التعليق على النبذة الشريفة النفيسة في الرد على القبوريين 5

الدرس في التعليق على النبذة الشريفة النفيسة في الرد على القبوريين 5، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

الدعاء والشرك في العبادة

الدعاء هو العبادة ويجب أن يكون خالصًا لله وحده، بينما المشركون كانوا يشركون غير الله في الدعاء والذبح والنذر والتوكل. القرآن يبين بطلان اعتقادهم أن الأصنام تنفع أو تضر.

حقيقة دعاء غير الله وشرك المشركين

المشركون كانوا يدعون غير الله ظنًا منهم أنهم يتوسطون لهم عند الله، لكن القرآن يبين بطلان هذا الفعل ويؤكد أن الله وحده هو القادر على كشف الضر وإجابة الدعاء.

نفي الشفاعة بدون إذن الله وتحليل الشفاعة المقبولة

الشفاعة بدون إذن الله باطلة، بينما الشفاعة المقبولة تكون بإذن الله وبرضاه عن المشفوع له. دعاء غير الله يعتبر شركًا وكفرًا.

خطورة جعل المخلوق ندًا لله

من أحب مخلوقًا كما يحب الله أو رجاه كما يرجو الله فقد جعله ندًا لله وسيكون من الخالدين في النار. سيتم ذكر أدلة على هذه المسألة في درس لاحق.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وآله وسلم. أما بعد، ذكر المؤلف -رحمه الله، الشيخ محمد بن ناصر- أثمان المعمر. ذكر -رحمه الله- أن الدعاء هو العبادة، وأن المراد بالآية قوله جل وعلا: ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم﴾ أن المراد به الإخلاص في الدعاء لله جل وعلا. ﴿وقال ربكم ادعوني﴾ أي أخلصوا لي دعوتكم وعبادتكم، فأثيبكم على ذلك الإخلاص. ثم ذكر أن الدعاء من أفضل العبادات وأجل الطاعات. قالوا: لهذا أخبر أنه الدين. الله عز وجل أخبر في الآيات أن الدين هو الحي لا إله إلا هو، ﴿فادعوه مخلصين له الدين﴾ أي مخلصين له العبادة. وقال جل وعلا: ﴿فادعوا الله مخلصين له الدين﴾، فجعل الدعاء هو الدين، والعبادة هي الدين. قالوا: من تأمل أدلة الكتاب والسنة علم أن شرك المشركين الذين كفرهم النبي عليه الصلاة والسلام إنما هو في الدعاء والذبح والنذر والتوكل والالتجاء ونحو ذلك. أن هذه العبادات هي التي أشركوا بها. ما كانوا يصلون للأصنام، ولا كانوا أيضًا يصومون للأصنام، وإنما أكثر شركهم هو الدعاء، وكذلك الذبح والنذر والالتجاء وغيرها من هذه الأمور التي يفعلها أهل القبور عند قبور ما يسمونهم بالأولياء. قال -رحمه الله-: فإن جادل مجادل وزعم أنه ليس هذا معنى -ليس هذه الأمور التي كان المشركون يفعلونها من الدعاء والذبح والنذر لغير الله- قيل له: فأخبرنا عن ما كانوا يفعلون عند آلهتهم، وما الذي يريدون، وما هذا الشرك الذي حكاه الله عنه؟ لا شك ولا خلاف بيننا وبين هؤلاء عباد القبور وغيرهم أن المشركين -أو أن كفار قريش- كانوا يشركون بالله كما صرحت بذلك الآيات. الآن لو قال قائل مثلًا: هذا كلامكم غير صحيح أن الدعاء والذبح والنذر والتوكل هو الذي كانوا يفعلونه عند آلهتهم. فيقال له: فأخبرنا عن ما كانوا يفعلون عند آلهتهم، أي شيء الذي يفعلونه سوى هذه العبادات التي ذكرت؟ وما الذي يريدونه؟ وما هذا الشرك الذي حكاه الله عنه؟ فإن قال: شركهم عبادة غير الله، وبعضهم يقول: شركهم أن يعبدوا الأصنام. معنى هذا يفرق بين الصنم وبين عبادة العبد الصالح. وهذا جهل؛ لأن هؤلاء الأصنام التي عبدت من دون الله، غالبها اعتقد أصحابها -أو اعتقد من يعبدهم- أنهم من الصالحين. كما قد ذكرنا في كشف الشبهات ما ذكره الشيخ -رحمه الله، الشيخ محمد عبدالوهاب- في هذا البيان. قال: فإن قال: شركهم عبادة غير الله. فقيل له: ما معنى عبادتهم لغير الله؟ أيش هذا الذي هو عبادتهم لغير الله؟ أتظن أنهم يعتقدون أن تلك الأخشاب والأحجار تخلق وترزق وتدبر أمر من دعاها؟ فهذا يكذبه القرآن. معنى هذا: إذا كانت تظن هذا أنهم عبدوا هذه الأحجار والأخشاب لأنها تخلق أو ترزق أو أنها تدبر الأمر أو تستجيب لمن دعاها، فهذا يكذبه القرآن؛ لأن الله عز وجل أخبر عنهم أنهم مقرون بذلك لله وحده. فإن قال: إنهم يريدون منهم النفع والضر من دون الله. فهذا يكذبه القرآن أيضًا؛ لأن الله عز وجل أخبر أنهم لم يريدوا إلا التقرب به من الله، فهم أيضًا يعتقدون أن النفع والضر هذا هو بإذن الله. ونفس الذي يعتقده عباد القبور الآن. معنى هذا: هم يقولون أن النفع والضر -نفعهم وضرهم- بإذن الله جل وعلا، فلهذا نتقرب إليهم حتى ينفعون ويضرون بإذن الله. كما يتعلق بعض المشركين الآن بهذه السماعات، يقول: بإذن الله. فما من شيء إلا بإذن الله. وأيضًا زد على ذلك أن المشركين أيضًا ما كانوا يدعون هذه الأحجار والأصنام لذاتها، ولا أيضًا لأنها تنفع وتضر من دون الله، وإنما يعلقون هذا بالله. ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾. قال -رحمه الله-: وقال تعالى: ﴿ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾، ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم ضرًا ولا نفعًا ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾، هذا مقالتهم. أي لكي يشفعوا لنا عند الله. والشفاعة هي الواسطة حتى يتوسطوا لنا عند الله. ومثل ما يقول بعض الآن -عباد القبور-: نحن مذنبون، وهؤلاء صالحون من عباد الله، فنطلب منهم هذا المدد أو نطلب منهم الولد أو نطلب منهم كذا وكذا. ليس نطلب منهم من ذاتهم، وإنما نطلب منهم حتى يتوسطوا لنا عند الله. وهذا هو الذي قاله المشركون الذي حكاه الله عز وجل عن المشركين. لما لم يستطيعوا أن يردوا هذا الكلام، قال بعضهم: الله عز وجل لما -كما ذكر المالك في مفاهيم يجب أن تصحح- فذكر أن هذه الآية -سواء كانت آية الزمر أو آية يونس- إنما ذكروا ذلك استهزاءً. قال: معنى هذا أن الله عز وجل يحكي عنهم سخريتهم، وليس يقرر ما هم عليه. وهذا كلام باطل؛ فربنا جل وعلا الآية واضحة أنه يقرر ما عند هؤلاء المشركين أنهم يقولون: ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾، ليس هذا استهزاء أو سخرية كما يقول، بل أن هذه حقيقة هم أصلا على ذلك. فلهذا فهم يتعبدون عندهم عبادات، عندهم صيام، عندهم صلاة، أو عندهم حتى الصلاة أثبتها بعض العلماء أن بعضهم كان يصلي. وكذلك أيضًا عندهم حج وعمرة وصدقة وعتاقة. ثم قال: حكيم بن حزام، فما في الصحيح: يا رسول الله، إن كان لي في الجاهلية صدقة وصلة وعتاقة، فهل لي من أجر إذا أسلمت؟ أنا لما أسلمت الآن هل تحصل على أجر تلك الأمور؟ قال عليه الصلاة والسلام: «أسلمت على ما أسلفت من خير»، أسلمت على ما أسلفت من خير. قال -رحمه الله-: وأخبر تعالى عن شركهم في غير آية من كتابه، كقوله تعالى: ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلًا﴾. ومن يتأمل آيات الله عز وجل وجد أن أكثر ما يذكره الله عز وجل من الشرك -أي شرك المشركين- هو دعاؤهم غير الله، هو دعاؤهم غير الله. انظر إلى هذه الآية: ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلًا﴾. وقال في آية سبأ: ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله فلا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير﴾. فقطع شرك ما، قال الإمام ابن القيم -رحمه الله عليه-: فقال هنا: أي لا يدفعونه بالكلية، ولا يحولونه من حال إلى حال. معناه: ما يستطيعون لا يملكون كشف الضر ولا تحويلًا، أي ولا يحولونه من حال إلى حال. ثم قال جل وعلا: ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورًا﴾. هذا الذي تطلبون منهم، هم يطلبونه من الله. وكيف تطلبونه منهم؟ أطلبوا ذلك من الله. قال: طائفة من السلف جاء عن مجاهد، ومن ابن عباس وغيرهم قال: كان أقوام يدعون المسيح والعزير والملائكة، فبين الله لهم أن هؤلاء عبادي كما أنتم عبادي، يرجون رحمتي كما ترجون رحمتي، ويخافون عذابي كما تخافون عذابي. وهذا جاء نحوه عن ابن عباس عند الطبري وغيره بسند الصحيح. وجاء عن ابن مسعود -كما تقدم في تفسير هذه الآية- أنه قال: كان أناس من الإنس يعبدون أناس من الجن، فأسلم الجن، فبقي الإنس يعبدونهم. فأخبر الله عز وجل أن هؤلاء الذين تعبدونهم وتدعونهم من دون الله، هم يرجون رحمة الله ويخافون عذابه. قال: طائفة من السلف: كان أقوام يدعون المسيح والعزير والملائكة، فبين الله لهم أن هؤلاء عبادي كما أنتم عبادي، يرجون رحمتي كما ترجون رحمتي، ويخافون عذابي كما تخافون عذابي. قال: وأخبر أنهم لا يملكون كشف الضر عن الداعين ولا تحويله. وهذا هو الإغاثة، أن هذا هو الاستغاثة أو الإغاثة وهو كشف الضر أو تحويله. ولهذا قال جل وعلا: ﴿أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله﴾، أي هل هناك من يفعل هذا غير الله؟ ﴿أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء﴾ يكشف المرض، يكشف المصيبة. وقال: ﴿ويكشف السوء﴾، ﴿يجعلكم خلفاء الأرض﴾ يجعلكم ملوك، يجعلكم منتصرين. من هذا الذي يفعل هذا؟ قال: «إله مع الله». قالوا: أخبر أنهم لا يملكون كشف الضر عن الداعين ولا تحويله، وهذا هو الإغاثة. قالوا: المشركون يزعمون أن آلهتهم تشفع لهم بالسؤال عند الله والطلب، ويقيد الله لهم تلك الحاجات. معنى هذا إذا تشفعوا وجعلوا وساطة بينهم وبين الله. فأبطل الله هذه الشفاعة التي يظنها المشركون، وبيّن أنه لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه. وهذه الشفاعة المنفية التي في القرآن، الشفاعة المنفية التي في القرآن على نوعين: شفاعة التي يظنها للشرك، وهي أن آلهتهم يشفعون لهم. وهي داخل أيضًا في الأمر الثاني. هذه الشفاعة نفاها الله عز وجل في عدة آيات. وقال جل وعلا: ﴿ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له﴾. وقال سبحانه وتعالى أيضًا: ﴿قل لله الشفاعة جميعًا له ملك السماوات والأرض﴾، أن ليس الشفاعة لأحد إلا لله، فهي تطلب منه سبحانه وتعالى. فإذا طلبت من غير الله، فإن الله عز وجل نفع أن يكون هؤلاء شفعاء. ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم ضرًا ولا نفعًا ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾، فلهذا أنكر الله عز وجل عليهم: ﴿قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض﴾. فلهذا فإن الله عز وجل نفى هذه الشفاعة. والشفاعة الأخرى: الشفاعة التي تكون ناقصة، ناقصة الشروط التي يكون فيها شرط من شروط الشفاعة، مثل الإذن للشافع، وكذلك الرضا عن الشافع والمشفوع له، وإخلاص أيضًا الشافع والمشفوع له أن يكونوا منها للتوحيد، وغيرها من الشروط التي ذكرها العلماء، وسيأتي -إن شاء الله وتعالى- ذكرها. فقال جل وعلا: ﴿ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له﴾. وقال تعالى: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾. فمن جعل الأنبياء والملائكة وسائط بين الله وبين خلقه، كالحجاب الذين يكونون بين الملك ورعيته، بحيث يزعم أنهم يرفعون الحوائج إلى الله، وأن الله يرزق عباده وينصرهم بتوسطهم. بمعنى أن الخلق يسألونهم، وهم يسألون الله. فمن اعتقد هذا فهو كافر مشرك. ولهذا ذكر شيخ الإسلام -رحمه الله- أن الذي يقول بالوسائط، وأن أنهم يشفعون عند الله كما يستشفع عند ملوك الدنيا. فهؤلاء ارتكبوا محذورين عظيمين. المحذور الأول: أنهم شبهوا الله عز وجل بالحكام الظالمين. شبهوا الله عز وجل بالحكام الظالمين؛ غالبًا الحجاب إنما يكونون عند الحكام الظالمين. أما غالب أهل العدل ما يكون لهم حكام أو حجاب يحجبون الناس أو يحجب نفسه عن رعيته، يحجب نفسه عن رعيته. بل أن أهل العدل غالبًا يخرجون عند الناس، وكذلك يكلمونهم بحاجاتهم وكذا. فهذا الذي يقوله أولئك: أنهم يجعلون الله عز وجل كالحاكم الظالم. والعذر الثاني: أنهم يجعلون هذه الوساطة التي هي شرك بالله جل وعلا. قالوا: إذا تقرر هذا، فنقول: قول القائل إن إطلاق الكفر بدعاء غير الله غير مسلم. لوجوه: الوجه الأول: عدم النص الصريح على ذلك بخصوصه. أنه كلام باطل، مثل ما تقدم في أول الرسالة. أن بعض هؤلاء يقول: أن إطلاق الكفر -أهل السنة- لما يطلقون الكفر بدعاء غير الله، أنه غير مسلم. أولًا قال: لعدم النص الصريح على ذلك. أنا النص الصريح هذه نصوص كلها لا تكفي في أن دعاء غير الله كفر وشرك، أي فيما لا يقدر عليه إلا الله. أنا قول العزيز: ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلًا﴾، و﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله فلا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض﴾. هذه كلها لا تنفع، وليس تدل صريحًا. فهذا -فهذا كما يقال- معنى أنه يغض عن الحق ويمتد عن الحق. وإلا الأدلة ظاهرة. فقال المؤلف -رحمه الله-: هذا كلام باطل، بل النصوص صريحة في كفر من دعا غير الله، وجعل لله ندًا من خلقه يدعوه كما يدعو الله، ويرجوه كما يرجو الله، ويتوكل عليه في أموري كلها. قال الله عز وجل: ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقًا حرجًا﴾ إلى آخر الآيات. وقال تعالى: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله﴾ إلى قول: ﴿ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين﴾. قال: فمن أحب مخلوقًا كما يحب الله، أو رجاء رجاءه كما يرجو الله، فقد جعله ندًا لله، وصار من الخالدين في النار. وسيذكر مؤلفنا بعض الأدلة على هذه المسألة -إن شاء الله- نكمل الجواب في الدرس اللاحق. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.