التعليق على شذرات البلاتين من سير العلماء المعاصرين 35

التعليق على شذرات البلاتين من سير العلماء المعاصرين 35

الدرس في التعليق على شذرات البلاتين من سير العلماء المعاصرين 35، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

فراسة الشيخ مقبل الوادعي ومواقفه في الوحدة اليمنية وإصلاح ذات البين

يتمتع الشيخ مقبل الوادعي بفراسة صادقة مكنته من التنبؤ بنجاح بعض الطلاب وخطر آخرين، كما تنبأ بوحدة الشطرين اليمنيين قبل وقوعها. عُرف باهتمامه الواسع بطلاب العلم والمسلمين عامة، وتدخله الفعّال في الصلح بين القبائل المتحاربة، مؤكداً أن أعظم كرامة للعبد هي دوام الاستقامة على الدين وطلب العلم.

كرامات الشيخ مقبل الوادعي: القبول ونشر التوحيد والفرج بعد الشدة

يستعرض المقطع كرامات الشيخ مقبل الوادعي رحمه الله، منها إلقاء المحبة في قلوب الناس ونشر التوحيد والسنة في اليمن شمالًا وجنوبًا، وتوفيقه في الأحكام والدعوة. ويذكر مواقف من فرج الله له ولطلابه في الأزمات، كقصة توفير النفقة فجأة، وحمايته من محاولة اغتيال دبرها الشيعة، مما يدل على عناية الله به وبمركز دار الحديث.

حماية الله للشيخ وأخلاقه مع المخالفين ودعاباته

يروي المقطع قصة مكري جاء لقتل الشيخ فعجز عن ذلك بعد ضيافته، ويشير إلى نجاة الشيخ من انفجار مسجد الرحمن، ويصف أخلاقه الكريمة مع المخالفين من إكرام الضيوف والتواضع والدعابة. كما يذكر قصة قراءته على مريض وكلام الجني، ويختم بالإشارة إلى مرض الشيخ ووفاته في الدرس القادم.

خاتمة الدرس والدعاء بالخير

يختتم المتحدث الدرس بالدعاء للجميع بالتوفيق والرضا، والصلاة على النبي محمد وآله، مع الحمد لله رب العالمين. ويشير إلى أن الترجمة من إعداد نانسي قنقر.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، أيها الأحبة في الله، لا نزال مع شذرات البلاتين في تراجم علمائنا المعاصرين، ولازلنا ننهل ونستفيد من تراجم أولئك العلماء والعظماء الذين كانوا في حياتهم وبعد مماتهم مدارس بل وجامعات تحوي الصفات الكريمة والأخلاق العظيمة، فيها القدوة الحسنة، وهمم عالية كالجبال، وفيها كذلك من الأمور التي لا يستغني عنها طلاب العلم خاصة وعامة المسلمين على وجه العموم. ونحن لا نزال في ترجمة عالم وإمام ومجاهد، فمن هو؟ من هو يا محمد؟ الشيخ من؟ ما شاء الله الشيخ مقبل؟ الوادعي، أحسنت. رحمه الله تعالى وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. وكم يا إخوان يشعر المسلم براحة، ويكون الحديث ذا شجون حين يكون عن هؤلاء العلماء الربانيين، وهكذا الراسخين. ومر معنا جملة من أوصافه العظيمة، وهكذا الصفحات المضيئة من ترجمته رحمه الله تعالى. ومما يذكر في هذا الباب أن الشيخ رحمه الله تعالى كان عنده فراسة، وهذه الفراسة يا إخوان موجودة عند الكثير من أهل العلم، لكنها تتفاوت من عالم إلى آخر. كانت فراسة صادقة منّ الله بها على شيخنا رحمه الله تعالى. كان يتفرس في بعض الطلاب أن هذا الطالب الذي أتى جديدًا أنه قد ينفع الله به ويفتح الله على يديه، فيقع ما تفرسه الشيخ، تجده يهتم به وتجده يعتني به فيبرز ويستفيد ويجتهد، وإذا به يرجع إلى بلده عالمًا معلمًا وداعيًا ومصلحًا، بل وعالمًا من علماء الأمة ينفع الله به. وأحيانًا يتفرس في البعض الآخر، يرى علامات الشر بادية على وجهه، يقول: "هذا الله يعيننا عليه، نسأل الله أن يسلمنا من شره، هذا يحمل معه الشر"، فما هي إلا فترات وإذا به يكون سببًا لفتنة، أو يكون جاسوسًا ومدفوعًا من قبل بعض الجهات. فكان رحمه الله تعالى حباه الله بفراسة. وماذا قبل أن تقع الوحدة؟ كانت اليمن عبارة عن شطرين: جنوبي وشمالي. كان الشيخ قبل الوحدة يقول: "سندخل عدن بدون جواز ولا بطاقة"، قل: "سندخل عدن بدون جواز ولا بطاقة". وكان السامعون يتعجبون: كيف ستدخل؟ ممكن تدخل السعودية، تدخل بلادًا أخرى بسهولة، لكن صاحب الشمال يدخل إلى الجنوب، أو صاحب الجنوب ينتقل إلى الشمال، كانت هناك صعوبات. فما هي إلا أيام وأشهر وإذا بالوحدة تقع بين الشطرين اليمنيين. وهكذا أيضًا مما عرف به الشيخ: كان كثير الاهتمام بأمور المسلمين الخاصة، وهكذا أيضًا بأمور المسلمين العامة. ومر معنا شيء من ذلك في عنايته بطلابه وتلبية احتياجاتهم، ومساعدة محتاجهم، وعلاج مريضهم، وتزويج عازبهم، والشفاعة لمن يحتاج إلى الشفاعة، إلى غير ذلك. وكان الشيخ رحمه الله تعالى أيضًا حريصًا على أمر عامة المسلمين، فكم تدخل في إصلاح ذات البين بين بعض القبائل المتحاربة والمتقاتلة، فكان الصلح بينها على يد الشيخ رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. وكذلك أيضًا هناك مواقف عظيمة أكرم الله بها الشيخ رحمه الله تعالى، مواقف عظيمة أكرم الله بها الشيخ رحمه الله تعالى. وأهل السنة يا إخوان يؤمنون بكرامات الأولياء، إذا كان الأنبياء لهم المعجزات فإن الأولياء لهم الكرامات، لهم الكرامات. والعلماء يذكرون كرامات الأولياء في كتبهم وأبواب المعتقد، عقيدة أهل السنة والجماعة. وهذه الكرامات قد يعطيها ربنا عز وجل لمن شاء من خلقه وعبيده. لكن أعظم كرامة يكرم الله بها العبد كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: هي دوام الاستقامة، أن يثبتك الله على هذا الدين وتستمر على طلب العلم، وعلى فعل الطاعات واجتناب المعاصي والمحرمات. وهكذا من هذه الكرامات: أن يجعل لك القبول، وأن يجعل لك المحبة في قلوب الناس. قال تعالى عن موسى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي﴾ [طه: 39]. ما معنى هذا؟ لا يرى موسى أحد إلا أحبه، أي إلا أحب موسى عليه الصلاة والسلام. ومن كرامات الشيخ مقبل رحمه الله: ما جعله الله على يديه من انتشار للخير والتوحيد والسنة. الشمال كان فيه تشيع مظلم مع تصوف مظلم، في البلاد التهامية عندهم تصوف، وفي المناطق الوسطى والمناطق الأخرى عندهم تشيع بل ورفض. انظر كيف تغير حال الكثير من هذه البلاد بفضل الله عز وجل أولًا وآخرًا، ثم بجهود هؤلاء العلماء، وفي مقدمتهم شيخنا الوادعي رحمه الله تعالى. في الجنوب كان عندنا تصوف، وعندنا أفكار ليست شرعية ولا إسلامية إلى غير ذلك، وعندنا خير أيضًا، لكن انظر إلى الخير الذي ساد وانتشر بفضل الله عز وجل أولًا وآخرًا، ثم بجهود العلماء والدعاة وطلاب العلم، وفي مقدمتهم شيخنا الوادعي وطلابه وطلابهم. فهذا يعتبر من أعظم الكرامات. وهكذا أيضًا من كرامة الله عز وجل للشيخ: ما رزقه من سداد وتوفيق في أحكامه، وهكذا أيضًا في ما يتعلق بدعوته وتحذيره ونصحه إلى غير ذلك. فكان الشيخ رحمه الله تعالى... كان الشيخ رحمه الله تعالى وفق إلى شيء كثير من ذلك. تقع الأزمات وتقع الظروف الشديدة على الشيخ ومركزه وطلابه. تخيل مركزًا فيه مئات الأسر والعوائل، وفيه الآلاف من الطلاب العزاب، وتمر بهم أزمات وشدائد. الشيخ رحمه الله تعالى كان لا يفقد الأمل في الله عز وجل أنه سيفرجها، أنه سيفرجها. وكم هي المواقف، وكم هي الحكايات التي تحكى وتذكر في حياة الشيخ رحمه الله تعالى. يقول الشيخ أحمد الوصابي رحمه الله تعالى، المسؤول على شؤون الطلاب والنفق في مركز دار الحديث بدماج، يقول رحمه الله تعالى: قال الشيخ أحمد رحمه الله تعالى: أنه كان يجلس مع الشيخ مقبل رحمه الله تعالى بعد صلاة الفجر، فجاءه يومًا من الأيام يطلب منه مالًا، مصاريف ذلك اليوم. شيخ أحمد كل يوم يأخذ الشاص ويذهب يأتي بأغراض الطلاب والخضروات وما يحتاجه المركز ويعود. فأتى إلى الشيخ صباح ذلك اليوم يريد مصروفًا، فبقي الشيخ مقبل مع الشيخ أحمد الوصابي يفكران كيف يكون التصرف، ليس هناك مال، من أين يؤتى بالمال؟ فبينما هما على هذا الحال إذ بأحد الطلاب يطرق الباب على الشيخ، ففتح الشيخ الباب، فقام الطالب وأعطى الشيخ مبلغًا من المال مرسلًا من أحد فاعلي الخير. قال الأخ الذي جاء بهذا المال وأعطاه للشيخ: "فرأيت الشيخ أحمد، رأيت الشيخ أحمد الوصابي ومعه المال كله، ومعه المال كله". قال: فسألته عن ذلك، قال: "والله ما كان عندنا شيء، وأننا كنا نتكلم من أين نأتي بمال، من أين نأتي بمال". وهكذا يا إخوان مواقف عديدة فيما يتعلق بالفرج بعد الشدة الذي كان يكرم ربنا عز وجل به الشيخ وطلابه. وهكذا أيضًا مما أكرم الله به الشيخ: أنه قد يأتي البعض من الناس، كما سبق، مجتمع شيعي رافضي حاقد على السنة وعلى أهلها. كم يا إخوان يرسلون الرجال من أجل التخلص من الشيخ؟ جاء ذات يوم رجل مصري ومعه مجموعة من الأشرار من رجال القبائل الذين يدفع بهم الشيعة إلى الشيخ. والشيخ في بداية دعوته عنده مجموعة من الطلاب المصريين وغيرهم. فكان الشيخ بعد العصر في المسجد لوحده، ودخل عليه القوم يريدون قتله، لكن لم يباشر القتل. فرأى الشيخ الشر في وجوههم، فرحب بهم وأشعرهم أنه سيأتي لهم بالقهوة، فخرج الشيخ وأغلق الباب عليهم، الجماعة داخل المسجد، ثم نادى من أهله وقبيلته فجاءوا وضربوا ذلك المصري، وهكذا طرد البقية الذين أتوا يحملون النوايا الخبيثة والسيئة. وهكذا أيضًا مواقف عديدة: يأتي أحدهم في صورة زائر، والشيخ كما سبق كريم الضيافة، ويدخله إلى بيته ويأتي له بواجب الضيافة. ذات مرة أتى أحد من المكارمة، المكارمة هؤلاء كما قال فيهم شيخ الإسلام وغيره: "أكثر من اليهود والنصارى". قال قائلهم في إمامهم علي بن الفضل، يذكرون ما دعاه من النبوة وغيرها ومن الشرائع التي جاءهم بها، قالوا عنه: "أحل البنات مع الأمهات، أحل البنات مع الأمهات"، يعني الزنى بهم، قال: "ومن فضله زاد حل الصبي، ومن فضله زاد حل الصبي"، يعني بذلك اللواط. الشاهد: أتى أحد من المكارمة يريد يطلب علمًا؟ الجواب: لا، يريد أن يقتل الشيخ. فلما وصل إلى الشيخ، وماذا؟ الشيخ دعاه إلى تناول الغذاء، ضيف يجب أن يكرم، دعاه إلى الغذاء عنده، ودخل الرجل إلى منزل الشيخ وتغذى مع الشيخ رحمه الله تعالى. ثم قال ذلك الرجل المدفوع لقتل الشيخ: قال للشيخ: "أنا ما جئت إليك إلا لأقتلك، هذا هو الهدف، هذا هو المقصد، أنا ما جئت إليك إلا لأقتلك، ولكني ما أدري لماذا ما استطعت الآن". هو الشيخ ليس معهم ثالث، ومع هذا لم يتمكن من قتله. فبعد هذا الخبر أخرجه الشيخ من منزله وطرده من بيته، وعلم بعض أهل البلاد فاجتمعوا عليه وقاموا بطرده كسابقه. وهذه القصة أشار إليها شيخنا رحمه الله في كتابه "المصارعة"، له كتاب اسمه "المصارعة"، وفيه تمثل بقول القائل: زعم القرامطة أن سيقتل مقبلًا ... أبشر بطول سلامة يا مقبل أبشر بطول سلامة يا مقبل. وهكذا أحداث كثيرة يا إخوان تعرض لها الشيخ رحمه الله، لكن حفظ الله عز وجل وعنايته ورعايته كانت ظاهرة. سبق معنا قصة الانفجار الذي وقع في مسجد الرحمن بعد، وكيف نجا الله عز وجل الشيخ رحمه الله تعالى من ذلك، فانفجر في يد صاحبه الذي أتى به يحمله، الذي أتى به يحمله. وهكذا غير ذلك. الشيخ يا إخوان ليس بالصورة التي ينقلها المخالفون له. المخالفون للشيخ يريدون أن يظهروا الشيخ بأنه رجل فظ، غليظ القلب، عنيف الأسلوب. أبدًا يا إخوان، الشيخ رحمه الله تعالى كان يتميز برحمة وعفو وتواضع وصبر، حتى على المخالفين، حتى على المخالفين. يأتي المخالفون إلى مركزه من قيادات الإخوان المسلمين أحيانًا، فيأمر الإخوة بإكرامهم: "أكرموا الضيوف"، بإكرام الضيوف. يأتي من المخالفين من مشايخ القبائل وغيرهم، فالشيخ رحمه الله كان يتصرف بحكمة. وكان الشيخ معروفًا بشيء من الدعابة، يحب يمزح مع طلابه، بل مع عامة الناس. يمر فيجد بعض كبار السن فيقبل يده، ويقبل يده، ويسلم عليه، ويرد عليهم السلام، ويسأل عن حالهم، ولربما مزح معهم. وكم كان يذكر من المزاح في دروسه. مرة ذكر في درسه واقعة حدثت له: أتى بعض الطلاب ومعه مريض، ويريد من الشيخ أن يقرأ على هذا المريض. الشيخ يقول: "أنا ما أقرأ على المرضى"، لكن أحرجه هذا الطالب وما أراد أن يكسر خاطر الطالب هذا، فقام الشيخ وجعل يقرأ على هذا المريض، وجعل الجني يتكلم. طيب، الشيخ ما هو متعود على هذا، فكان يقول للجني: "أخرج يا عبد الله من عدو الله"، واضح يقول: "أخرج يا عدو الله من عبد الله". فمن شدة الموقف قال: "انقلبت علي، انقلبت علي". وهكذا كان الشيخ رحمه الله تعالى يذكر شيئًا كثيرًا من ذلك. لعله يأتي معنا في الدرس القادم، ولعله يكون مسك الختام، خاتمة ما يتعلق بترجمة الشيخ رحمه الله تعالى، لأنه سيأتي معنا أنه مرض واشتد مرضه، وأُسعِف إلى صنعاء، ومن صنعاء إلى المملكة، إلى آخر ذلك، ولا زال المرض يشتد إلى أن توفي رحمه الله تعالى. يأتي معنا الحديث عن ذلك إن شاء الله في الدرس القادم. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر