الدرس في كتاب الصلاة 53، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يبدأ الحديث عن صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، حيث كان يستفتح الصلاة بالتكبير وقراءة الفاتحة. التكبير هو مفتاح الصلاة ولا يجزئ غير لفظ "الله أكبر".
يصف هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة، ويشمل كيفية الركوع والرفع منه، والجلوس بين السجدتين، وقراءة التحية في كل ركعتين. واستدل العلماء على وجوب التشهدين من خلال هدي النبي.
تتناول آراء الفقهاء في كيفية الجلوس أثناء الصلاة والتسليم منها، حيث اختلفوا في وجوب التشهد الأول والثاني، وتشرح كيفية الجلوس مفترشًا أو متوركًا والتسليم في نهاية الصلاة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الحافظ مسلم بن الحجاج أبو الحسين القشيري رحمه الله في صحيحه: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير قال: حدثنا أبو خالد، يعني الأحمر، عن حسين المعلم، قال: وحدثنا إسحاق بن إبراهيم، واللفظ له، قال: أخبرنا عيسى بن يونس، قال: حدثنا حسين المعلم، عن بديل بن ميسرة، عن أبي الجوزاء، عن عائشة، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين. وكان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه، ولكن بين ذلك. وكان إذا رفع رأسه من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائما. وكان إذا رفع رأسه من السجدة لم يسجد حتى يستوي جالسا. وكان يقول في كل ركعتين التحية. وكان يفرش رجله اليسرى وينصب الرجل اليمنى. وكان ينهى عن عقبة الشيطان، وينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع. وكان يختم الصلاة بالتسليم. وفي رواية ابن نمير، عن أبي خالد: وكان ينهى عن عقبة الشيطان. هذا حديث عائشة رضي الله عنها في ذكر شيء من صفة صلاة النبي عليه الصلاة والسلام، وما كان يفتتح به صلاته ويختم به. فذكرت رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستفتح الصلاة بالتكبير، يعني بقوله «الله أكبر». فمفتاح الصلاة هو التكبير، يعني يدخل أو تحريمها التكبير، كما جاء في حديث عبد الله بن عمر في السنن، أن دخول المسلم في الصلاة، فإنه يدخل بلفظ التكبير، ويحرم عليه حينئذ كل ما كان يحل له قبل دخوله في الصلاة، كالكلام والحركة والأكل والشرب وغير ذلك. فإذا كبر حرم عليه كل ذلك. قالت: كان يستفتح الصلاة بالتكبير، بقوله «الله أكبر». وهل يجزئ غير هذا اللفظ من الألفاظ التي فيها التعظيم لله سبحانه وتعالى؟ جمهور أهل العلم أنه لا يجزئ غير لفظ التكبير، أي لا يجوز للمسلم أن يدخل الصلاة بغير لفظ التكبير، كأن يقول «الله أجل» أو «الله أعظم»، الذي يجب أن يقول «الله أكبر»، لا يدخل الصلاة إلا بهذا اللفظ. لا يدخل الصلاة إلا بهذا اللفظ، خلافا لأبي حنيفة رحمه الله، فإنه قال: يجوز أن يدخل الصلاة بكل لفظ فيه تعظيم لله سبحانه وتعالى. والصحيح قول جمهور أهل العلم، فهذا الذي كان يقوله النبي عليه الصلاة والسلام، وواظب عليه، وهو القائل «صلوا كما رأيتموني أصلي»، ولم يأت في حديث أنه عليه الصلاة والسلام دخل الصلاة بغير لفظ التكبير. قالت: والقراءة بالحمد لله رب العالمين، يعني إذا كبر بعد التكبير يستفتح الصلاة بقراءة الفاتحة، بقراءة الفاتحة التي أولها «الحمد لله رب العالمين». وقراءة الفاتحة ركن من أركان الصلاة، لا تصح الصلاة إلا بها. لا تصح الصلاة إلا بها. قال عليه الصلاة والسلام في حديث عبادة بن الصامت «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»، والحديث في الصحيحين. وجاء في بعض الألفاظ «بأم القرآن» أو «بأم الكتاب». فلا تصح الصلاة إلا بقراءة الفاتحة. ومن كان لا يحسن الفاتحة، لا يحفظها، كمن هو حديث عهد بإسلام، ولم يحفظ الفاتحة، أو يحفظ شيئا من السور الأخرى، فيقرأ ما يتيسر معه من القرآن. وإن كان لا يحفظ شيئا من القرآن، ذكر الله، يحمد الله، ويكبر، ويهلل. وقولها «والقراءة بالحمد لله رب العالمين» استدل به بعض أهل العلم، كالإمام مالك رحمه الله، على أن البسملة ليست من الفاتحة، لأنها قالت «والقراءة بالحمد لله رب العالمين»، لم تذكر البسملة، دل على أن أول آية في الفاتحة هي «الحمد لله رب العالمين». ومن قال خلاف ذلك، الشافعية القائلين بأن البسملة من الفاتحة، قال: المراد بقولها «بالحمد لله رب العالمين» يعني سورة الفاتحة التي أولها «الحمد لله رب العالمين». والأظهر أن البسملة ليست من الفاتحة، بدليل حديث أبي هريرة في الصحيح، في قول الله عز وجل «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال الحمد لله رب العالمين قال حمدني عبدي»، الحديث. فلم يذكر البسملة، دل هذا على أن أول آية من آيات الفاتحة هي «الحمد لله رب العالمين». قالت: وكان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه، ولكن بين ذلك، يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ركع يكون معتدلا في ركوعه، فيكون رأسه مساويا لظهره في الركوع، لا يرفع رأسه، ولا يخفضه، بل يكون معتدلا. هكذا كان هديه عليه الصلاة والسلام في ركوعه. قالت: لم يشخص رأسه ولم يصوبه، ولكن بين ذلك. وكان إذا رفع رأسه من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائما، يعني إذا رفع من الركوع لم يستعجل في السجود، بل يطمئن في قيامه حتى يستوي قائما، يعني يعتدل في قيامه، ويعود العظم إلى موضعه، ويطمئن في هذا الموضع، ثم بعد ذلك يخر إلى السجود. قالت: لم يسجد حتى يستوي قائما، لا كما يفعل بعض المصلين، تجد من يستعجل إذا رفع من الركوع، ربما يرفع رأسه شيئا قليلا ثم يخر إلى السجود، وهذا ترك ركن من أركان الصلاة، بل ترك ركنين: القيام من الركوع، والاطمئنان فيه. وهذا لا تصح صلاته. الذي ينبغي أن الإنسان يرفع رأسه من الركوع حتى يستقيم ويطمئن في هذا الركن، ثم بعد ذلك يسجد. قالت: وكان إذا رفع رأسه من السجدة لم يسجد حتى يستوي جالسا، كذلك الجلوس بين السجدتين، لا يستعجل في السجود قبل أن يجلس ويطمئن في هذا الجلوس. يرفع رأسه من السجود ويجلس حتى يعود كل عظم إلى موضعه، ويطمئن في هذا الجلوس، ثم بعد ذلك يسجد السجدة الثانية. قالت: وكان يقول في كل ركعتين التحية، يعني التحيات لله إلى آخر التشهد. قالت: كان يقول في كل ركعتين التحية، يعني إذا صلى ركعتين جلس للتشهد. وبهذا استدل الإمام أحمد رحمه الله على وجوب التشهدين الأول والثاني، يعني في الصلاة ذات التشهدين، أن التشهد الأول واجب، والتشهد الثاني كذلك واجب، لأن هذا هديه عليه الصلاة والسلام، مع قوله «صلوا كما رأيتموني أصلي». وقد أمر النبي عليه الصلاة والسلام بذلك، كما جاء في الأحاديث الأخرى، أنه قال «إذا قعدت في الركعتين فقل التحيات لله». وذهب بعض أهل العلم إلى أن التشهدين مستحب، وليس بواجب. وذهب الإمام مالك وأبو حنيفة إلى أن التشهد الأول والثاني كلاهما مستحب، وليس بواجب. وذهب الإمام الشافعي إلى أن الأول مستحب، والثاني واجب. والصحيح الأول أن كلا التشهدين واجب. قالت: وكان يفرش رجله اليسرى وينصب الرجل اليمنى، يعني إذا جلس عليه الصلاة والسلام في الصلاة يجلس مفترشا. وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى، يفرش اليسرى ويجلس عليها، وينصب اليمنى، ويتكىء على أطراف القدم اليمنى. هذه الجلسة تسمى بجلسة الافتراش. ذهب بعض أهل العلم، كأبي حنيفة رحمه الله، إلى أن جميع جلسات الصلاة يكون فيها مفترشا، استدلالا بهذا الحديث «وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى». وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يجلس في جميع جلسات الصلاة مفترشا، إلا التشهد الذي يعقبه سلام، فإنه يجلس متوركا. التورك كما تعرفون، أن يتكىء على إليته اليسرى، ويضع قدمه اليسرى تحت الساق اليمنى، وينصب اليمنى. وهذا مذهب الإمام الشافعي رحمه الله. مذهب الإمام الشافعي أن جميع جلسات الصلاة مفترش، يعني إذا جلس بين السجدتين أو جلس في التشهد الأول، فإنه يجلس مفترشا. وهكذا في جلسة الاستراحة حين يقوم من الركعة الثانية، أو من الثالثة إلى الرابعة، فإنه كذلك يجلس مفترشا. أما إذا جلس في جلسة يعقبها سلام، كالتشهد الأخير، فإنه يجلس متوركا. والصواب أن التورك إنما يكون في التشهد الأخير من الصلاة ذات التشهدين، يتورك في التشهد الأخير من الصلاة ذات التشهدين. أما إذا كانت الصلاة ذات تشهد واحد، ولو كان يعقبها سلام، فإنه يجلس مفترشا. قالت: وكان ينهى عن عقبة الشيطان. كان ينهى عن عقبة الشيطان، وفسر عقبة الشيطان، أو عقبة الشيطان فسر بالجلوس باللقعاء المنهي عنه، وهو أن يلصق إليتيه بالأرض، وينصب قدميه، ويضع يديه في الأرض. هذا يسمى عقبة الشيطان، فهذه جلسة منهي عنها. قال: وينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع، يعني كافتراش الكلب، كما مر معنا في الأحاديث التي مضت. قال: وكان يختم الصلاة بالتسليم. وكان يختم الصلاة بالتسليم، يعني يخرج من الصلاة عليه الصلاة والسلام بالتسليم، بقول «السلام عليكم ورحمة الله». والتسليم في الصلاة فرض، أو ركن من أركان الصلاة، في قول جمهور أهل العلم، لهذا الحديث «وكان يختم الصلاة بالتسليم». وفي حديث عبد الله بن عمر «تحريمها التكبير وتحليلها التسليم»، يعني لا يحل المصلي أن يفعل شيئا مما يحل له قبل الصلاة إلا إذا سلم. فإذا سلم حل له ما كان محرما عليه في داخل الصلاة. فلا يحل له إلا بالتسليم، فلا يخرج من الصلاة إلا بالتسليم. هذا قول جمهور أهل العلم، خلافا لأبي حنيفة، فالإمام أبو حنيفة رحمه الله قال: التسليم مستحب، وليس بواجب. فلو خرج من الصلاة بغير التسليم، فإن صلاته صحيحة. قال: وكان يختم الصلاة بالتسليم. وجمهور أهل العلم أن المشروع تسليمتان، أن يسلم عن يمينه، ويسلم عن شماله. وقال الإمام مالك: يسلم تسليمة واحدة، يكتفي بتسليمة واحدة على جهة اليمين. والتسليمة الأولى هي الركن، وتسليمة الثانية فهي مستحبة، لأنه صح عنه عليه الصلاة والسلام في ذكر صفات التسليم الثابتة عنه، أنه اقتصر على تسليمة واحدة، اقتصر على تسليمة واحدة إلى جهة اليمين. فدل هذا على أن الثانية مستحبة، وليست بواجبة. هذا شيء مما يذكر في هذا الحديث، والله تعالى أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.