الدرس في شرح كتاب الطهارة 9، الدرس التاسع (ولا يجوز تمويه السقوف بالذهب والفضه ... والثاني من يستحل الميتات كعبدة الأوثان والمجوس). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
درس يتناول حكم تزيين السقوف واللجام والسرج بالذهب والفضة، واستدل بالأحاديث النبوية والآثار في النهي عن الإسراف والتبذير والتشبه بالكفار. كما تطرق إلى آراء الفقهاء المختلفة حول هذه المسائل.
يناقش حكم استعمال أواني وثياب أهل الكتاب وغيرهم من الكفار، ويشير إلى جواز استعمالها إذا لم تكن نجسة، مستدلًا بحديث عمران بن حسين في الصحيحين.
يتناول حكم طهارة آنية الكفار، ويشير إلى أن طهارتها تعتمد على ما إذا كانوا يستحلون الميتة أو المحرمات أم لا، وأن أواني من لا يستحلها طاهرة.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، مر معنا في الدرس الماضي الكلام على شيء من مسائل باب الآنية، ونواصل إن شاء الله اليوم ما بقي أو ما يتيسر مما بقي من مسائل الباب. قال رحمه الله تعالى: «ولا يجوز تمويه السقوف بالذهب والفضة، ولا يجوز لَطْفُ لجامي والسرج بالفضة». قوله رحمه الله: «ولا يجوز تمويه السقوف بالذهب والفضة»، المراد هنا بالتمويه ما هو أعم من لفظ التمويه، فهو يشمل الطلاء، أو كذلك التلطيخ، أو كذلك التزيين بوضع الحلق أو القطع أو غير ذلك من أوجه تزيين السقوف بالذهب والفضة. ودليل ذلك عموم ما سبق الكلام عليه مما يفهم من الأحاديث الواردة سابقًا: حديث حذيفة، وحديث أم سلمة، والمعاني العامة من النهي عن الإسراف والتبذير والتشبه بالكفار. قلنا: الحديث السابقة والمعاني العامة من النهي عن الإسراف والتبذير، وهكذا كذلك التشبه بالكفار، كقول النبي عليه الصلاة والسلام: «من تشبه بقوم فهو منهم»، حديث ابن عمر فيما رواه أحمد وغيره، وهو حديث حسن. وهكذا كذلك قوله: «ولا يجوز لَطْفُ لجامي والسرج بالفضة»، اللطف معروف، مصدر التلطيخ، وهو مثل الصبغ، ولكن ليس المراد عين التلطيخ؛ لأن العلماء ذكروا تفاصيل وأشياء كثيرة، ولكن هذا هو الغالب؛ لأن اللجام في الغالب يكون مما تصنع منه الحبال، ومثل هذا في الغالب يلطخ. واللجام هو الذي يوضع في رأس الخيل، ويشد عليه به أحيانًا في طرف فمه مع أنفه، وأحيانًا في مقدمة فمه، المهم للناس كيفيات في كل بلد وآخر. والسرج معروف، هو ما يسرج به الخيل ويركب عليه الراكب عليه مما يوضع على ظهره. وقلنا: ليس المقصود هو عين التلطيخ، بل الصحيح: لا يجوز استعمال زينة الذهب والفضة في اللجام والسرج بأي كيفية كانت، سواء بالتلطيخ أو بالترصيع، كانت أخذ قطع وتشد على طرف أو أطراف اللجام أو السرج أو غير ذلك. ودليله ما سبق في المسألة السابقة. قال رحمه الله تعالى: «وعنه ما يدل على الإباحة»، وهو مذهب أبي حنيفة. وقال الشيخ تقي الدين في الاختيارات: «ويباح الاكتحال بميل الذهب والفضة؛ لأنه حاجة، ويباحان لها». قال: هو أبو المعالي. ويجوز استعمال طيب. هذه مسألة أخرى. قوله رحمه الله: «وعنه ما يدل على الإباحة»، أي: روي عن الإمام أحمد المنع كما تقدم، ومنها المسائل المذكورة في السقوف، وفي اللجام والسرج -أي من الذهب والفضة أو بهما- وروي عنه -أي الجواز- في هذه المسائل. والصحيح المنع كما تقدم؛ لما سبق الكلام عليه بدليله، وهو الأحوط على أقل الأحوال. وقوله: «وهو مذهب أبي حنيفة»، يعني: روي القول بالإباحة عن أبي حنيفة. وقوله: «وقال الشيخ تقي الدين في الاختيارات» -ويريد كتابه رحمه الله في الاختيارات الفقهية الذي فيه تجد أكثر اختيارات الشيخ رحمه الله في المسائل الخلافية-. قوله: «وقال الشيخ» -يعني حاكيًا ناقلًا عن أبي المعالي الجويني-: «يباح الاكتحال بميل الذهب والفضة؛ لأنه حاجة، ويباحان لها»، هذا تعليل لمن جوز استعمال المكحلة والميل من الذهب والفضة. معروف الميل العمود الصغير الذي يدخل في وعاء المكحلة يسمى ميل، وهو يصنع من أشياء كثيرة، قد يصنع من الخشب أو يصنع من النحاس أو الصفر أو الجيد من الحديد أو الذهب والفضة. فهل يجوز من الذهب والفضة؟ الصحيح: لا. والمؤلف والمؤلف رحمه الله يشير إلى هذه التفاصيل والخلاف فيها؛ لأن العلماء أشاروا إليها في كتبهم، وتحتها تفاصيل كثيرة في الكتب المتوسعة. لكن على ما تقدم الكلام عليه: الأحوط على أقل الأحوال ترك استعمال الميل من الذهب والفضة، وأنه ينبغي الاكتفاء بغيره من المعادن أو الأخشاب أو غيرها، ومن الأشياء الجيدة المتقنة التي لا تضر ويحصل بها المقصود، وهذا أسلم للمسلم حتى لا يقع في الإسراف والتبذير، خصوصًا مع إمكان غيره، وحتى كذلك لا يقع بالتشبه بالكافرين والمجرمين. فالمهم: الأحوط على أقل الأحوال تركه، خصوصًا وأنه يمكن إيجاد المقصود في غيره، وبشيء لا يضر. وأما التعليل الذي ذكر: «لأنه حاجة، ويباحان لها»، يقال: نعم، إذا لم تعارضه الأدلة بألفاظها ومعانيها. وأما وقد وجد ما يعارضه، فالأحوط تركه، والله تعالى أعلم. قال رحمه الله تعالى: «ويجوز استعمال أواني أهل الكتاب وثيابهم ما لم تعلم نجاسته». قوله: «ويجوز استعمال أواني أهل الكتاب وثيابهم ما لم تعلم نجاسته»، هل هذا خاص بأهل الكتاب أم حتى غير أهل الكتاب من المشركين؟ الصحيح: أنه يشمل غير أهل الكتاب ولو من المشركين. ويدل عليه ما جاء في الصحيحين من حديث عمران بن حسين في قصة طويلة، وذكر فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ من مزادة مشركة. والمزادة هي مثل القربة -أي من جلد التي يوضع فيها الماء- ولكنه كبير جدًا. نحن عندنا يستعمل أو يستعمل البدو اليوم ما ينفخ فيه هواء كفر السيارة، أو تقولون تاير تيوب، يقسم نصفين ويغلق من جانب، خصوصًا ما كان للسيارات الكبيرة، ويضيق من جانب آخر، فيعبأ به الماء، فينقل على ظهري البعير من بئر بعيدة إلى مواضع سكنة البدو. فالشاهد: أن المزادة شيء كبير يوضع فيه الماء، والنبي عليه الصلاة والسلام توضأ منه؛ لماذا؟ لأن مثل هذا في الغالب لا يعلم نجاسته، هذا لا يستعمل في الأشياء النجسة. وهذا المعنى الصحيح: أنه لا يختص بأهل الكتاب، بل هو لأهل الكتاب ولغير أهل الكتاب، ما دام أنه من مضان الشيء الطاهر. وقوله: «ما لم تعلم نجاسته»، بقي: إذا لم يكن من مضان الشيء الطاهر، الجواب سيأتي الكلام عليه. وقوله: «وثيابهم» كذلك، نتركه في المسألة التي بعده. نترك التفصيل في الثياب في المسألة التي بعده، ولكن هنا نذكر فقط ما يوافق قوله: «ما لم تعلم نجاسته». فمثلًا ما لا يعلم نجاسته عند الكتاب وعند المشرك: ما كان خاصًا بأوعية الماء مثلًا، فهذا يستعمل بدون شك ولا ريب، لا فرق بين مشرك أو كتاب أو غيره. ومثال الثياب التي هي ليست مضان النجاسة: كالعمامة، وما كان من الثياب ليس هو مضنة النجاسة، مثل ما يوضع في الجسد الأعلى، وما هو بعيد من موضع النجاسة، فهذا كما قال رحمه الله، وذكره كثير من أهل العلم: أنه يجوز استعماله. والدليل كما سمعنا: حديث عمران المتقدم. قال رحمه الله تعالى: «وهم على قسمين: من لا يستحل الميتة كاليهود فأوانيهم طاهرة، والثاني من يستحل الميتات كعبدة الأوثان والمجوس، فما لم يستعملوه من آنيتهم فهو طاهر، وما استعملوه فهو نجس لحديث أبي ثعلبة، وهو متفق عليه. قال: وما شك في استعماله فهو طاهر». هذه ثلاثة مسائل الآن، وقبل هذه الثلاثة قوله: «وهم» -الضمير يعود في ظاهر كلام المؤلف ولفظ الكتاب أواني أهل الكتاب- فيكون وهم أي أهل الكتاب. لكن على ما سبق تقريره مما ذكره أكثر أهل العلم، وهو كذلك ما يفهم مما يأتي من كلام المؤلف: ليس هذا الحكم خاص بأهل الكتاب، بل هو لأهل الكتاب وللمشركين -يعني المسألة السابقة-. فإذا قوله: «وهم» أي أهل الكتاب والمشركون على قسمين واضح. بحذف يده. قال: «وهم على قسمين: من لا يستحل الميتة كاليهود فأوانيهم طاهرة». الآن قسم رحمه الله هؤلاء -أي الكفار عمومًا من كتاب أو مشرك أو حتى ملحد- قسم منهم لا يستحل أكل الميتة، فأوانيهم طاهرة. والصحيح أو نقول: الأصح والأدق والذي ذكره أكثر أهل العلم: أن يقيد ليس بالميتة فقط، ولكن بكل ما يحرم أكله وشربه. فمن كان لا يستحل ما يحرم أكله وشربه فأوانيهم طاهرة؛ فمثلًا من يستحل الميتة هو سيستعمل الآنية في الميتة، أو هو مظنة استعماله في الميتة. ومن يستعمل الخمر فآنيته مظنة استعمال الخمر. إذن لا نقيده بالميتة، بل نقيده بكل ما هو محرم في ديننا من الأطعمة والأشربة. فمن كان يجتنبه -فمثلًا- فأوانيته طاهرة، سواء اليهود أو غير اليهود. لكن في زماننا هذا هل يوجد أمثال هؤلاء؟ نعتذر للانقطاع، والمهم خلل ليس في أيدينا، فالحاصل نكمل. قلنا: أنه إذا كان هذا الكافر يهودي أو غير يهودي مظنة عدم استعمال المحرم في هذه الآنية، فآنيته طاهرة. وكما قلت لكم في واقعنا المعاصر: لا يتصور كافر لا يستعمل آنيته في شيء محرم إلا القليل النادر، الله أعلم أين هم.