التعليقات على كتاب الأدب المفرد 73

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 73، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

شجاعة النبي وأهمية الإقدام

يبرز المقطع الأول شجاعة النبي صلى الله عليه وسلم ويستدل بحديث أنس بن مالك. كما يشدد على أهمية الشجاعة مع التوكل على الله.

أحكام الشهادة والتوكل على الله

يفسر المقطع الثاني الفرق بين القتل العمد والموت في سبيل الله، ويشدد على أهمية الأخذ بالأسباب والتوكل على الله.

معاني المعروف وإظهاره

يشرح المقطعان الثالث والرابع معاني المعروف مثل التبسم وإعانة الآخرين، ويبرز أهمية كف الأذى عن الناس كصدقة.

التفريغ النصي الكامل

قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد: حدثنا عمر بن عون، قال: أخبرنا حماد، عن ثابت، عن أنس، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وأجود الناس وأشجع الناس. ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة، فانطلق الناس قبل الصوت، فاستقبلهم النبي صلى الله عليه وسلم قد سبق الناس إلى الصوت، وهو يقول: «لن تراعوا، لن تراعوا»، وهو على فرس لأبي طلحة عري ما عليه سرج، وفي عنقه السيف. فقال: لقد وجدته بحرا، أو إنه لبحر». هذا الحديث صحيح، وهو في الصحيحين. وفيه إخبار أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أحسن الناس وأجود الناس وأشجع الناس. أحسن الناس خلقا وخلقا، عليه الصلاة والسلام. أحسن الناس خلقا، أي ما كان عليه عليه الصلاة والسلام من حسن الخلق. وهكذا أحسن الناس خلقا، فما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام من حسن الخلق أمرا عظيما. وكذلك كان أجود الناس، يعني أكرمهم وأجودهم. وكذلك كان أشجع الناس، كان من خلق النبي عليه الصلاة والسلام الشجاعة، كان شجاعا عليه الصلاة والسلام. ثم ذكر أن أهل المدينة فزعوا ذات ليلة، فانطلق الناس قبل الصوت، أي سمعوا صوتا ففزعوا منه، فانطلقوا قبل الصوت ينظرون ما هذا الصوت. قال: فاستقبلهم النبي صلى الله عليه وسلم قد سبق الناس إلى الصوت، وهو يقول: «لن تراعوا، لن تراعوا»، أي لن تخافوا ولن ترهبوا. فلما ذهبوا ينظرون إلى هذا الصوت، إذ بالنبي عليه الصلاة والسلام قد أقبل من موضع هذا الصوت. وهذا دل على شجاعته عليه الصلاة والسلام، ذهب إلى هذا الموضع من موضع بنفسه، ذهب إليه بنفسه. فما رأوا إلا النبي صلى الله عليه وسلم قابل من هذا الموضع الذي فيه الصوت. ولم يقول عليه الصلاة والسلام: من سأبقى في مكاني ينظرون ما الذي حصل؟ لا، ذهب عليه الصلاة والسلام بنفسه. وهذا دل على غاية الشجاعة. وهكذا ينبغي أن يكون المسلم من خلقه الشجاعة والإقدام، وأنه يعلم أنه لا يصيبه شيء إلا بما كتبه الله سبحانه وتعالى عليه، إلا بما كتبه الله جل وعلا عليه. فالشجاع عنده توكل على الله سبحانه وتعالى، عنده توكل على الله سبحانه وتعالى، يقدم على الأمر وهو يعلم أن ما كتبه الله سبحانه وتعالى سيكون. لكن ليس معنى ذلك أنه يودي بنفسه إلى الهلكة، لا، فإنه قد نهي عن ذلك، كما قال الله جل وعلا: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾. فإذا كان في أمر من الأمور إذا أقدم عليه سيودي بنفسه إلى الهلاك، فلا يفعل ذلك. إلا إذا كان في باب الجهاد وقتال الكفار، وغلب على ظنه أنه قد ينجو، كان يقتحم مثلا صفوف الكفار فيقاتلهم، هذا لا بأس به، وليس هذا من قتل النفس، ليس هذا من قتل النفس. قد فعل ذلك بعض الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. بخلاف ما لو أيقن أنه ميت، أيقن أنه ميت، كأن يفجر نفسه، يحمل ألغام ثم ينطلق إلى الكفار فيفجر نفسه، فهذا لا يجوز، ويعتبر هذا من قتل النفس التي حذر الله سبحانه وتعالى ورسوله منها: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة». فهذا لا يجوز، أن يقتل نفسه. أما الصورة الأولى، ففرق، فإنه لا يقتل نفسه، بل يقاتل ويحاول أن ينجو بنفسه، فإن نجى فالحمد لله، وإن قتل فإنه قتل بإذن الله شهيدا. والشاهد كما سمعنا هو شجاعة النبي عليه الصلاة والسلام. قال: وهو على فرس لأبي طلحة عري، ومعنى عري: ما عليه سرج، ليس عليه سرج. وما يوضع على ظهر الفرس يركب عليه الفارس. قاله: وفي عنقه السيف، يعني في عنق النبي عليه الصلاة والسلام. والمعنى أنه تأهب عليه الصلاة والسلام وأخذ بالأسباب وحمل السلاح. وفي هذا بيان أنه ينبغي للمسلم أن يعتني بالأخذ بالأسباب، وأن ذلك لا ينافي التوكل، أن ذلك لا ينافي التوكل. فالنبي عليه الصلاة والسلام أعظم المتوكلين على الله سبحانه وتعالى، خرج وهو حامل سلاحه، ما قال: إن المتوكل على الله أصابع السيف في البيت، أخرج بلا سلاح. أخذ سلاحه عليه الصلاة والسلام معه. وهذا من التوكل الذي ينبغي أن يكون عليه المسلم في باب القتال، يكون عنده العدة والعتاد. وهكذا في السفر إذا أراد أن يسافر يتزود لسفره. وهكذا إذا أراد كسب المال اتخذ الأسباب الشرعية والمأذون بها في التكسب، وغير ذلك يأخذ بالأسباب المأذون بها. قال: لقد وجدته بحرا، أو إنه لبحر، يعني وجد فرس أبي طلحة سريعا. وجدته بحرا، يعني سريع الجري. وقد كان فرسه بطيئا، كان بطيء السير. فلما ركب عليه النبي عليه الصلاة والسلام صار سريعا. وفي هذا دلال على بركة النبي عليه الصلاة والسلام، بركة النبي صلى الله عليه وسلم، فإن بمجرد ركوبه لهذا الفرس صار هذا الفرس سريعا. وشاهد منه وفي ذكره في هذا الباب هو باب طيب النفس، هو النبي عليه الصلاة والسلام، كما قال أنس: كان أحسن الناس وأجود الناس وأشجع الناس. خروجه كذلك في هذا الموضع الذي سمع منه الصوت، ثم رجع عليه الصلاة والسلام وأخبر الناس بأنهم لا يفزعون ولا يخافون، يدل على ما كان عليه عليه الصلاة والسلام من طيب النفس وطمئنانها. قال رحمه الله: حدثنا قتيبة، قال: حدثنا المنكدر، عن أبيه، عن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل معروف صدقة». إن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق، وأن تفرغ من دلوك في إناء أخيك. والحديث حسن، الشيخ الألباني رحمه الله. وأوله في الصحيح. قوله: «كل معروف صدقة»، أي كل ما كان من المعروف، والمراد بالمعروف ما كان من فعل الخير الذي أمر به الشرع وأباحه، فهو صدقة، أي إذا فعلته كان لك صدقة. ومن ذلك أن تلقى أخاك بوجه طلق، يعني بوجه مستبشر بابتسامة، كما قال عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة: «وتبسمك في وجه أخيك صدقة». تبسمك في وجه أخيك صدقة، هذا من المعروف. أن تلقاه بوجه طلق، ما تلقاه بوجه معكر، لا تلقاه بابتسامة ووجه مستبشر، فهذا من المعروف، وهو سبب لإدخال المحبة والمودة. بخلاف ما لو لقيته وأنت على وجه غير مستبشر، ربما يقع بينك وبينه شيء بسبب ذلك، فتقول: لماذا قابلني بهذه المقابلة؟ لعل، لعل حزن علي أو زعل أو شيء من ذلك، فتقع في النفوس أشياء بسبب ذلك. فلهذا كان من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق، وأن تفرغ من دلوك في إناء أخيك، أن تفرغ من دلوك في إناء أخيك، أي أن تعينه، أن تعينه بما تستطيع. أن تعينه بما تستطيع، إن كان يحتاج إلى مال أعنته بما تستطيع، أو يحتاج إلى من يعينه في عمل فتعينه بما تستطيع، وهكذا في كل أمر يحتاج له، فتعينه على قدر استطاعتك. وأشاهد منه قوله: «إن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق»، وهذا من طيب النفس، هذا من طيب النفس، أن تلقاه بوجه طلق مستبشر. وهذا وأشاهد من ذكره هذا الحديث في هذا الباب، باب طيب النفس. قال: باب ما يجب من عون الملهوف. قال: حدثنا الأويسي، قال: حدثنا عبد الرحمن، من أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة، عن أبي مراوح، عن أبي ذر، قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال خير؟ قال: «إيمان بالله وجهاد في سبيله». قال: فأي الرقاب أفضل؟ قال: «أغلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها». قال: فرأيت إن لم أستطع بعض العمل، قال: «تعين ضائعا أو تصنع لأخرق». قال: فرأيت إن ضعفت، قال: «تدعو الناس من الشر، فإنها صدقة تصدق بها على نفسك». والحديث صحيح، وهو كذلك في الصحيح، حين قد مر في أبواب سابقة. قال: حدثنا حفص بن عمر، قال: حدثنا شعبة، قال: أخبرني سعيد، من أبي بردة، قال: سمعت أبي يحدث عن جدي، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «على كل مسلم صدقة». قال: فرأيت إن لم يجد، قال: «فليعمل وليُنفِع نفسه وليتصدق». قال: فرأيت إن لم يستطع أو لم يفعل، قال: «ليعن ذا الحاجة الملهوف». قال: فرأيت إن لم يستطع أو لم يفعل، قال: «فليأمر بالمعروف». قال: فرأيت إن لم يستطع أو لم يفعل، قال: «يمسك عن الشر، فإنها له صدقة». وهذا أيضا صحيح، وقد مر كذلك في أبواب الماضية. والشاهد منه قول عليه الصلاة والسلام: «ليعن ذا الحاجة الملهوف»، أي فليعن من كان له حاجة، من كان له حاجة. وتفسره كذلك الرواية التي قبلها: «تعين ضائعا أو تصنع لأخرق». تعين ضائعا، أي من له ضائع مال أو كان فقيرا، فتعينه على فقره. أو تصنع لأخرق، أي الذي لا يحسن العمل، الذي لا يحسن العمل، فتعينه على عمله في صناعة شيء أو فعل شيء، فتعينه، فذلك أيضا من المعروف. فإن لم تستطع وضعفت عن ذلك، فإنك تمسك عن الشر، تمسك عن الشر، فإن ذلك من الصدقة، أي تكف شرك عن الناس، ولا تؤذي أحدا، لا بلسانك ولا بيدك، ولا كذلك بمنصبك، فإن ذلك من الصدقة. وهذا كما قلنا هو الشاهد من ذكر هذا الحديث في هذا الباب. وقوله: «ليعن ذا الحاجة الملهوف».