كتاب الصلاة 54

كتاب الصلاة 54

الدرس في كتاب الصلاة 54، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أحكام السترة وأدلتها

يتناول المقطع أحكام السترة في الصلاة وأدلتها من السنة النبوية، حيث يُشرح أهمية وضع سترة أمام المصلي وضابط قدرها مثل مؤخرة الرحل. استدل العلماء بالأحاديث الصحيحة على مشروعية اتخاذ سترة في الصلاة.

اتخاذ السترة في الصلاة وحرص النبي عليه

يُظهر حرص النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- على اتخاذ السترة أثناء الصلاة، سواء في الحضر أو السفر، مثل الحربة أو العنزة أو راحلته. جمهور العلماء يرون أن السترة سنة مؤكدة، بينما يرى البعض وجوبها.

أهمية الصلاة إلى سترة وتحقيق الخشوع

الصلاة إلى سترة تمنع مرور ما قد يبطل الصلاة وتحقق الخشوع للمسلم. يُشدِّد على أهمية الاقتداء بالنبي في اتخاذ السترة لتحصيل فوائد عظيمة في الصلاة.

فوائد الصلاة إلى سترة ومنع الملهيات

الصلاة إلى سترة تمنع مرور الملهيات مثل الحمار والمرأة والكلب الأسود، وتحقق للمسلم الصلاة بخشوع واهتمام. يُبيِّن أهمية الصلاة إلى سترة في تحقيق الخشوع والفوائد العظيمة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام مصر من الحجاج، أبو الحسين أن يسابور القشيري -رحمه الله- بصحيحة: حدثنا يحيى بن يحيى، وقتيبة بن سعيد، وأبو بكر بن أبي شيبة، قال يحيى: أخبرنا، وقال الآخران: حدثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن موسى بن طلحة، عن أبيه، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل، فليصل، ولا يبالي من مر وراء ذلك». قال: وحدثنا محمد بن عبد الله بن أمير، وإسحاق بن إبراهيم، قال إسحاق: أخبرنا، وقال ابن أمير: حدثنا عمر بن عبيد التنافسي، عن سماك بن حرب، عن موسى بن طلحة، عن أبيه، قال: كنا نصلي والدواب تمر بين أيدينا، فذكرنا ذلك لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: «مثل مؤخرة الرحل تكون بين يدي أحدكم، ثم لا يضره ما مر بين يديه». وقال ابن نمير: «فلا يضره من مر بين يديه». هذا الحديث وما بعده مما ذكره الإمام مسلم -رحمه الله- فيما يتعلق بأحكام السترة. فهذا الحديث حديث طلحة بن عبيد الله -رضي الله تعالى عنه- فيه أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: «إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل»، المؤخرة الرحل هي الخشبة التي يستند عليها الراكب على الراحلة في مؤخرتها. جعل النبي -عليه الصلاة والسلام- ذلك ضابطا لقدر السترة، وهي تقدر من نحو ثلثي ذراع، يعني طولها ثلثي ذراع، وقد تكون يعني أقل من ذلك قليلا أو أكثر. فقال النبي -عليه الصلاة والسلام-: «إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل»، يعني جعلها السترة أمامه، وجعل يصلي إليها، فليصل، ولا يبالي من مر وراء ذلك، يعني من مر وراء السترة، من جاء يمر وراء السترة من إنسان أو حيوان، فلا يضره ذلك، وليستمر في صلاته؛ لأنه صلى إلى سترة، وحينئذ يمنع من أراد أن يمر بين يديك ما سيأتي في الأحاديث فيما بينه وبين السترة. أما من وراء، من خلف السترة، فليس عليه شيء. قال: وحدثنا زهير بن حرب، قال: حدثنا عبد الله بن يزيد، قال: أخبرنا سعيد بن أبي أيوب، عن أبي الأسود، عن عروة، عن عائشة، أنها قالت: سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن سترة المصلي، فقال: «مثل مؤخرة الرحل». قال: وحدثنا محمد بن عبد الله بن أمير، قال: حدثنا عبد الله بن يزيد، قال: أخبرنا حيوة، عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن، عن عروة، عن عائشة، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سئل في غزوة تبوك عن سترة المصلي، فقال: «كمؤخرة الرحل»، يعني يكون قدرها كمؤخرة الرحل. وبهذا استدل بعض أهل العلم على عدم مشروعية الخط، كالإمام مالك -رحمه الله- وغيره من أهل الفقه والعلم، لم يروا مشروعية الخط؛ لأن هذه الأحاديث فيها أن السترة تكون مثل مؤخرة الرحل. وحديث الخط الذي ورد: «إذا لم يجد شيئا فليخط خطا»، حديث ضعيف، رواه أبو داود وغيره، وفيه ضعف، والطرابلسي، ولهذا قال الإمام مالك -رحمه الله-: باطل، نعم هو لم يصح. والصحيح أن السترة تكون كمؤخرة الرحل، كما في هذه الأحاديث الصحيحة. قال: وحدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا عبد الله بن نمير، قال: وحدثنا ابن نمير -واللفظ له-، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان إذا خرج يوم العيد، أمر بالحربة فتوضع بين يديه، فيصلي إليها، والناس وراءه. وكان يفعل ذلك في السفر، فمن ثم اتخذها الأمراء. في هذا الحديث ابن عمر بيان حرص النبي -عليه الصلاة والسلام- على اتخاذ السترة، يقول: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا خرج يوم العيد، يعني صلاة العيد، أمر بالحربة فتوضع بين يديه، يعني تغرز في الأرض، ويتخذها سترة، قال: فتوضع بين يديه فيصلي إليها. والحربة: العصى ذات الطرف الحاد، استخدمها المقاتل في القتال في الرمي أو أيضا في ضرب العدو بها. فتوضع للنبي -عليه الصلاة والسلام- في يوم العيد، فيصلي إليها، يعني يتخذها سترة، قال: والناس وراء، يعني وراء النبي -صلى الله عليه وسلم- يصلون بصلاته ويقتدون به. قال: وكان يفعل ذلك في السفر، يعني إذا سافر وأراد أن يصلي، كذلك توضع له الحربة، فيصلي إليها. قال: فمن ثم اتخذها الأمراء، يعني من بعده -عليه الصلاة والسلام- كانوا يتخذون الحربة يخرجونها معهم في صلاة العيد كما كان النبي -عليه الصلاة والسلام- يفعل. وهذا يدلنا على اهتمام النبي -عليه الصلاة والسلام- بالسترة حتى إنه كان يعني يتخذ الحربة إذا خرج لصلاة العيد حتى يستتر بها. قال -رحمه الله-: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وابن نمير، قال: حدثنا محمد بن بشر، قال: حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يركز -وقال أبو بكر: يغرز- العنزة، ويصلي إليها. زاد ابن أبي شيبة، قال عبيد الله: وهي الحربة. وقيل: إن العنزة أصغر من الحربة، هي نصف الحربة في الطول، وهي مثلها لكن أقصر منها. قال: حدثنا أحمد بن حنبل، قال: حدثنا معتمر بن سليمان، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يعرض راحلته وهو يصلي إليها. قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وابن نمير، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يصلي إلى راحلته. وقال ابن نمير: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- صلى إلى بعير. في هذا الحديث كذلك حرص النبي -عليه الصلاة والسلام- على اتخاذ السترة، حتى إنه ربما استتر بالحيوان، جعله السترة، الراحلة التي يرتحلها، والبعير الذي يوضى عليه المتاع أو يركب عليه، يجعله -عليه الصلاة والسلام- سترة، يعرضها -يعني بجهة القبلة- ثم يصلي إليها، يجعلها سترة. وهكذا البعير كذلك، والبعير كما قال أهل اللغة: يطلق على الذكر والأنثى من الإبل. على الذكر والأنثى، وهكذا الإبل كذلك يطلق على الذكر والأنثى، كلفظ الناس الذي يطلق على الذكر والأنثى. وأما الجمل فيختص بالذكر من الإبل، والناقة تختص بالأنثى من الإبل. وهذا فيه جواز الصلاة عند البعير، جواز الصلاة عند البعير، يعني إذا جعله سترة، أو كان البعير باركا، وصلى عنده، فلا بأس. وأما النهي عن الصلاة في مرابط الإبل، في مواضع راحة الإبل التي تجلس فيها، ومرابضها التي تستقر فيها، فهذا الموضع ينهى عن الصلاة فيه؛ لخشية أن تضره هذه الإبل؛ لأنها خلقت من شياطين كما أخبر النبي -عليه الصلاة والسلام-. أما كونه يصلي عند واحدة منها أو نحو ذلك، فلا بأس؛ كما في هذا الحديث. فهذه الأحاديث تدل على حرص النبي -عليه الصلاة والسلام- على اتخاذ السترة، ولهذا جمهور أهل العلم على أن السترة سنة مؤكدة، على أن سنة مؤكدة لا ينبغي تركها لمن استطاع وقدر عليها. وبعض العلم يذهب إلى الوجوب، وهو الأظهر إلى وجوب السترة، فيكون سنة واجبة؛ لأمر النبي -عليه الصلاة والسلام- بها، كما في قول -عليه الصلاة والسلام-: «لا تصلي إلا إلى سترة». مع حرصه -عليه الصلاة والسلام- على الصلاة إلى السترة، كما في هذه الأحاديث، كان -عليه الصلاة والسلام- يصلي في سائر أحيانه، وفي كل أحيانه إلى سترة، إما أن يستتر بالحربة، بالعنزة، بالراحلة، بكوم الرمل، أو نحو ذلك. ولم يأت في حديث صحيح صريح أنه صلى إلى غير سترة. وأما حديث ابن عباس أنه صلى إلى غير جدار، فهذا محتمل، يحتمل أنه صلى إلى عنزة، إلى حربة، إلى كذا وكذا مما كان يستتر به، فليس صريحا في ترك السترة. ومثله كذلك فلا يعارض به الأحاديث الصحيحة التي فيها حرص النبي -عليه الصلاة والسلام- على اتخاذ السترة. وما ورد صريحا في ذلك فليس بصحيح. وعلى هذا ينبغي للمسلم أن يحرص على اتخاذ السترة إذا صلى، سواء في بيته، في المسجد، في خارج المسجد، يصلى في سفر، يحرص على اتخاذ السترة، ولا يترك اتخاذها؛ فإن اتخاذها سنة، واقتداء بنبيه -عليه الصلاة والسلام-. وهي أيضا مما يعين المصلي على الخشوع وحضور القلب وطمأنينته. وهكذا أيضا يمنع ما يمر بين يديه، أو مما يمر قد يمر بين يديه مما يبطل الصلاة إذا كان يصلي إلى غير سترة، كما سيأتي: كالحمار، والمرأة، والكلب الأسود، وغير ذلك من الفوائد العظيمة التي يتحصل عليها المسلم إذا صلى إلى سترة. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.