الدرس في التعليق على شذرات البلاتين من سير العلماء المعاصرين 33، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يتناول المقطع مظاهر تواضع الشيخ مقبل بن هادي الوادعي في ملبسه البسيط الذي لا يميزه عن طلابه، ومسكنه المبني من الطين والخشب رغم توفر المال. كما يبرز خدمته لضيوفه وطلابه بنفسه من تقديم الطعام وغسل الأيادي، وإيصاله للزوار بسيارته ولطفه مع الأطفال.
يصف المقطع تواضع الشيخ مع أطفال الطلبة حيث كان يكرمهم ويشجعهم، كما يبرز قبوله للنقد وتصحيح الخطأ على يد طلابه فرحاً بالحق. وينسب الفضل لأهله مع اعترافه الدائم بتقصير نفسه وقوله: "نصيب ونخطئ".
يسرد المقطع مواقف متعددة تُظهر تواضع الشيخ مثل إفساح المجال لطلابه في التدريس والإفتاء، وعمله اليدوي في المزرعة، ومشيه حافياً. كما يذكر مبادرته بالسلام، وقبوله الهدايا البسيطة، ورفضه الألقاب والتعصب له، ونصحه للطلاب بالنشاط البدني.
يشير المقطع إلى أن الطلاب يكتسبون الأدب والخلق الحسن من مجالس العلماء قبل تلقي العلم، ويذكر أن هناك جوانب أخرى ستُطرح في دروس قادمة. ويختتم بالدعاء والشكر للمترجمة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فلا نزال أيها الأحبة في الله مع ترجمة شيخنا الإمام الألمعي أبي عبد الرحمن مقبل بن هادي بن مقبل الوادعي رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. و سبق أن تكلمنا عن بعض الجوانب وبعض الصفات في حياته رحمه الله تعالى. تكلمنا حول كرمه، وكان رحمه الله تعالى من أكرم أهل زمانه، كما شهد بهذا من خالطه ومن لازمه كثيرا. وذكرنا ما ذكره شيخنا أبو منير عبد الله بن عثبان الذماري رحمه الله تعالى، قال: لما سئل عن كرم الشيخ قال: ما عرفت في زماننا أحدا أكرم ممن نعرفهم. ثم ذكر حفظه الله تعالى بعض المواقف التي وقعت له مع الشيخ في باب الكرم. وذكرنا قصصا وأحداثا ووقائع في حياته رحمه الله تعالى تدل على عظيم كرمه. أيضا تكلمنا حول صفة من صفاته، ألا وهو حبه الشديد والعظيم لطلابه رحمه الله تعالى، فكان يعتبرهم أبناء له، فيساعد محتاجهم، ويعود مريضهم، ويتفقدهم، إلى غير ذلك مما مر معنا في حياته رحمه الله تعالى. أيضا من هذه الصفات التي عرف بها الشيخ، عرفه القاصي والداني: تواضع جم كان عليه رحمه الله تعالى. الشيخ يا إخوان كان يضرب به المثل في التواضع. يأتي الزائر ويأتي الغريب، فأول ما يرى الشيخ أو يجالسه أو يتحدث معه، يرى هذه السمة والصفة بارزة في خلق الشيخ رحمه الله تعالى. ومن أمثلة أو من الأمور التي تتعلق بتواضعه رحمه الله تعالى: أولا تواضعه في ملبسه. كان يا إخوان لا يحب الترف، ولا يحب التبيز على الآخرين، حتى أن الذي لا يعرفه لا يكاد يميزه من بين طلابه. ولهذا في بعض المحاضرات والرحلات الدعوية يبقى الناس في المحاضر ينتظرون، ينظرون يمينا وشمالا، يريدون أن يتعرفوا على الشيخ. إذا رأوا شخصا سمينا وذا لحية كثيفة قالوا: هذا هذا هو. وإذا به حارس من الحراس، أو طالب من الطلاب، أو مرافق من المرافقين. بعدها يقوم عند الشيخ رجل ضعيف البدن قليل اللحية، فيتعجب الناس من أن الشيخ مقبل الذي ملأ ذكره وصمته السهل والجبل، وشرقا وغربا، طلابه في أنحاء الدنيا وأصقاع المعمورة، هذا هو. نعم هذا هو. فكان الشيخ رحمه الله تعالى لا يتميز على غيره. وذكر بعض طلابه أنه سمع الشيخ يقول بعد رجوعه من دعوة، بعد رجوعه من رحلة دعوية، قال وهو يتحدث عن رحلته الدعوية: رأيت شابا ينظر إلى شعثي رأسي. يعني الشيخ رأسه أحيانا لا يسرحه دائما. قال: هذا الشاب ينظر إلى شعر الشيخ الذي هو أشعث، يعني غير مرتب. فقال: فقلت له: يا بني، لا يشغلنك شعث رأسي عن العلم، ما عليك في الشعر، أهم شيء العلم، خذ العلم، خذ العلم. شيء كان إذا أتى إلى كرسي الدرس مباشرة يخلع عمامته ويضعها على الميز، ويبقى يحدث وهكذا أيضا يتكلم إلى أن ينهي الدرس، ثم بعد ذلك يعيدها إلى رأسه للصلاة، ولربما صلى أحيانا وهي أمامه. ومن جوانب تواضع الشيخ رحمه الله تعالى: تواضعه في مسكنه. وسبق معنا الإشارة إلى مسكن الشيخ وأنه مبني من الطين، وأيضا كانت بناؤه بصورة متواضعة للغاية جدا. وسقفه كان من خشب الإثل. ولو أراد أن يبني بيتا مزخرفا مزينا واسعا وعاليا لفعل ذلك، بل جاءه بعض المحسنين بمبالغ من المال باهظة يريدون من الشيخ أن يبني له دارا، فأبى الشيخ إلا أن يصرف المال في حوائج طلاب العلم. وهكذا يا إخوان هم العلماء الربانيون. وكذلك أيضا من تواضع الشيخ: خدمته لضيوفه وهكذا لطلابه بنفسه، فيقدم لهم الطعام، وهكذا أحيانا يقوم بتقشير ما يحتاج إلى تقشير، أو تقطيع ما يحتاج إلى تقطيع بنفسه، ويأبى أن يقوم بذلك غيره. وكان لربما يمر بنفسه بالماء لكي يغسل الضيوف أيديهم. قال الشيخ الدماري رحمه الله تعالى: قال: من تواضعه كنا إذا نزلنا عنده يأتي يحمل لنا الطعام والزبيب أو العنب بنفسه حافي القدمين. يأتي بالزبيب... ما هو الزبيب؟ ما هو الزبيب يا أبا خالد؟ العنب المجفف. يأتي بالزبيب وصعده، ولا سيما بلاد دماج، ودماج واد زراعي مشهور بزراعة العنب الأسود، العنب الأسود. وهكذا أيضا صناعة الزبيب. وأحيانا يحتاج الشيخ، يكون عنده ضيوف، والطعام الذي عنده لا يكفي، يحتاج أن يخرج إلى مطبخ الطلاب لكي يأتي ببعض الطعام فيكمل به طعام الضيوف. يخرج يا إخوان بنفسه، يخرج بنفسه حاسر الرأس بدون عمامة، حافي القدمين. ما يشعر الطباخ إلا والشيخ بجانبه، ويقول: أعطينا كذا وكذا، فيأخذ حاجته ويرجع. ومن تواضعه رحمه الله تعالى: كان لربما أوصل بعض الطلاب أو الزوار بنفسه وعلى سيارته. جاء مجموعة من الزوار من نواحي صنعاء وغيرها وليس معهم سائق، فأبى الشيخ إلا أن يأخذهم هو ويسوق بهم. وهكذا كم من الضيوف الذين يأتون فيقوم الشيخ، ولا سيما في أول أمره وقبل أن يمرض، وهكذا يكثر الطلاب، كان لربما أوصلهم بنفسه رحمه الله تعالى. ومن تواضعه يا إخوان: أنه كان يداعب الأطفال. شيخ كبير وعالم كبير، ووقته ضيق ومشغول، ومع هذا كان يداعب ويلاعب أطفال الطلاب، الأطفال الصغار من أبناء طلبته، فكان يعاملهم معاملة حسنة. ومن تواضعه مع الأطفال يا إخوان: يكون الشيخ أحيانا يمشي ومعه بعض كبار الطلاب وهكذا من الوجهاء والأعيان، يمشي في طريقه فيعترضه طفل، فيقف الشيخ، فيتوقف له ويصافحه، فيقبل يد الطفل، والطفل يقبل يده، وينظر ما هي حاجة هذا الطفل. وأحيانا يأخذ هذا الطفل إلى بيته ويعطيه من الجوائز وهكذا من الهدايا ما تدخل السرور على قلوب الأطفال. أيضا قبل الدرس يأتي الشيخ إلى الدرس فيجد طابورا من الأطفال، طابورا من الأطفال، ماذا يريدون؟ أحدهم يريد أن يقرأ سورة قصيرة، وآخر يسمع حديثا، وآخر لربما معه بيت أو بيتان أو قصيدة يريد أن يقرأها عند الشيخ أمام الطلاب. والشيخ يا إخوان برحابة صدر يسمع لهم ويشجعهم ويحفزهم. وهكذا أيضا يطيب خواطرهم. ولربما صعد بعض الصغار، صغير لا يرى، وكرسي الشيخ كان عاليا، فلربما صعد إلى أعلى الميز ويصلح له المكبر لكي يقرأ ويلقي أمام آلاف الطلاب ما يريد قراءته عند الشيخ وأمام الطلاب. فكان رحمه الله تعالى يشجع الصغار. ولهذا يا إخوان أحبه الصغار كما أحبه الكبار. ومن محبة الصغار للشيخ رحمه الله تعالى: أنه إذا غاب سأل عنه الصغار، حتى أن بعض الأطفال سئل: من تحب أكثر؟ تحب أباك أم الشيخ؟ سؤال محرج يا إخوان. قيل له: من تحب أكثر؟ تحب أباك أم الشيخ؟ قال: الشيخ، يحبه أكثر من محبته لأبيه. من تواضع الشيخ يا إخوان: كان يقبل النقد من طلابه ومن غير طلابه، ما كان يستنكف عن قبول الحق، وهكذا قبول الفائدة من صاحبها. ومن أمثلة ذلك: أنه كان في بعض الأحيان يحدث بحديث ظاهر إسناده الصحة، فيأتيه أحد الطلاب ويخبر الشيخ أنه وجد بهذا الإسناد علة في بعض كتب العلل، فيفرح الشيخ بذلك ويتراجع عن تصحيحه لهذا الحديث. يأتي في الدرس يا إخوان ويقول: نبهني فلان باسمه بعلة في سند الحديث، فيثني على ذلك الطالب الذي أفاده بهذه الفائدة. ومن تواضعه: أنه كان يكتب هذه الفائدة لربما في حاشية الكتاب أسفل، ويعلق على ذلك بأن هذه فائدة أفادني بها فلان بن فلان جزاه الله خيرا. ذكر الشيخ شيخنا أبو الرجال أحمد بن سعيد الأشهبي حفظه الله تعالى. شيخ أحمد كان من طلاب الشيخ القدماء، وكان من المجتهدين في علم الحديث وهكذا في الأسانيد والرجال، وكان ينوب الشيخ أحيانا في حياته، وكانت دروسه ماتعة، واليوم هو يقوم على مركز في محافظة تعز، يعني قريبا من منطقة التربة، قريبا من التربة. يقول الشيخ أحمد حفظه الله تعالى: قال: سألت الشيخ، أي الشيخ مقبل رحمه الله، يوما عن اسم "النور"، هل هو اسم من أسماء الله تعالى؟ فقال الشيخ: لا، ليس من أسماء الله، ليس من أسماء الله. ثم مباشرة سأل الشيخ، الشيخ مقبل يسأل الشيخ أحمد بن سعيد، فقال له: هل تعلم أحدا من السلف قال إنه من أسماء الله؟ فقال الشيخ أحمد: نعم، قال بذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، وهكذا تلميذه ابن القيم، وابن الوزير الإمام العلامة محمد بن إبراهيم الوزير اليماني. مباشرة يا إخوان الشيخ رحمه الله قال بعد أن سمع هذا: إذن هو اسم من أسماء الله، إذن هو اسم من أسماء الله. ذات مرة ذكر الشيخ بعض الطعونات في بعض كتب أهل العلم، كفتح الباري للحافظ ابن حجر، شرح مسلم للنووي، وغيرها. وذكر بعض الغلاة، شخص يقال له فريد المالكي، فريد المالكي، يعني هذا محسوب على أهل السنة وهو بعيد منها، كان يفتي بتحريق كتب الحافظ ابن حجر والنووي إلى غير ذلك لأنها اشتملت على تعويلات للصفات وغيرها. فشيخ رحمه الله تعالى قال: بل هو الذي يحرق، أيمن ها فريد المالكي، بل هو الذي يحرق، وليس فتح الباري. فقام طالب من صغار الطلاب في حلقة الشيخ فقال: يا شيخ، الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يعذب بالنار إلا رب النار». يعني ربنا عز وجل. عندها قال الشيخ: أستغفر الله وأتوب إليه، لكنه يعزر، يعني الحاكم يعاقبه بالعقوبة المناسبة، ضرب، سجن، إلى غير ذلك. وهكذا أيضا كان رحمه الله تعالى كثيرا ما يقول: نحن طلبة علم، نصيب ونخطئ، ونجهل ونعلم، ونجهل ونعلم. وأكذا كان يقول: نصيحة تأتيني من نجد أو من صنعاء أو من الجزائر أو من غيرها، قال: أحب إلي من الدنيا وما فيها، أحب إلي من الدنيا وما فيها، أتقبلها. قال: لأننا طلبة علم، نصيب ونخطئ، ونجهل ونعلم. ومن تواضعه يا إخوان: اتهامه لنفسه بالتقصير. فكان يقول في بعض دروسه: أخشى على نفسي أن أكون كما قيل: «غير تقي يأمر الناس بالتقى، طبيب يداوي والطبيب مريض، والطبيب مريض». وأخبر بعض الطلاب أن في درسه، أو في أحد دروسه، الشيخ قرأ أحد الطلاب الأبيات التالية: يا خيرة الأقوال وضعوك في الأغلال ليس المدرس مخلصا والطفل غير مبالي هذا لنيل شهادة وهذا لنيل المال فقال الشيخ لذلك الطالب: إذا جئت على قوله "ليس المدرس مخلصا" أشرت إليه، يعني أشر إليه. إذا أتيت على قوله "ليس المدرس مخلصا" أشرت إليه. وإن جئت على قوله "والطفل غير مبالي" أشرت على نفسك، أشرت على نفسك. وكان يقول رحمه الله تعالى: كان يقول: يا قومنا، لسنا نغركم ولا نمنيكم، والله إننا لسنا راضين عن أنفسنا. من تواضعه يا إخوان: كان يحب أن يشاركه غيره من طلابه في المحاضرات. في المحاضرات تجد أنه يتكلم قبله أحد طلابه. ومن تواضعه: كان يقوم ويلقي المحاضرة ويترك الفتوى والإجابة عن الأسئلة لأحد كبار طلابه، وهو شيخنا أبو إبراهيم محمد بن عبد الوهاب الوصابي العبدلي رحمه الله تعالى. يقوم الشيخ يقول: قم يا شيخ محمد، قم أجب عن الأسئلة، ويدخل الشيخ ويستريح أو يجلس، ويجعل الأسئلة أو الإجابة عن الأسئلة للشيخ محمد رحمه الله تعالى. وأيضا من تواضعه: كان لا يسأل أحدا شيئا، ولو كان محتاجا إلى ذلكم الشيء، عفة يا إخوان. وهكذا في نفس الوقت هو تواضع كبير وجم منه رحمه الله تعالى. من تواضعه يا إخوان: أنه كان أحيانا يخرج بعد العصر، غالبا بعد العصر، الشيخ يخرج في نزهة ويحب أن يمشي، ولربما جلس هو ومن معه على الوادي أو على الرمل في الوادي. فكان أحيانا يضع عمامته ويخلع جبته ويضع نعله، ويقول: من يسابق؟ يلا سباق في الوادي على الرمل، من يسابق؟ فيقوم بعض الطلاب ويسابق الشيخ. هذا قبل أن يمرض رحمه الله تعالى. وهذا يذكرنا بهدي النبي صلى الله عليه وسلم مع أهله، حين أن سابق أمنا عائشة مرتين، فسبقته في الأولى، ثم سبقها في الثانية، فقال لها: «هذه بتلك». من تواضعه يا إخوان: كان عنده مزرعة، فكان يعمل فيها بنفسه بعد العصر. بعد الدرس يخرج الشيخ ويشتغل في مزرعته، يمر الطلاب فيطلب منهم الشيخ أن يساعدوه فيأبى إلا أن يتم عمله، فيشتغل بالمسحاة ويأبى أن يساعده أحد. وكان يقول: إن العمل يجعل الإنسان نشيطا، عمل يجعل الإنسان نشيطا. وكان كثيرا ما ينصحنا بماذا؟ بأن الشخص يوم الجمعة ما في دروس في الصباح، لو يذهب الواحد إلى المزرعة، يعني سكن الطلاب هناك، فيشتغل يساعد إخوانه في البناء، هذا يعمل لبن طوب مدر، وذاك يبني بيتا من المدر والطين والتبن. يقول: لو يذهب الواحد ويشتغل وينشط جسمه، هذا سبب لصحة البدن، يعود يوم السبت بنفسية طيبة للدروس والاستمرار في دروسه. من تواضعه: أنه كان يمشي في بعض الأحيان حافيا بلا نعال. في بعض الأحيان كان يمشي حافيا، لا سيما كما سبق إذا خرج بعد العصر، لأن نزه ذهابا وإيابا. وهكذا من تواضعه: مساعدته لأهل بيته في بعض الأعمال، على كثرة مشاغله وعلى كثرة أمراضه، كان يساعد أهله في أعمال البيت. وهكذا من تواضعه: أنه كان كما مر معنا، طعامه طعام متواضع، أحيانا رز ناشف، أحيانا خبز مع إدام، مع فول، أحيانا خبز مع حليب الإبل، إلى غير ذلك. وفي بعض الأحيان قد يكون عنده شيء من الدجاج أو نحو ذلك، ويستطيع يا إخوان أن يأتي بأحسن المأكولات، لكن كان رحمه الله لا يهتم بذلك. أيضا من تواضعه: أنه يسبقك بالسلام، ما يلقى أحدا إلا قال: السلام عليكم، السلام عليكم، فيبادر من يقابله بالسلام. وهكذا بطلاقة الوجه، وهكذا أيضا بماذا؟ بحسن المنطق. لا يعرف شخصا فيسلم عليه ويسأله عن حاله، ثم يقول له: أسألك، أسألك، يعني ممكن أوجه لك سؤالا؟ فإن قال نعم، فيوجه له سؤالا على حسب حاله، كان عاميا سؤالا سهلا، وإن كان طالب علم متمكن فيكون السؤال على حسب حال الطالب، على حسب حال الطالب. من تواضعه يا إخوان: كان يقبل الهدية ولو كانت شيئا يسيرا. يخبر أحد طلاب العلم القدامى من حضرموت، من المكلة، يقول: لما أردت أن أسافر أرسلت خالتي معي قصعة صغيرة فيها سمن، قصعة صغيرة فيها سمن. قالت: يا ابني هذه أعطيها الشيخ مقبل. قال: استحيت منها، فأخذت هذه العلبة، القصعة الصغيرة، وبقي يفكر كيف سيعطيها للشيخ، قصعة صغيرة يعني لا تليق بمقام الشيخ. لكن قال: أتيت إلى الشيخ وقلت: يا شيخ، هذه هدية من خالتي من البلاد. فأخذها الشيخ برحابة صدر وطيب نفس، وطيب نفس. وهكذا أيضا كان الشيخ رحمه الله تعالى من تواضعه: لا يتأمر في السفر، يرفض الإمارة ويجعلها لأحد المرافقين معه. وكانوا يعني من كان مع الشيخ غالبا يتركون المقعد الخلفي خلف السائق للشيخ لأنه مريض، وغالبا يحب أن يمد ظهره أو يضجع أو غير ذلك. فأحيانا يرى بعض الطلاب ليس معه شيء يركبه، أو يأتي بعض الطلاب ويسلم عليه وهو في سيارته، فيفسح له ويركبه إلى جنبه، ويتحمل عناء السفر، يتحمل عناء السفر الشيخ. من تواضعه: كان لا يرضى بالألقاب الضخمة، وإن كان رحمه الله تعالى يستحق الكثير منها. لا يرضى أن يمدح وأن يرفع فوق منزلته، وأن يعطى أعلى من درجته. فكان ينبه كما سبق: أننا طلبة علم، أننا طلبة علم، نصيب ونخطئ، وهكذا نجهل ونعلم. وكان يقول: لا يقلدني إلا ساقف، لا يقلدني إلا ساقف. وكان ينهى عن تقليده، وعن أن يتعصب له الطلاب أو غير الطلاب. ومشهد من هذا أن حياة الشيخ رحمه الله تعالى كانت مليئة وعامرة بالتواضع. وهذا مما استفيده الطالب من الشيخ، يحضر الطلاب إلى مجالس العلماء، فقبل أن يأخذوا منهم العلم، فإنهم يأخذون عنهم الأدب والخلق الحسن. يأتي معنا الكلام حول جوانب أخرى في دروس لاحقة. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر. شكرا شكرا.