الدرس في كتاب الصلاة 56، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يشرح هذا الفصل أهمية سترة الإمام للمأمومين واستدلال الإمام مسلم بحديث ابن عباس على أن سترة الإمام تعد سترة لمن خلفه في الصلاة. يبين أن المأموم لا يحتاج إلى سترة خاصة إذا كان الإمام له سترة.
يناقش هذا الفصل الأحاديث النبوية التي تحذر من المرور بين يدي المصلي وتوضح كيفية التعامل مع من يصر على المرور، حيث يجب منعه أولًا بلطف ثم بقوة إذا لزم الأمر. كما يبين عدم وجود ضمان على المصلي إذا تسبب في إيذاء المار أثناء دفاعه عن صلاته.
يؤكد هذا الفصل على وجوب منع الشخص الذي يريد المرور بين يدي المصلي، مستندًا إلى أحاديث أبي سعيد الخدري وعبد الله بن عمر. يبين أن هذا الحكم يسري سواء كان للمصلي سترة أم لا، ويبرر ذلك بالتعاون على البر والتقوى وتجنب الإثم.
يظهر هذا الفصل تعدد مصادر الحديث النبوي من خلال ذكر سلسلة الرواة الذين نقلوا حديثًا نبويًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، مشيرًا إلى أن هذا الحديث جاء من حديث أبي سعيد الخدري وعبد الله بن عمر.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام مسلم الحجاج أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك بن أنس إمام دار الهجرة عن ابن شهاب الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس قال: أقبلت راكبًا على أتان -والأتان هي الأنثى من الحمير- قال: وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، يعني قاربت الاحتلام، قيل: في السن العاشرة، قيل: ثلاث عشرة، قيل: خمس عشرة، وهو الأصح كما قال الإمام أحمد رحمه الله. قال: ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس بمنى، فمررت بين يدي الصف -يعني بين المصلين خلف النبي عليه الصلاة والسلام- قال: فنزلت فأرسلت الأتان ترتع، ودخلت في الصف، قال: فلم ينكر ذلك علي أحد. قال: وحدثنا حرملة بن يحيى قال: أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن عبد الله بن عباس أخبره أنه أقبل يسير على حمار، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي بمنى في حجة الوداع يصلي بالناس، قال: فسار الحمار بين يدي بعض الصف، ثم نزل عنه فصف مع الناس. قالوا: حدثنا يحيى بن يحيى، وعمر الناقد، وإسحاق بن إبراهيم عن ابن عيينة، عن الزهري بهذا الإسناد، قال: والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي بعرفة. قال: وحدثنا إسحاق بن إبراهيم، وعبد بن حميد قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن الزهري بهذا الإسناد، ولم يذكر فيه منى ولا عرفة، وقال: في حجة الوداع أو يوم الفتح. والراجح، والراجح كما قال النووي رحمه الله: أنه في حجة الوداع. فهذا حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما فيه أنه أقبل وهو راكب على حمار، ومر بين يدي بعض الصف والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس، فمر بين يدي الصف هو والحمار، ثم أرسل الحمار أو الأتان ترتع -أي ترعى- ودخل في الصف، فلم ينكر عليه أحد ما فعله. فأسند به الإمام مسلم رحمه الله إلى أن سترة الإمام سترة لمن خلفه، أن سترة الإمام سترة لمن خلفه، فالمأموم الذي يصلي خلف الإمام لا يحتاج أن يتخذ سترة، لا يحتاج أن يتخذ سترة، وإذا أراد أحد أن يمر بين يديه فلا بأس أن يمر، لا بأس أن يمر، حتى ولو كان من الأمور التي قد تقطع الصلاة وتبطلها كالحمار والكلب الأسود والمرأة البالغة، كما سيأتي، هذه تقطع الصلاة إذا كان الإنسان يصلي إلى غير سترة، فكون ابن عباس مر بالحمار بين يدي الصف ولم ينكر عليه النبي عليه الصلاة والسلام دل على أن ذلك لا يضر؛ لأن الإمام سترة لمن خلفه. وقد ورد في ذلك حديث: سترة الإمام سترة لمن خلفه، لكنه ضعيف، ومعناه صحيح كما يدل عليه هذا الحديث. قال رحمه الله: وحدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدًا يمر بين يديه، وليدرأه ما استطاع، فإن أبى فليقاتله؛ فإنما هو شيطان». في هذا الحديث: أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن المصلي إذا كان يصلي فلا يدع أحدًا يمر بين يديه -يعني ما بينه وبين السترة كما سيأتي في الرواية الأخرى- لا يدع أحدًا يمر بين يديه فيقطع صلاته ويشوش عليه في صلاته، وليدرأه ما استطاع -يعني يمنعه ما استطاع- يمنعه من المرور بين يديه، كيف يمنعه؟ يمد يده، يمد يده حتى ينتبه أنه سيمر بين يدي المصلي فيرجع، فإن أبى -يعني أصر إلا أن يمر- قال: فليقاتله، إيش معنى يقاتله؟ ها يلكمه أو يخرج السلاح ويقاتله؟ المراد المقاتلة هنا: شدة المدافعة، يدفعه بشدة، أول الأمر تنبيه وبأمر خفيف يدفعه بخفة، فإن أبى وأصر فإنه يدفعه بقوة، يدفعه بقوة فليقاتله؛ فإنما هو شيطان، فإنما هو شيطان -يعني يفعل فعل الشيطان الذي لا يحب الخير- أو فإنما هو شيطان يعني الذي دفعه إلى ذلك هو الشيطان الذي دفعه إلى ذلك هو الشيطان، أو يكون المراد كذلك فإنما هو شيطان القرين، قرين الإنسان الذي معه، إنه ما من إنسان إلا وهو قرينان: من الجن من الشياطين أو من الملائكة، الذي من الملائكة يأمره بالخير، والذي من الجن يأمره بالشر، فيكون هذا القرين هو الذي يريد أن يمر ويدفعه إلى ذلك، فهو يمنعه حتى لا يمر بين يديه. فهذا الحديث فيه: أن المصلي إذا صلى وأراد أحد أن يمر بين يديه فإنه يمنعه، فإنه يمنعه، فإن أبى وأصر فإنه يمنعه بشدة وبقوة، فإن حصل لهذا المدفوع تلف -دفعه بقوة فسقط إن كسرت يده إن كسرت قدمه- هل على الدافع هذا شيء؟ هل يضمن ما حصل له من كسر أو نحو ذلك؟ بل حتى لو مات مثلًا من دفعته سقط فمات، هل يضمن هذا الدافع الدية أو نحو ذلك؟ الجواب: لا، ليس عليه شيء؛ لماذا؟ لأن الشرع أذن له بهذا الدفع، الشرع أذن له بهذا الدفع، وما ترتب على المأذون فغير مضمون، ما ترتب على المأذون فغير مضمون، ما أذن به الشرع ففعله الإنسان فلا ضمان عليه فيما يترتب على ذلك من تلف. وفيها أيضًا: أن الدفع يكون بالأخف، يكون بالأخف فالأشد، يعني لا يبدأ من البداية يدفعه بقوة، لا، أول شيء ينبه، ثم يكون بشيء أقوى، فإن أصر وأبى فإن يكون بأشد، هكذا يتدرج من الأخف إلى الأعلى، مثله مثل دفع الصائل المعتدي الذي يريد يعتدي على إنسان في ماله أو في نفسه أو أهله، فيدفعه أولًا بالأخف، فإن لم يندفع بذلك فإنه يدفعه بالأشد كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله: حدثنا شيبان بن فروخ قال: حدثنا سليمان بن المغيرة قال: حدثنا ابن هلال -يعني حميدًا- قال: بينما أنا وصاحب لي نذاكر حديثًا إذ قال أبو صالح السمان: حدثني ما سمعت من أبي سعيد ورأيت منه، قال: بينما أنا مع أبي سعيد يصلي يوم الجمعة إلى شيء يستره من الناس، إذ جاء رجل شاب من بني أبي معيط أراد أن يجتاز بين يديه -يعني يمر- فدفع في نحره -في هذا الموضع- قال: فنظر فلم يجد مساغًا إلا بين يدي أبي سعيد -يعني نظر الفتى ما في محل إلا بين يدي أبي سعيد الموضع الذي يصلي فيه- قال: فعاد فدفع في نحره أشد من الدفعة الأولى، فسبه ثم زاحم الناس -أي هذا الفتى- فخرج فدخل على مروان -أي من الحكم- فشكا إليه ما لقي. قال: ودخل أبو سعيد على مروان فقال له مروان: ما لك ولبني أخيك جاء يشكوك؟ قال أبو سعيد: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه في نحره، فإن أبى فليقاتله؛ فإنما هو شيطان». فهكذا أبو سعيد الخدري رضي الله عنه طبق هذا الحديث كما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا فيه حرص الصحابة رضي الله عنهم على العمل بالعلم ما سمعوه من النبي عليه الصلاة والسلام، فإنهم يحرصون على العمل به وتطبيقه، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول ذلك فطبقه مع هذا الفتى الذي أراد أن يمر بين يديه. وقول عليه الصلاة والسلام: «إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس» هل معنى هذا أنه إذا صلى إلى غير سترة لا يمنع من مر بين يديه؟ ها إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره، مفهوم المخالفة أنه إذا صلى إلى شيء لا يستره أنه لا يدفع من أراد أن يمر؟ قال بهذا بعض أهل العلم، لكن الصحيح أنه يمنع؛ لماذا؟ لأنه لو تركه يمر سيقع في الإثم، سيقع في الإثم؛ لأنه سيأتي معنى في حديث أبي الجهيم: «لو يعلم المار بين يدي المصلي»، فلهذا صح أنه يمنعه، وهذا من باب التعاون على البر والتقوى، لا يدعه يمر بين يديه فيتحمل هذا الإثم العظيم. فقوله عليه الصلاة والسلام: «إلى شيء يستره من الناس» يعني هذا زيادة التأكيد، زيادة التأكيد لمن المار، إذا كان المصلي يصلي إلى شيء يستره، وأن من صلى إلى السترة فالمرور بين يديه أشد، قد يكون أشد إثمًا ممن فرط باتخاذ السترة. قال: وحدثني هارون بن عبد الله، ومحمد بن رافع قال: حدثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك قال: أخبرني الضحاك بن عثمان عن صدقة بن يسار عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدًا يمر بين يديه، فإن أبى فليقاتله؛ فإن معه القرين». قال: وحدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: أخبرنا أبو بكر الحنفي قال: حدثنا الضحاك بن عثمان قال: حدثنا صدقة بن يسار قال: سمعت ابن عمر يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بمثله. إذن هذا الحديث جاء من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، جاء من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما. صلى الله عليه وسلم على أبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.