التعليقات على كتاب الأدب المفرد 57

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 57، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تحذير النبي من تتبع عورات الناس

يشرح الدرس تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من اتباع الريبة وتتبع عورات الناس، ويبين عواقب ذلك من إفساد وفرقة بين المسلمين. كما يحث على الابتعاد عن التجسس والتركيز على إصلاح النفس.

أهمية التبسم في الإسلام

يُناقش الدرس أهمية التبسم في وجه الآخرين كخلق إسلامي حسن، مستشهدًا بحديث جرير بن عبد الله وحديث أبي هريرة. يُبيّن أن التبسم يُعتبر صدقة.

صفات ضحك النبي ورد فعله تجاه الطقس

يصف الدرس ضحك النبي بأنه كان تبسما وليس قهقهة، ويذكر رد فعله عند رؤية الغيوم والرياح حيث كان يتغير وجهه خشية العذاب، ويفرح عند نزول المطر.

التفريغ النصي الكامل

قال الإمام البخاري رحمه الله بكتابه «الأدب المفرد»: حدثنا إسحاق بن العلاء قال: حدثنا عمر بن الحارث قال: حدثني عبد الله بن سالم الأشعري عن محمد بن الوليد الزبيدي عن ابن جابر، وهو يحيى بن جابر، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، حدثه أن أباه حدثه أنه سمع معاوية يقول: سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم كلاما نفعني الله به، سمعت يقول -أو قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول-: «إنك إذا اتبعت الريبة في الناس أفسدتهم»، فإني لا أتبع الريبة فيهم فأفسدهم. الحديث كما أُمر أنه صحيح، وفيه تحذير النبي عليه الصلاة والسلام من اتباع الريبة في الناس، وذلك يتبع عيوبهم وعوراتهم، وأن ذلك سبب في إفسادهم، إنه إذا اتبعت الريبة في الناس أفسدتهم، وذلك بالبحث عن بواطن الأمور في الشر تبحث عنها وتنكش، فذلك سبب في إفساد الناس، فرغم ما إذا اتهمته بشيء وظننت فيه ظن السوء كان ذلك سببا في ارتكابه ما ظننت به ولجهره بهذا الأمر الذي اتهمته به فيكون في ذلك إفساده. وفيه كذلك أيضا التحذير من التتبع عيوب الآخرين، «إنك إذا اتبعت الريبة في الناس أفسدتهم»، فلا يجوز للإنسان أن يتبع عورات الآخرين ويبحث عنها، فإن هذا كما سمعنا وذكرنا من التجسس الذي نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام: «ولا تجسسوا ولا تحسسوا». وما من إنسان إلا وله عيوب، إلا وله عيوب وله أخطاء، فإنه بشر لا يسلم من الخطأ ومن الزلل، ولو تتبعت عورات الناس وذهبت تفرحهم وتنشرها وتبثها، تتبع الناس عوراتك، فأنت لست بملك ولا بنبي معصوم، بل أنت كذلك معرض للخطأ والزلل ولك عورات، فإذا تتبعت عورات الناس تتبع الناس عوراتك، حتى تفضح كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان إلى قلبه، لا تؤذوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإن من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله»، وفي لفظ: «ولو في جوف أهله». فينبغي للمسلم أن يحذر من تتبع العورات، ومن تجسس على الآخرين، وليهتم بعيوب نفسه، بل يصلح نفسه ولا يبحث في عورات الناس، فذلك مما نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام، إن ظهر شيء وهذا الشيء يرى أنه مخالف للشرع فلا بأس من نصيحة بالحكمة وبالتي أحسن، أما تتبع فهذا مما حذر منه النبي عليه الصلاة والسلام: «إنك إذا اتبعت الريبة في الناس أفسدتهم»، يحصل إفساد عظيم من تتبع الظنون. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام نهى أن يطرق الرجل أهله ليلا كما في صحيح مسلم عن جابر رضي الله تعالى عنه، والحكمة في ذلك كما جاء في بعض الروايات: «يتخونهم أو يلتمس عثراتهم»، أن ذلك من تتبع الريبة، ومن ذلك التجسس، وربما ظن بهم ظن السوء، يطرق أهله ليلا فيسمع صوت رجل فيظن أن عندها رجل أجنبي، وربما كان أحد محارمها، فيقع الشر العظيم والإفساد العظيم بسبب تتبع الريبة. فلهذا الإنسان يبتعد ويسد باب الظنون والشكوك حتى لا يقع في ذلك مفسد عظيم، «إنك إذا اتبعت الريبة في الناس أفسدتهم»، ربما أفسدت الرجل عن زوجته، وكنت سببا في تفريقه بينه وبين زوجته، أو كذلك أفسدت الصاحب على صاحبه، وعندما ربما كان الإفساد أعظم من ذلك، ربما كان فيه شق لصفوف المسلمين وحصول الفرقة والاختلاف والتمزق بسبب اتباع الريبة وتتبع العورات، فيحصل في ذلك إفساد عظيم. فلهذا قال رحمه الله: «فإني لا أتبع الريبة فيهم فأفسدهم»، أي لا أتبع الريبة في الناس فأكون سببا في إفسادهم، وهذا الذي ينبغي على المسلم أن يحذر أن يحذر من تتبع الريبة، والواجب إحسان الظن إحسان الظن بالمسلم ما دام أنه معروف بالصلاح والاستقامة والخير، ربما كان من أهل العلم، وينبغي أن تحسن به الظن وتحاول قدر الاستطاعة أن تحسن به الظن. قال حدثنا محمد بن عبيد الله قال: حدثنا حاتم عن معاوية بن أبي مزرد عن أبيه، وهو أبو مزرد -وأشار الذهبي رحمه الله لأنه مجهول- قال: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت أذناي هاتاني وبصر عيناي هاتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيديه جميعا بكفي الحسن أو الحسين صلوات الله عليهما وقدميه على قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ارقه»، قال: فرقى الغلام حتى وضع قدميه على صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «افتح فاك»، ثم قبله، ثم قال: «اللهم أحبه فإني أحبه». وهذا الحديث بهذا السند الضعيف، وقد ذكره شيخ الباني رحمه الله في «الضعيفة». وأما دعاؤه للحسن أو للحسين فقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا له بهذا الدعاء: «اللهم إني أحبه أو أحبه»، والمراد منه بيان كيف كان انبساط النبي عليه الصلاة والسلام، وكيف كان تواضعه وحسن معاملته حتى مع الأطفال والصبيان، فلم يكن عليه الصلاة والسلام فضا ولا غليظا. قال: «باب التبسم»، قال: حدثنا علي بن عبد الله، وهو ابن المديني، كان يلقب بـ«حية الوادي»، ولقبه بذلك شيخه سفيان بن عيينة، وكان رحمه الله من أعلم العلماء بالعلل بعلل الأحاديث، فلهذا لقب بهذا اللقب بـ«حية الوادي»، أي الحية التي تعرف مواضع الجحور في الوادي، فكذلك هو رحمه الله يعلم علل الأحاديث ويعرف ما كان مستورا منها ومخفيا. قال فيه الإمام النسائي رحمه الله: «كأن الله خلق علي بن المديني لهذا الشأن»، أي لعلم الحديث، وكان الإمام البخاري رحمه الله يقول: «ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني»، ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني. قال: حدثنا سفيان، وهو ابن عيينة، عن إسماعيل، وهو ابن أبي خالد، عن قيس أو ابن أبي حازم قال: سمعت جريرا، وهذا السند إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير، في أي حديث؟ قال فيه وكيع: «من أنكر حديث إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير فهو جهمي»، حديث الرؤية: «إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته». قال: «يقول: ما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت إلا تبسم في وجهي»، الحديث صحيح وهو في البخاري، وفيه خلق النبي عليه الصلاة والسلام وما كان عليه الصلاة والسلام متصفا به من حسن الأخلاق، ومن ذلك التبسم، أنه كان عليه الصلاة والسلام يبتسم في وجوه أصحابه. قال: «ما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت إلا تبسم في وجهي»، فالتبسم في وجه إخوانك من الأخلاق الحسنة، تقابلهم بالوجه المنبسط، ما تقابل أخاك بوجه معبوس، بل تقابله بابتسامة تكون سببا في حصول المودة والمحبة والألفة، وهي كذلك أيضا صدقة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وتبسمك في وجه أخيك صدقة»، كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق»، ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق، أي بوجه منبسط، فهذا من المعروف، وهو أيضا من خلق النبي عليه الصلاة والسلام: «ما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت إلا تبسم في وجهي». قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يدخل من هذا الباب رجل من خير ذي يمن على وجهه مسحة ملك»، فدخل جرير، وهذه الرواية في غير الصحيحين، قوله: «يدخل من هذا الباب رجل من خير ذي يمن على وجهه مسحة ملك»، هذه في خارج الصحيحين، وجاء في رواية أنه قال: «الحمد لله على ما أبلاني»، لما سمع ذلك حين أخبره أحد الجلوس بما ذكره النبي عليه الصلاة والسلام، قال: «الحمد لله على ما أبلاني». وفي هذا فضيلة عظيمة لجرير رضي الله تعالى عنه، إذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه من خير ذي يمن، يعني من خير أهل اليمن، وأخبر كذلك أن على وجهه مسحة ملك، أي أن فيه أثرا ظاهرا من الجمال، فهذه فضيلة عظيمة لجرير رضي الله تعالى عنه. وجاء في رواية في الصحيحين أنه شكا إلى النبي عليه الصلاة والسلام أنه لا يثبت على الخيل، قال: فضرب النبي عليه الصلاة والسلام على صدري وقال: «اللهم ثبته واجعله هاديا مهديا»، وأشهد منه هو تبسم النبي عليه الصلاة والسلام في وجهه. قال: حدثنا أحمد بن عيسى قال: حدثنا عبد الله بن وهب قال: أخبرنا عمرو بن الحارث أن أبا النضر حدثه عن سليمان بن يسار عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: «ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضاحكا قط حتى أرى منه لهواته، إنما كان يتبسم»، قالت: «وكان إذا رأى غيما أو ريحا عرف في وجهه»، وقالت: «يا رسول الله، إن الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، ورأيتك إذا رأيته عرفت في وجهك الكراهة»، قال: «يا عائشة، ما يأمني -أو ما يؤمني- أن يكون فيه عذاب، عذب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب منه»، فقالوا: «هذا عارض ممطرنا». والحديث صحيح، وهو في الصحيحين، وفيه إخبار عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي عليه الصلاة والسلام كان ضحكه التبسم، «ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضاحكا قط حتى أرى منه لهواته»، يعني أرى منه أعلى حلقه أو أعلى حلقه إذا فتح الفم، قيل له: «اللحم الذي يكون في أعلى الحلق»، والمعنى أنه ما كان ضحكه عليه الصلاة والسلام قهقهة، إنما كان يتبسم، إنما كان يتبسم، وإذا كثر ضحكه ظهرت أنيابه. وينبغي للمسلم إن استطاع أن يكون ضحكه كضحك النبي عليه الصلاة والسلام فهو الأفضل والأكمل، أنه يكون تبسما. ثم ذكرت أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا رأى غيما أو ريحا عرف في وجهه، يعني تغير وجهه عليه الصلاة والسلام، فتقول له: «إن الناس إذا رأوا الغيم فرحوا لأنهم يرجون أن يكون فيها مطر فيفرحون بذلك، وأنت إذا رأيت الغيم عرف ذلك في وجهك»، يعني تحزن أو يصيبك خوف. فذكر لها أنه ما يؤمنه أن يكون فيه عذاب، أي ما يأمنه أن يكون هذا الريح أو هذه السحب والغيم أرسلت لعذاب، فأخبر عليه الصلاة والسلام أن قوما عذبوا بالريح كقوم عاد، وهكذا أيضا رأى قوم العذاب منه، فقالوا: «هذا عارض ممطرنا»، رأوا الغيم والسحب فقالوا: «هذه مطر»، وكانت فيها عذاب لهم. فهذا كان عليه الصلاة والسلام يخاف ويتغير لونه إذا رأى الغيم أو الريح، فإذا أمطرت كما جاء في بعض الروايات: «سري عنه إذا أمطرت»، سري عنه، يعني فرح وظهر السرور في وجه عليه الصلاة والسلام، والشاهد منه هو قولها: «إنما كان يتبسم»، أي كان ضحك النبي عليه الصلاة والسلام التبسم.