالة على بركة العطاء.

الاعتداد بالإشارة في الأحكام الشرعية

يشرح المقطع اعتبار الإشارة بالإصبع إلى الحلق كدليل شرعي معتبر في السياق القانوني. ويستدل بذلك على أن الإشارات الحسية المعبرة عن القصد معتمدة في إثبات الأحكام.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى في باب الإشارة في الطلاق والأمور: قال حدثنا علي بن عبد الله، قال حدثنا جرير بن عبد الحميد. وعلي بن عبد الله هو أبو الحسن المديني الإمام. قال البخاري رحمه الله: ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن عبد الله، وأنا أرى أني صغير جداً، وأنا بعيد عنه في العلم لكثرة علمه. قال حدثنا جرير بن عبد الحميد، هو الجريري الكوفي، قال: عن أبي إسحاق الشيباني، بسمه سليمان، عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله تعالى عنهما، قال: كنا في سفر مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فلما غربت الشمس قال لرجل: انزل فاجدح لي، فاجدح لي، أي: اغرف لي. قال: يا رسول الله، لو أمسيت؟ قال: حتى تمسي. وظن هذا الصحابي أن الشمس لم تغرب بعد لكثرة ضوء النهار. قال: ثم قال: انزل فاجدح. قال: يا رسول الله، لو أمسيت؟ إن عليك نهاراً. ثم قال: انزل فاجدح. قال: فنزل فاجدح له في الثالثة، فشرب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثم أشار بيده للمشرق، فقال: «إذا رأيتم الليل قد أقبل من ههنا فقد أفطر الصائم». والنبي عليه الصلاة والسلام أراد أن يبين أن الصائم يفطر متى ما غربت الشمس. قد ذكر في هذا الحديث في الرواية الأخرى ثلاث علامات: إذا أدبر الليل من ههنا، وإذا أقبل الليل من ههنا، أي من المشرق، وأدبر النهار من ههنا، يعني: ظهر السواد، سواد الليل في المشرق، وأدبر النهار من ههنا، أي من المغرب، وغربت الشمس، فقد أفطر الصائم. أنا إذا لم تروا الشمس فهناك أيضاً علامات أخرى على الغروب. وجه الشاهد هنا قوله: «فأشار بيده إلى المشرق»، معنى: أشار إلى المشرق. وهذا الحديث فيه ما ذكر في الإشارة أنه أشار بيده، يريد أن يبين لهم أن ظهور الليل من ههنا هو علامة على إفطار الصائم. وقوله في الحديث: «اجدح لنا»، الجدح هو يسمى بالمجدح، وهو خشب لها ثلاث جوانب، وقيل: إنه عود معروض كالرأس وكالملعقة، يغرف به اللبن أو غيره. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يغرف لبنه. وهذا يدل على أنه يجوز للإنسان أن يفطر بما معه، إن كان تمراً فهو أفضل، وإن كان غيره أفطر بغيره. فهذا في الحديث شرب النبي صلى الله عليه وسلم لبناً وأفطر به. ثم ذكر أيضاً هنا حديثاً: قال حدثنا عبد الله بن مسلمة، قال حدثنا يزيد بن زريع، عن سليمان التيمي. وسليمان بن طرخان، وعبد الله بن مسلمة بصري، ويزيد بن زريع أيضاً بصري أبو معاوية. وهذا يدل على خطأ من قال: إن عبد الله بن مسلمة لم يروِ عن بصري إلا شعبة، بل روى عن يزيد بن زريع وعن غيره. قال: عن سليمان التيمي. عبد الله بن مسلمة القعنبي، ذكر له قصة توبته وطلبه للحديث، وأنه كان من أهل اللهو والغناء. فذات مرة كان جالساً مع أصحابه، فمر شعبة بن الحجاج ومعه جماعة من طلبة العلم حوله، فقال: من هذا؟ فقال له: هذا شعبة بن الحجاج، عالم الحديث. فقام فذهب إليه، وقال: حدثني. وهو معه آلات لهو. قال: حدثني. فقال: وما أحدثك؟ قال: حدثني حديثاً. فكأن شعبة أراد أن يرفض، فرأى... فقام هذا عبد الله بن مسلمة، قال: والله لتحدثني حديثاً. ثم سرد شعبة رضي الله عنه رحمه الله حديث شداد، حديث المستورد بن شداد: «إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت». إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: «إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت». فحفظ هذا الحديث عبد الله بن مسلمة عن شعبة، حتى أنه لم يروِ عنه حديثاً إلا هذا الحديث. وذكرت رواية أخرى أنه دخل إلى بيته، وكان شعبة يبول في بيته، فدخل عليه عبد الله بن مسلمة يريد أن يحدثه، فحدثه بهذا الحديث. ثم قال له رجل: إن أردت العلم فهو في المدينة، هناك مالك بن أنس يعلم الناس. فذهب عبد الله بن مسلمة إلى المدينة، وأخذ العلم من مالك، حتى صار أحفظ الناس، أو من أحفظ الناس لحديث مالك بن أنس. وقد اعتمده الإمام مسلم في رواية الموطأ، واعتمد البخاري عبد الله بن يوسف. أنا أكثر أحاديث الموطأ يرويها البخاري عن عبد الله بن يوسف التنيسي، ومسلم يروي حديث الموطأ من طريق عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي. قال حدثنا يزيد بن زريع، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان. وأبو عثمان هو عبد الرحمن بن مل، ويقال: ابن مل، ويقال: ابن مل على الثلاثة، وهو من خيرة الناس، حفاظ الدنيا، وأيضاً نشر العلم، وكان أيضاً يغزو في الثغور. قال: عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يمنعنكم من سحوركم نداء بلال، أو قال: أذانه، فإنما ينادي، أو قال: يؤذن، ليرجع قائمكم، وليس أن يقول: كأنه يعني الصبح أو الفجر». وأظهر يزيد يديه، ثم مد إحداهما من الأخرى، عن ظهور الضوء. لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «حتى يعترض». وأشار بيديه: اعتراض الفجر. «لا يغرنكم، ولا يمنعنكم أذان بلال من الطعام والشراب، حتى يؤذن ابن أم مكتوم». وجاء في الرواية هذه: «حتى يظهر الفجر». وأشار إلى المشرق، أي: بظهور الفجر، وأنه ينتشر حتى ينتشر الأحمر، كما جاء في الحديث الآخر. وهذا وجه الشاهد، وهو الإشارة. وقال: وقال الليث: حدثني جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز، الأعرج، قال: سمعت أبا هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مثل البخيل والمنفق، كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد، الجبتان تشبه القميص، لكنها مزرورة من الأسفل، من لدن ثديهما إلى تراقيهما». أن هذه الجبتان لصقت من ثديهما إلى الخصر، إلى تراقيهما. أن الترقوة هي التي تكون عند الحلق. قال: «فأما المنفق، فلا ينفق شيئاً إلا ماتت، أو اتسعت على جلده، حتى تُجن بنانه، وتعفو أثره». معنى: من تضييقها، أم معنى أنها تتوسع؟ قال: «وأما البخيل، فلا يريد أن ينفق شيئاً إلا لزمت كل حلقة موضعها». أعني: ما تحرّج. لكن المنفق تتوسع فيه. قال: «فهو يوسعها، فلا تتسع». ويشير بإصبعه إلى حلقه، أي: يوسع، يريد أن يوسع هذه الجبة، لا تتسع. وهنا ذكر: «إلا ثديهما». معنى: يقال لثندوة الرجل: ثدي، في لغة العرب. لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إلا ثديهما»، والمراد: ثندوة الرجل، يسمى ثندوة، ويسمى أيضاً ثدي. ووجه الشاهد من هذا الحديث: إشارته عليه الصلاة والسلام إلى التوسعة، والمراد أنها تتسع هذه الجبة على البخيل، يعني: يوسع الله عز وجل عليه، كلما أنفق، كلما توسع رزقه، كلما أخرج من ماله توسع. وأما البخيل، فإنه يضيق عليه، يضيق عليه في حياته، عنده الأموال ولكنه لا يستمتع بهذه الأموال، ولا يبارك الله عز وجل فيها، ولا أيضاً كذلك يجد الراحة فيها، لا يجد الراحة فيها، فلذلك فهي تضيق عليه، تضيق عليه كلما زادت الأموال ضيقت عليه. وأما المنفق، فتتوسع عليه أموره في الدنيا والآخرة. معناه: قال هنا: يريد، قال: يشير بإصبعه إلى حلقه، معناه: يريد أن يوسعها من ترقوته، فلا تتسع، وإنما تضيق عليه. وهذا وجه الشاهد، كما قلنا: أنه يعتد بالإشارة. قد تكلمنا على هذه المسائل فيما سلف، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.