التعليقات على كتاب الأدب المفرد 105

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 105، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مشروعية نصح الآخرين دون استشارتهم

يشرح هذا الفصل جواز تقديم النصيحة للآخرين حتى دون طلبهم لها، مستندا إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم 'كل راع مسؤول عن رعيته'. كما يروي قصة راع غنم وجده ابن عمر في مكان غير مناسب فنصحه.

مسؤولية الراعي عن رعيته وأهمية الرحمة بالبهائم

يبين هذا الفصل مسؤولية الراعي عن رعيته سواء كانت بهائم أو بني آدم، ويبرز أهمية رحمة البهائم وعدم تعذيبها أو تكليفها بما لا تطيق مستدلا بحديث النبي عليه الصلاة والسلام.

أحكام الهبة والنهي عن التشبه بالحيوان

يناقش هذا الفصل حكم الرجوع في الهبة والاستثناءات الواردة فيها، كما ينهى عن التشبه بالحيوان في الأفعال والأحوال مستندا إلى أحاديث نبوية.

  • 23 جمادى الأولى 1430هـ - 17/05/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه "الأدب المفرد"، قال: باب إن السلام يجزئ من الصرم. قال: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، قال: حدثني محمد بن هلال بن أبي هلال، مولى بني كعب المدحجي، عن أبيه، أنه سمع أبا هريرة، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يحل لرجل أن يهجر مؤمنا فوق ثلاثة أيام، فإذا مرت به ثلاثة أيام فليلقه فليسلم عليه، فإن رد عليه السلام فقد اشترك في الأجر، وإن لم يرد عليه فقد برئ المسلم من الهجرة". هذا الحديث ضعيف، وقد مر معنا في الأبواب السابقة بأسانيده الصحيحة بمعنى هذا الحديث، وهو أنه إذا سلم من وقعت الهجر بينه وبين أخيه، فسلم عليه، فإن رد عليه السلام اشترك في الأجر، وإن لم يرد عليه السلام باء الذي لم يرد بالإثم، والذي سلم له الأجر. والمراد من ذلك أنه إذا سلم أحدهما فقد قطع الهجر؛ إذا سلم أحدهما فقد قطع الهجر الذي بينه وبين أخيه. قال: باب التفرق بين الأحداث. قال: حدثنا مخلد بن مالك، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مغراء، قال: حدثنا الفضل بن مبشر، والفضل بن مبشر هذا ضعيف؛ ضعفه بن معين والنسائي. قال عن سالم بن عبد الله، عن أبيه: "كان عمر يقول لبنيه: إذا أصبحتم فتبددوا -يعني تفرقوا- ولا تجتمعوا في دار واحدة؛ فإني أخاف عليكم أن تقاطعوا أو أن يكون بينكم شر". والأثر ضعيف. قال: باب من أشار على أخيه وإن لم يستشره -يعني وإن لم يطلب منه المشاورة-. قال: حدثنا عمر بن خالد، قال: حدثنا بكر، عن ابن عجلان: أن وهب بن كيسان أخبره -وهو من كيسان القرشي، مولى آل الزبير، ويكنى بأبي نعيم- قال: وكان وهب أدرك عبد الله بن عمر، وأدرك كذلك غير عبد الله بن عمر؛ أدرك أسماء بنت أبي بكر، ومن عباس، ومن الزبير، وجابر، وأنس، وعمر، من أبي سلمة، وأبي سعيد الخدري، وغيرهم من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين. قال: وكان وهب أدرك عبد الله بن عمر: "أن ابن عمر رأى راعيا وغنما في مكان قبيح، ورأى مكانا أمثل منه -يعني أحسن منه- فقال له: ويحك يا راعي حولها؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كل راع مسؤول عن رعيته". الحديث الصحيح، وقصته الشيخ الألباني رحمه الله في "الصحيحة"، والقطعة الأخيرة منه في الصحيحين. قوله: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كل راع مسؤول عن رعيته" هذا في الصحيحين، وأما أصل القصة فليست في الصحيحين. والمراد من هذه القصة أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أشار على هذا الراعي أن يحول مكان الرعي. قال: "رأى راعيا وغنما في مكان قبيح" -يعني مكان سيئ، مكان ليس بحسن- ورأى مكانا أمثل منه -يعني أحسن منه- إما كون هذا المكان قليل المرعى فيه، ليس فيه عشب كثير، أو كذلك ليس فيه ماء، أو كذلك تكثر فيه الوحوش أو نحو ذلك، فأشار عليه بمكان أمثل منه -يعني أحسن منه- مكان أمثل منه إما لكون يأمن على نفسه وعلى غنمه، أو لكثرة الرعي فيه، أو كثرة الماء ونحو ذلك. فأشار عليه ابن عمر أن ينقل غنمه من هذا المكان إلى ذاك المكان، مع أن هذا الراعي لم يستشر ابن عمر، لم يأت إلى ابن عمر ويقول له: ما رأيك في هذا المرعى؟ أو هل ترى مرعى أحسن منه؟ لم يأت يستشيره، ومع ذلك أشار إليه ابن عمر رضي الله تعالى عنهما بأن يحول غنمه إلى ذلك المكان. فقال له: "ويحك يا راعي حولها" -أي حول هذه الأغنام إلى المكان الأمثل والأحسن- ثم استدل بقول النبي عليه الصلاة والسلام: "كل مسؤول عن رعيته، كل راعي مسؤول عن رعيته". وراعي نكرة في سياق الإثبات، فتدل على الإطلاق، فيدخل فيها كل راع؛ سواء كان راعي لبني آدم، أو كان راعي للبهائم. سواء كان راعي لبني آدم أو للبهائم، فالأمير والحاكم ومن كان عنده مسؤولية فهو داخل في هذا الحديث، وهكذا الأب والأم كذلك يدخلان في هذا الحديث، وهكذا العبد نحو سيده وما يملك فهو داخل في هذا الحديث، وهكذا كذلك أيضا من كان عنده بهائم يقوم عليها فإنه داخل في هذا الحديث؛ لأنه يعتبر راعي عليها. يعتبر راعي عليها، فينبغي له أن يتق الله سبحانه وتعالى فيها وأن يحسن تربيتها والقيام بشؤونها من مأكل ومشرب. وهكذا أيضا كذلك من حمل فلا يحمل عليها فوق طاقتها، ولا يكلفها ما لا تطيق ولو كانت بهيمة، فهو مسؤول عنها، وهو مسؤول عنها يوم القيامة. ولهذا في أحاديث كثيرة بين النبي عليه الصلاة والسلام أهمية هذا الأمر، وهو رحمة البهائم. فنهى النبي عليه الصلاة والسلام عن وسمها في وجهها، ونهى كذلك أن تصبر البهائم حتى الموت -تحبس حتى تموت- ونهى كذلك أن تجعل البهائم مرمى -توضع في مكان ثم ترمى بالحجارة أو بالنبل أو بالرصاص- وهكذا كل ما كان لمعنى؛ لأن ذلك من تعذيبها وعدم رحمتها. وهكذا كذلك نهى النبي عليه الصلاة والسلام أن تكلف ما لا تطيق، كما جاء في السنن في قصة ذلك الرجل الذي دخل النبي عليه الصلاة والسلام على ناقته، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم لصاحبها: "إن هذه الناقة تشكو إلي أنك تجيعها وتدئبها" -يعني تتعبها- وهكذا أيضا تجيعها ولا تعطيها الطعام الذي ينبغي أن تعطى، فكل ذلك يدل على أنه ينبغي رحمة الحيوان، وأنه ينبغي مراعاة هذا الحيوان من مأكل ومشرب ومركب. والأخذ من هذا الحديث هو أن ابن عمر رضي الله تعالى عنه ما أشار إلى هذا الراعي مع أنه لم يستشره -يعني لم يأت يطلب منه المشورة- فاستدل به الإمام البخاري رحمه الله على هذا الباب، أنه يجوز للإنسان أن يشير على أخيه بما ينفعه وإن لم يأت يطلب منه المشورة، وإن لم يأت يطلب منه المشورة؛ إذا كنت تعلم أن هذا الأمر خير لصاحبك ولأخيك مما سيقدم عليه، فإنك تشير إليه بالرشد وتشير إليه بما ينتفع به، وإن لم يأت يطلب منك المشورة فلا بأس بذلك. قال: باب من كره أمثال السوق. قال: حدثنا أبو نعيم -وهو الفضل بن دكين- قال: حدثنا سفيان، عن أيوب -وهو ابن تميم السختياني- عن عكرمة، مولى ابن عباس، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس لنا مثل السوق العائد في هبته كالكلب يرجع في قيئه". الحديث صحيح، وهو في الصحيحين. وفي هذا الحديث زجر النبي عليه الصلاة والسلام عن مثل السوق، فقال: "ليس لنا مثل السوق العائد في هبته كالكلب يرجع في قيئه". وهذا فيه نهي عن العود في الهبة -عن العود في الهبة- أن يعطي الإنسان هبة من مال أو عين ينتفع بها أو غير ذلك، ثم يأتي ويعود فيها فيقول: هات أعطني ما أعطيتك -سواء كان مالا أو كان غير ذلك- ولو كان شيء حقير؛ قلم أو كتاب أو دفتر أو غير ذلك، لا يجوز له أن يعطيه شيئا ثم يرجع فيه، يقول: هات الذي أعطيتك؛ فهذا منهي عنه، وهو المراد من قول "ليس لنا مثل السوء". وهذا أبلغ في الزجر والنهي؛ أبلغ في الزجر والنهي وأدل على التحريم. والمعنى: لا ينبغي لنا أن نتمثل بالحيوان -لا ينبغي لنا أن نتمثل بالحيوان- كالكلب يقيء ثم يرجع في قيئه، يقيء ثم يرجع فيأكل قيئه. فنهى النبي عليه الصلاة والسلام عن العود في الهبة، ففي هذا نهي عن العود في الهبة، وأنه لا يجوز الإنسان أن يهب هبة ثم يعود فيها؛ إلا ما استثنى الدليل، وهو هبة الوالد لولده -هبة الوالد لولده- كما جاء في الحديث: "أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى أن يعطي الرجل العطية ثم يرجع فيها، إلا فيما يعطي الوالد ولده" -إلا فيما يعطي الوالد ولده- فالوالد يجوز أن يهب لولده هبة ثم يرجع فيها، يجوز أن يرجع في هبته لولده. واستدل العلماء بقول النبي عليه الصلاة والسلام: "أنت ومالك لأبيك، أنت ومالك لأبيك". وهذا إذا لم يكن في ذلك ضرر على الولد؛ إذا لم يكن في ذلك ضرر على الولد، فليس معنى "أنت ومالك لأبيك" فيأخذ مال ولده ويضربه؛ لا، "أنت ومالك لأبيك" أي: لأبيك حق فيما معك من المال، فيأخذ منه بقدر حاجته مع عدم حصول الضرر على الولد، مع عدم حصول الضرر على الولد. وهكذا أيضا قال أهل العلم: لا يجوز أن يأخذ الأب من مال ولده ثم يعطيه لغيره من أبنائه؛ لا يجوز له أن يأخذ من مال ولده ثم يعطيه لغيره من أبنائه -يعني من إخوان هذا الولد- فهذا لا يجوز؛ لأنه إضرار بالولد، إلا إذا كان هذا الولد بحاجة إلى المال؛ إذا كان هذا الولد بحاجة إلى المال، وهو فقير، وهذا الابن الآخر غني، وهو لا ينفق عليه ولا يعطيه شيئا، فهنا يجوز أن يأخذ من مال ولده ويعطيه لذاك الولد الفقير؛ لأن الغني يجب عليه أن ينفق على أقاربه الفقراء -الغني يجب عليه أن ينفق على أقاربه الفقراء- لقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾، فإذا امتنع من ذلك وأبى أن يعطي لقريبه الفقير، فيجوز أن يأخذ الآن من ماله ويعطيه لذاك المحتاج. وأما إذا لم يكن محتاجا فلا يجوز له أن يأخذ من مال ولده ويعطيه لذاك الولد. فالمهم أن الأب يجوز أن يرجع في هبته لما يعطيه لولده، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. وأما غير الأب فإنه لا يجوز له أن يرجع في هبته؛ إذا وهب هبة فلا يجوز له أن يرجع فيها. وفي هذا الحديث كذلك نهي عن التشبه بالحيوان: "ليس لنا مثل السوء العائد في هبته كالكلب يرجع في قيئه" -أي ليس لنا أن نتمثل بأمثال السوء- وهو ما كان من فعل الحيوان، فلا يجوز للإنسان أن يتشبه بالحيوان. ولهذا نهى النبي عليه الصلاة والسلام في كثير من الأحاديث عن التشبه بالحيوان، ومن ذلك في الصلاة: نهى عليه الصلاة والسلام عن التفات كالتفات الثعلب، وعن أن يبسط الرجل ذراعيه انبساط الكلب، أو قعود كأقعاء القرد؛ كل ذلك من النهي عن التشبه بالحيوان، فلا ينبغي لمسلم أن يتشبه بالحيوان في المكر والخديعة. قال: حدثنا أحمد بن الحجاج، قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل، قال: حدثنا أبو الأسباط الحارثي -واسمه بشر بن رافع- عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلامة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المؤمن غر كريم، والفاجر خب لئيم". والحديث حسنه العلامة الألباني رحمه الله في "الصحيحة". وقد اختلف في صحة هذا الحديث؛ فمن أهل العلم من حكم عليه بالوضع، وهو سراج الدين القزويني، حكم على هذا الحديث بالوضع، وأعله بحجاج بن فرافصة، وبشر بن رافع. وأرد عليه الحافظ ابن حجر رحمه الله وغيرهم من أهل العلم، على أن هذا الحديث لا يصل إلى حد الوضع، وإن كان حجاج هذا ضعيف؛ قل ضعفه من غير طريق حجاج، من غير طريق حجاج هذا. وإن كان هو كذلك من طريق بشر بن رافع، وبشر ضعيف، إلا أنه ليس شديد الضعف؛ ليس شديد الضعف، فرواية بشر بن رافع مع متابعة حجاج يرتقي الحديث إلى الحسن؛ يرتقي الحديث إلى الحسن. وبذلك حسنه العلامة الألباني رحمه الله كما في "الصحيحة"، فيكون الحديث حسنا. والله تعالى أعلم.