شرح مختصر سيرة الرسول 97

شرح مختصر سيرة الرسول 97

الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 97، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

استعدادات جيش تبوك وأحداث الاستخلاف وقصة علي بن أبي طالب

استخلف النبي محمد بن مسلمة على المدينة وتخلف المنافقون وثلاثة من الصحابة، وسار بالجيش الكبير لملاقاة الروم مع تحمل المشقة. كما برأ النبي علي بن أبي طالب من إشاعات المنافقين بمنزلة هارون من موسى، وروي قصة أبي خيثمة مع أهله.

لحاق أبي خيثمة بالجيش والنهي عن دخول ديار ثمود

شعر أبو خيثمة بالذنب لبقائه في الراحة فلحق بالنبي في تبوك فاستبشر به ودعا له. ونهى النبي عن دخول ديار ثمود المعذبة إلا باكين للاعتبار خوفاً من نزول العذاب.

تحذير النبي من الريح الشديدة وإجابة دعاء الاستسقاء

حذر النبي من ريح شديدة ليلاً وأمر بربط الإبل، فعصى رجل فألقته الريح في جبل طيء. ودعا النبي عند العطش فأنزل الله المطر فارتوى الجيش، وهي من دلائل النبوة.

ختام درس تكثير الماء ونبعه واستكمال الموضوع لاحقاً

أنهى المحاضر الدرس الحالي بالاكتفاء بما طرح حول تكثير الماء ونبعه، على أن يتم استكمال باقي الموضوع في الدروس القادمة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. وبعد، فما زلنا في ذكر أحداث غزوة تبوك. قال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم: قال واستخلف على المدينة محمد بن مسلمة الأنصاري، وصحبي جليل، هو الذي قتل عدو الله كعب بن الأشرف، فاستخلفه النبي صلى الله عليه وسلم -أي محمد بن مسلمة- على المدينة. قال: فلما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم -يعني خرج من المدينة متوجهاً إلى تبوك- تخلف عبد الله بن أبي رأس المنافقين ومن كان معه، وتخلف نفر من المسلمين من غير شك ولا ارتياب، يعني تخلفوا تكاسلاً وليس نفاقاً وشكاً كحال المنافقين، وهم من الصحابة الأجلاء. ولذلك لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم وانتهت المعركة لم يكذبوا بل صدقوا، فصدقهم الله وتاب عليهم كما سيأتي معنا إن شاء الله. قال: وَتَخَلَّفَ نَفَرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ وَارْتِيَابٍ، منهم الثلاثة: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع. يجمع أول أسمائهم لفظ "مكة": الميم مرارة بن الربيع، والكاف كعب بن مالك، والهاء هلال بن أمية، هذا يقرب حفظ هؤلاء الثلاثة. قال: وَأَبُو خَيْثَمَةَ السَّالِمِي وَأَبُو ذَرٍ ثُمَّ لَحِقَاهُ، يعني كذلك ممن تخلف صحابيان من صحابة النبي عليه الصلاة والسلام غير الثلاثة، وهما أبو خيثمة السلمي وأبو ذر الغفاري رضي الله تعالى عنهما، ولكن هذين الصحابيين لحقا بالنبي صلى الله عليه وسلم وأدركا معه. قال: وشهدها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثين ألفاً من الناس، يعني عدد الصحابة، وَالْخَيْلُ عَشَرَةُ آلَافِ فَرَسٍ، قُرَابَةَ ثُلُثِ الْمُقَاتِلِينَ، وكانوا يتناوبون، ومنهم من يمشي، والمسافة بعيدة، فانظر كيف ضحوا وكيف صبروا وبذلوا أوقاتهم وأعمارهم وأموالهم وأجسادهم في سبيل الله، ألا يحب هؤلاء؟ ألا يترضى عليهم؟ ألا يُعرف حقهم وفضلهم؟ فقبَّح الله الروافض الذين ينالون من هؤلاء الصحابة الذين لولا نصرتهم للدين لما جاءنا ووصل إلينا هذا الدين نقياً صافياً. قال: وأقام بها عشرين ليلة -أي بتبوك- يُقصِر الصلاة، وَهَرْقَلُ يَوْمَئِذٍ بِحِمْصَ، يعني ملك الروم. قال ابن إسحاق: ولما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم خَلَّفَ عَلِيّاً عَلَى أَهْلِهِ، يعني يرعى شؤونهم ويقضي حوائجهم ويحمي حوزتهم وعراضهم، فعليٌّ رضي الله تعالى عنه ابن عم النبي عليه الصلاة والسلام وزوج ابنته. فقال المنافقون: ما خلَّفه إلا استثقالاً له، أتخففاً منه. وهكذا حال أهل النفاق يتربَّصون بالمؤمنين ويُشيعون عنهم الشائعات الكاذبة عداوةً للإسلام والمسلمين، وكذلك زعزعةً لأمن بلاد الإسلام، وهذا في كل زمان إلى يومنا هذا. فهذا ليس بصحيح. وإذ ذاك لما سمع علي ذلك من المنافقين قال: فأخذ سلاحاً ولحق به بالجرف، يعني لحق بالنبي إلى هذا الموضع، فقال: يا نبي الله، زعم المنافقون أنك ما خلَّفتني إلا استثقالاً، يعني لأنني سأكون ثقيلاً، سأكون ثقيلاً في الجيش، حتى تتخفف مني خلَّفتني، هذا معنى كلام المنافقين. فأخبر علي النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال صلى الله عليه وسلم: كذبوا، ولكني خلَّفتك لما تركت ورائي من الأهل والزوجات ونحو ذلك، فارجع فاخلُفني في أهلي وأهلك -يعني ابنته فاطمة-، أولا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي؟ فرجع، والحديث في الصحيحين، وهذه من مناقب علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه. قال: ودخل أبو خيثمة إلى أهله في يوم حار، لأنه ممن تخلَّف بعدما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم أياماً، فوجد امرأتين له في عريشين لهما في حائط، يعني زوجتين، قد رشت كل واحدة منهما عريشها وبرَّدت له ماءً وهيئت له طعاماً. كانوا يبرِّدون العريش لأنه من سعف النخيل بالماء، ما عندهم مكيفات ولا عندهم مثل هذه المراوح ولا شيء، فكانوا يغشون العريش بالماء فيبرد، وهذا يستخدمه الأعراب في بعض البواد إلى اليوم فيكون سبباً في تلطيف الجو. وهيئت له طعاماً، فلما دخل قام على باب العريش فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم في الضح، والضح هو ضوء الشمس، بمعنى معرَّض لحرارة الشمس، يريد أن النبي صلى الله عليه وسلم بارز في حر الشمس وهبوب الريح، وأنا أجلس في هذا الظل وهذه الراحة وهذا النعيم، هذا معنى كلامه. فحرَّكه الإيمان، تحرَّك قلبه وما فيه من صدق وإيمان، فقال رضي الله تعالى عنه: رسول الله صلى الله عليه وسلم في الضح والريح والحر، وأبو خيثمة في ظل بارد وطعام مهيأ وامرأة حسنة، ما هذا بالنصف، ما هذا بالإنصاف، خير البرية في الشمس وفي حرها وفي هبوب الريح، وأنا في هذا النعيم في هذا الظل، ما هذا بالنصف، ما هذا بالإنصاف. ثم قال: والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله صلى الله عليه وسلم، فهيَّآ له زاداً، فهيَّآ له زاداً، ففعلتا. ثم قدَّم ناضحه، يعني معه الراحلة التي يستطيع أن يغزو بها، فليس معه عذر، ثم قدَّم ناضحه فارتحل، ثم خرج حتى أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزل تبوك، فألحق في الجيش رضي الله عنه. قال: وقد كان عمير بن وهب الجمحي أدرك أبا خيثمة في الطريق فترافقا، أيضاً ممن تخلف في أول الأمر عمير بن وهب، فخرجا، فالتقى بأبي خيثمة فترافقا في الطريق، أي مشيا جميعاً، حتى إذا دنوا من تبوك قال أبو خيثمة: إن لي ذنباً، فلا عليك أن تتخلف عني حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني بسبب تخلُّفي فلعل النبي صلى الله عليه وسلم يلومني ويزجرني، فدعني أتقدَّم وأنت تتأخر عني، هذا معنى كلامه. قال: ففعل، حتى إذا دنى من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الناس: هذا راكب على الطريق مقبل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كن أبا خيثمة. والناس لا يميزون، يرون شاخصاً فقط ولا يميزون صورته وملامحه، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام توسَّم أن يكون هذا المقبل هو أبو خيثمة، فكان الأمر كما توقَّع النبي صلى الله عليه وسلم. قال: كن أبا خيثمة. قالوا: يا رسول الله، هو والله أبو خيثمة. فلما أقبل سلم على رسول الله، فقال له: أوْلى لك يا أبا خيثمة، يعني أوْلى لك أن تغزو معنا وأن تجاهد معنا ولا تتخلف. فأخبره الخبر، يعني بما وقع له من سبب مجيئه إلى الغزو، فقال له خيراً ودعا له، والحديث كما يقول المعلق في صحيح مسلم. قال: وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما مر بالحجر من ديار ثمود قال: لا تدخلوا على هؤلاء القوم المعذَّبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، لا يصيبكم مثل ما أصابهم. والحديث في الصحيحين. والمراد بديار ثمود أي الذين أرسل إليهم نبي الله صالح، فقد أخذتهم الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين، فأهلكهم الله. ففي هذا عدم الدخول إلى ديار المعذَّبين إلا الدخول إليها باكين، لماذا باكين؟ للعبرة والعظة، أن من أعصى الله وتمرد على رسله فهذه عاقبته، ومن أطاع الله ووقف عند شرعه واستجاب لرسله فإن الله عز وجل ينجيه، فأنجى الله عز وجل صالحاً ومن معه وأهلك المكذبين الكافرين. فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، لا تدخل وأنت تضحك وأنت تصور، يقول: أنا أصور الآثار، لا، إذا دخلت إلى مكان عذب فيه قوم بصاعقة أو مسخ أو قذف أو نحو ذلك فلا تدخل إلا وأنت باكين، فإن لم تستطع أن تبكي فلا تدخل حتى لا يصيبكم مثل ما أصابهم. وهذا فيه أن المواضع تؤثر، مواضع العقوبة تؤثر على ساكنيها وداخليها، فلا يتساهل المرء في ذلك. وقال: لا تشربوا من مائها شيئاً، ولا تتوضأوا منه للصلاة، وما كان من عجين عجنتموه فأعلِفُوه الإبل، يعني اجعلوه علفاً للإبل، ولا تأكلوا منه شيئاً، وأمرهم أن يهريقوا الماء، يعني الذي نزحوه من آبار هذا المكان، وأن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة، أي ناقة صالح، لأن الله أمرها بذلك وأمرهم بذلك، لهم شرب وللناقة شرب يوم معلوم كما جاء في القرآن. وهذا الحديث كما تقدم في الصحيحين. قال: وفي صحيح مسلم -يعني هذه الآن الوقائع والأحداث التي وقعت في غزوة تبوك، كل هذه الأحداث والوقائع وقعت في هذه الغزوة-. قال: وفي صحيح مسلم عن أبي حميد الساعدي قال: انطلقنا حتى قدمنا تبوك. تبوك ممنوع من الصرف، عندك أنت من أهل النحو، عندك عندك يا خالد. تبوك ممنوع من الصرف، أي قولين؟ أي قولين؟ ثلاثية؟ لك تساعد المصر، ما هو ثلاثية؟ رباعية؟ ما لك يا خالد؟ تبوك العالمية، العالمية وحدها العجمة، العجمة، تبوك عجمة، أي شيء؟ العلا العالمية، لكن تحتاج إلى أن تنضم إليها علة أخرى، تأنيث، أي نعم، العالمية مع التأنيث لتقدير أنها يعني اسم مثلاً بلدة أو يعني قرية أو نحو ذلك، فتمنع من الصرف للعالمية والتأنيث المعنوي. قال: حتى قدمنا تبوك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ستهب عليكم الليلة ريح شديدة، فلا يقم أحد منكم، فمن كان له بعير فليشد عقاله، يعني يربط عقاله ربطاً محكماً قوياً حتى لا يفلت هذا العقال، فتأخذ الريح هذا الجمل. الآن يسمونها ضرب، عندنا الآن الريح تأتي، قد رأينا هذا أو رأى بعض الناس أن الريح ربما تأخذ البشر ترفعهم إلى السماء، هذا وقع، وما وقع في زماننا هذا وقع في بعض المناطق من شدة الريح، تأخذ ربما القوارب التي هي راسية في سيف البحر تأخذها، فهذا قد وقع في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، وأخبر بذلك مما أوحاه الله إليه. قد يقول قائل: كيف النبي صلى الله عليه وسلم يعلم الغيب؟ ويقال: لا يعلم الغيب عليه الصلاة والسلام إلا ما أطلعه الله عليه، فهو رسول الله يوحى إليه، فأوحى الله إليه بذلك، هذا له أنباء كثيرة، النبي صلى الله عليه وسلم قال: ستهب عليكم الليلة ريح شديدة، فلا يقم أحد منكم، فمن كان له بعير فليشد عقاله. قال: فهبت ريح شديدة، فقام رجل -يعني لا يقم أحد منكم، يعني لا يتعرض لها، لا يخرج، يكون في رحله في مكانه في خيمته مثلاً في جحره مجد أو نحو ذلك-، فقام رجل فحملته الريح، رفعت حتى ألقته بجبل طيء. والحديث كما سمعت في صحيح مسلم، ويستدل بهذا الحديث على عقوبة من خالف أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم، فُسِّر العذاب الأليم بالحرق أو القتل أو كذلك الزلزلة أو نحو ذلك أو الحد أو نحو ذلك، فهذا من العذاب الأليم، فليحذر المسلم من أن يخالف أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فانظر إلى هذا الرجل خالف أمر النبي عليه الصلاة والسلام، نفسه يقول: لا يقوم أحد منكم، وهو قام وخرج مخالفة، فانظر ماذا حصل له، فانظر ماذا حصل له. قال ابن إسحاق: وأصبح الناس ولا ماء معهم، فشكوا بذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا الله فأرسل الله سحابة فأمطرت حتى ارتوى الناس واحتملوا حاجتهم من الماء. هذا من بركة النبي عليه الصلاة والسلام ومن دلائل نبوته وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام، وهذا كثير في السنة، بل ما هو أعظم من ذلك وهو نبع الماء من بين أصابعه عليه الصلاة والسلام، وتكثير الماء القليل، تكثير الماء القليل ونحو ذلك. طيب، نكتفي بهذا ونكمل ما بقي في دروس قادمة، إلى هنا والله تعالى، تكثير الماء، ونبع الماء تكثيراً.