الدرس في وصايا من الكتاب والسنة 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع حقيقة التقوى بتعريف علي بن أبي طالب، ويستدل بحديث «من خاف أدلج» على أن الخوف الحقيقي يدفع المسلم للمبادرة بالطاعة. ويؤكد أن الجنة سلعة غالية لا تنال بالكسل بل بالتشمير والعمل الصالح، مستشهداً بأبيات ابن القيم التي تحث على خطبة الجنة بالأعمال قبل فوات الأوان.
يوضح المقطع أن حقيقة تقوى الله تكمن في الاستعداد ليوم القيامة بالاجتهاد في الطاعات وترك المعاصي، فالنجاة يومئذٍ لا تكون بالمال ولا النسب ولا الجاه بل بالأعمال الصالحة وحدها. ويبين أن سرعة المرور على الصراط يوم القيامة تتناسب مع سرعة الأعمال الصالحة في الدنيا، مستدلاً بآيات قرآنية وحديث نبوي يؤكد أن العمل هو الموصل إلى الله.
يؤكد المقطع أن القلب السليم الخالي من الشرك والأحقاد هو وحده الذي ينفع يوم القيامة، وصلاحه يورث صلاح الجوارح كلها كما ورد في حديث النعمان بن بشير. ويفسر أبو هريرة التقوى بمثل المشي في أرض ذات شوك حيث يجتنب الإنسان المحرمات صغيرها وكبيرها، ويحذر ابن المعتز من استصغار الذنوب لأن تراكمها يصير جبالاً من السيئات.
يختتم المتحدث الدرس الحالي بالإشارة إلى مواصلة الدروس في لقاء قادم، مع شكر المترجمة نانسي قنقر التي تكرر ذكر اسمها عدة مرات في ختام التسجيل. ويختتم بالتأكيد على أهمية الاستمرار في طلب العلم والعمل الصالح.
بسم الله، الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فكان آخر الكلام في درس الماضي فيما يتعلق بدروسنا لذكر وصايا من الكتاب والسنة. ذكرنا أول وصايا: تقوى الله عز وجل، واستعرضنا بعض الأقوال، بعض أقوال السلف في تفسير التقوى. وآخر ما ذكرنا تفسير علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه في تفسير التقوى، وأنه قال رضي الله تعالى عنه: «تقوى الله: الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل». وهذه حقيقة التقوى؛ فإن التقوى هي التي تثمر الخوف من الله عز وجل، فمن خاف حقًا شمر واجتهد في طاعة الله جل وعلا. هذا الذي خاف حقًا فإنه يشمر ويجتهد في طاعة الله سبحانه وتعالى، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة: «من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل». «من خاف أدلج» يعني: حقيقة الخائف حقًا فإنه يسرع. «من خاف أدلج» والمراد أن الذي يخاف البيات في مكان لا يأمن البيات فيه، إنسان سائر متحرك يمشي يريد أن يصل إلى مكان معين يأمن فيه البيات فينام فيه، فماذا يفعل إذا كان حقًا يريد الوصول إلى ذلك المكان الذي يأمن البيات فيه؟ فعليه أن يسرع، وأن يمشي أول الليل، لا بد يمشي أول الليل حتى يتجاوز -كما يقال- مكان الخطر، يتجاوز مكان الخطر. لكن إذا تأخر فإنه لن يصل إلى المكان الآمن. وهكذا حقيقة المسلم يريد أن يصل إلى جنة الله سبحانه وتعالى، يريد أن يأمن من عذاب الله جل وعلا، فماذا عليه؟ عليه أن يسارع، عليه أن يمشي بهذه الدنيا سارعًا مجتهدًا في طاعة الله عز وجل حتى يصل إلى مطلوبه. والمراد في حديث رسول الله: «من خاف أدلج»، المراد أي: من خاف ربه جل وعلا، وخاف عذابه سبحانه، خاف ناره جل وعلا، «أدلج» أي: شمر واجتهد في الطاعة. «من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل» وهو الجنة. «ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة». سلعة الله هي الجنة، ومن أرادها عليه أن يدلج وأن يشمر لها، لأن سلعة الله الجنة ليست رخيصة، ليست رخيصة، رخيصة، وإنما هي غالية. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة». سلعة الله الجنة ليست رخيصة، هي غالية، فالكسلان والمفرط لا يتحصل عليها، لا يظن أنها رخيصة سيتحصل عليها ولو لم يفعل شيئًا، ولو قصر، ولو فرط. لا، جنة الله ما هي رخيصة، سلعة الله غالية، سلعة الله الجنة غالية، فليست رخيصة على الكسلان، وليست رخيصة على المقصر والمفرط. ورحم الله الإمام ابن القيم رحمة واسعة إذ يقول: «يا سلعة الرحمن لست رخيصة * بل أنت غالية على الكسلان يا سلعة الرحمن ليس ينالها * في الألف إلا واحد لثنان يا سلعة الرحمن هل من خاطب * فالمهر قبل الموت ذو إمكاني يا سلعة الرحمن أين المشتري * فقد عرضت بأيسر الأزمان يا سلعة الرحمن سوقك كاسد * بين الأراضي السفلة الحيوان يا سلعة الرحمن، يا سلعة الرحمن لولا أنها حجبت بكل مكاره * الإنسان ما كان عنها قط من متخلف وتعطل الدار الجزاء ثاني لكنها حجبت بكل كريهة * ليصد عنها المبطل المتواني وتنالها الهمم التي تسمو * إلى رب العلا بمشيئة الرحمن». ما أجمل هذا الكلام من ابن القيم، رحمه الله، وهو يبين أن سلعة الله ليست رخيصة على الكسلاء، بل هي غالية عليهم، ويبين أن الجنة قد عُرضت، فأين الخطاب؟ أين الخطاب؟ والذي قال: «يا سلعة الرحمن كيف تصبر الخطاب عنك وهم ذو إيمان»؟ ما الذي صبرهم عن خطوبتك؟ أهل الإيمان لا يتأخرون عن الخطوبة، عليهم أن يسارعوا في الخطوبة، أن يسارعوا في الخطوبة. الإنسان الآن في الدنيا إذا أراد أن يتزوج عند أناس أهل دين، أو أهل أهل كذلك مكانه وشرف وتقوى، هل يتأخر؟ يتأخر ويقول: سهل الخطوبة، نخطب بعد شهر؟ لا، يسرع بالخطوبة، لا يتأخر، يخشى أن يسبقه أحد، أن يسبقه أحد. الخطوبة ونحن نريد الجنة، فلماذا لا نخطب؟ لا نخطب الجنة؟ قد يقول قائل: كيف نخطب الجنة؟ نخطب الجنة بالعمل الصالح، بالتشمير للطاعة، لا نتأخر عن الأعمال الصالحة. فالذي يتأخر عن الأعمال الصالحة وهو يريد الجنة، هذا كالذي يريد أن يخطب من الناس أو أن يتزوج عند أناس وهو لم يسارع في الخطوبة، كيف يتحقق له ذلك؟ فلا بد من الخطوبة، لا بد أن نخطب الجنة، وبمن تخطب الجنة؟ تخطب الجنة من رب العالمين سبحانه وتعالى، كيف؟ بالأعمال الصالحة. أنت لما تعمل الأعمال الصالحة فكأنك تخطب من الله جل وعلا جنته سبحانه وتعالى. «يا سلعة الرحمن كيف تصبر الخطاب عنك * وهم لأو إيماني». فلا بد في تقوى الله عز وجل من الاجتهاد في الأعمال الصالحة والطاعة: الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، «من خاف أدلج»، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل. تقوى الله جل وعلا لازمها أن يستعد الإنسان لليوم الذي يرحل فيه من هذه الدنيا. من كان تقيًا حقًا فهو الذي استعد في هذه الدنيا للأعمال الصالحة وتزود منها. إنسان متزود في هذه الدنيا من الأعمال الصالحة، نعم هذا تقي. إنسان لم يتزود في هذه الدنيا بالأعمال الصالحة، يقضي ساعاته وأيامه وسنينه في لعب وله وإعراض، ضاعت عليه الساعات، ضاع عليه عمره، وهو والعياذ بالله على تقصير وعلى تفريط، هل هذا تقي؟ لا، هذا ليس بتقي. التقي هو الذي يستعد ليوم الرحيل، باليوم الذي يرحل فيه إلى الله، والاستعداد ليوم الرحيل هذه التقوى. فإن الله عز وجل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾. هذه التقوى، أمر الله بالتقوى وبين حقيقتها. الأمر بالتقوى في قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾، ما هي حقيقة التقوى؟ ﴿وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾، ماذا قدمت النفس لغد وهو اليوم الآخر، يوم الرحيل من هذه الدنيا؟ ماذا قدمت هذه النفس؟ تقوى الله عز وجل كذلك الاستعداد اليوم الآخر، كذلك بتقوى ذلك اليوم الذي يقبل فيه الإنسان على ربه جل وعلا: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾. ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾، كيف نتقي يومًا نرجع فيه إلى الله؟ نتقي هذا اليوم الذي نرجع فيه إلى الله بالاجتهاد في الدنيا بالطاعات، وبالمسابقة والمسارعة في الخيرات، والابتعاد عن المحرمات والذنوب والمعاصي، ترك الخطيئات. هكذا الاستعداد، هذا هو تقوى اليوم الذي نرجع به إلى الله. والتقوى: ﴿يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾، تقوى الله جل وعلا أن نخشى ذلك اليوم الذي نقبل فيه على الله عز وجل، وهذه أيضًا من حقيقة التقوى: الاستعداد ليوم الرحيل بخشية ذلك اليوم الذي نقبل فيه على الله. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾، أمر بالتقوى، ما هي حقيقتها؟ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾. هذه حقيقة التقوى: أن يخشى الإنسان ذلك اليوم الذي لا يجزي فيه والد عن ولده، ما ينفع الوالد ولده، ولا ينفع الولد والده، ﴿لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا﴾. تقوى الله عز وجل أن نخاف من ذلك اليوم العظيم، الهول الشديد، المصاعب. هذه حق تقوى الله عز وجل: أن نخاف زلزلة الساعة وما يحصل فيها من أمور عظيمة. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾. أمر الله جل وعلا بالتقوى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾، وبيّن حقيقة ما يجري في داركم اليوم العظيم، الذي يجب على الإنسان أن يخشى تلك الوقائع العظيمة وتلك الأهوال وتلك الشدائد وتلك المصاعب. بماذا؟ بالبكاء في الدنيا، ترك الأعمال الصالحة؟ لا يغني البكاء، وإنما العمل. فالناس قادمون على أهوال عظيمة في ذلك اليوم العظيم، فعليهم أن يتقوا ذلك، وأن يتقوا تلك الأهوال وتلك الشدائد، بماذا؟ بالأعمال الصالحة في هذه الدنيا. فلا ينفعك يا عبدالله إلا أعمالك. إذا أردت أن تنجو من تلك الشدائد ومن تلك المصائب ومن تلك الأهوال فعليك بالأعمال الصالحة. لا ينفعك حسبك، ولا ينفعك نسبك، ولا ينفعك مالك، ولا ينفعك ولدك، ولا ينفعك جاهك، ولا وزارتك، ولا رئاستك أبدًا. ينفعك عملك. ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى﴾. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه». عملك هو الذي يقدمك، وهو الذي يؤخرك، هو الذي يسرع بك، وهو الذي يبطئ بك. عملك هو مواصلاتك، كما يقال: سرعتك في يوم القيامة بحسب أعمالك، وتأخرك بسبب أعمالك. إذا جئت إلى الصراط تريد أن تمر على الصراط إلى الجنة، كل بحسب عمله. أسرع الناس أعمالًا في هذه الدنيا ومسابقة إليها، أسرع الناس مرورًا على الصراط، فيمرون كالبرق. أسرع الناس أعمالًا: منازل، منازل، ومنهم كالريح، ومنهم كأجاويد الخيل، ومنهم من يمشي سريعًا، يجري جريًا، ومنهم... ومنهم... ومنهم يزحف زحفًا، العمل قليل. آخر يزحف على الصراط. ومن الناس -عافانا الله وإياكم- من تخطفه كلاليب الكلاليب، فتصيبه الجروح من هذه الكلاليب ويسلم ويصل إلى الجنة. ومنهم من يسقط -نسأل الله العافية- إلى النار ويخلد فيها. كلهم بحسب عمله. فتقوى الله حققتها كذلك: الاستعداد ليوم الرحيل إلى الله جل وعلا، العمل لذلك اليوم الذي لا ينفع به مال ولا بنون. ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. فقط، لا الأموال تنفع، ولا البنون تنفع، وإنما ينفعك أن تقبل على الله عز وجل بقلب سليم، سلم من الشرك، سلم من الأحقاد، سلم من الكبر، سلم من الظنون السيئة، سلم من هذه الآفات. تقبل على الله بقلب ذاكر لله عز وجل، لله عز وجل معظم، خاشع، منيب، خائف. هذا الذي ينفع: القلب السليم. والقلب السليم إذا كان سليمًا حقًا فهو الذي يورث العمل، يورث صاحبه العمل؛ لأن القلب إذا سلم وإذا صلح صلح سائر الجسد، فلا تأتيه إلا بما يرضي الله جل وعلا، كما في حديث النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام في آخر الحديث: «وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح سائر الجسد، وإذا فسدت فسد سائر الجسد، ألا وهي القلب». فالقلب إذا سلم، والقلب إذا صلح، صلحت الجوارح. فاليد لا تأتي إلا بخير، لا تسرق، لا تبطش، لا تعتدي على أحد. وهكذا صلاح اللسان، فلا يسب، ولا يلعن، ولا يكذب، ولا يغتاب، ولا يقول إلا خيرًا. صلحت العيون، فلا تنظر إلى الحرام، لا تنظر إلى المسلسلات، ولا تنظر إلى التمثيليات، ولا إلى المسرحيات، ولا إلى صور في هذه الشاشات، ولا تنظر إلى النساء التي لا يجوز النظر إليهن. وهكذا، وإنما تنظر فيما يرضي الله وفيما أحل الله، تنظر في كتاب الله، وتنظر في ملكوت الله وتتفكر، تنظر إلى السماء كيف رفعها الله، تنظر إلى الجبال كيف نصبها الله، تنظر إلى الأرض كيف سطّحها الله، تنظر إلى الإبل كيف خلقها الله، تنظر إلى البحار وتتفكر في خلق الله عز وجل. وهكذا تصلح، يصلح السمع، فلا يسمع إلا ما أحل الله من القرآن والذكر، فلا يسمع الغناء، ولا الغيبة، والنميمة، ولا غير ذلك مما هو سبب لسخط الله عز وجل. تصلح الجوارح بصلاح القلب. فلا بد من الاستعداد ليوم الرحيل. من تفاسير السلف كذلك في التقوى ما فسر به أبو هريرة رضي الله تعالى عنه التقوى. فقد جاءه رجل يسأله، قال: «يا أبا هريرة، ما هي التقوى؟» يريد من أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن يفسر له التقوى. فقال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: «ألم تمشِ بأرض بها شوك؟» يعني: هل مشيت ذات مرة في أرض فيها شوك؟ قال: نعم. قال: «فما فعلت؟» قال: «اجتنبت، اجتنبت هذا الشوك، مشيت، وحين أرى الشوك أبتعد عنه، فإذا وقعت شوكة ابتعدت عنها واجتنبتها، يعني أخذت الطريقة السليمة». فقال له أبو هريرة: «هذه التقوى». ومرادُه رضي الله تعالى عنه أن تقوى الله عز وجل: أن يجتنب الإنسان المحرمات، ويجتنب المعاصي، ويأخذ بالطاعات. يمشي بهذه الدنيا كأنه يمشي بأرض فيها شوك. النفس الأمارة بالسوء تدعوه إلى فعل المنكرات، فعل الذنوب والمعاصي. شياطين الإنس كذلك، شياطين الجن كذلك، اجتمعوا عليه من كل حدب وصوب يريدون إهلاكه. فإذن هو في دنيا مليئة بالأشواك، مليئة بالأشواك، ومليئة بالحفر. هذه الدنيا مليئة بالحفر، ومليئة بالأشواك، ومليئة بالمخاطر. كيف ينجو الإنسان من هذه المخاطر، ومن هذه العقبات، ومن هذه المصاعب؟ بأن يجتنب ويجتهد: جاه بحفرة اجتنبها، أشار بالطريقة السليمة، جاه شوكة اجتنبها، سار بالطريقة السليمة. وهكذا حتى يصل، يصل إلى مطلوبه، تأتيه منيته وهو على طريقة سلامة، قد ابتعد عن الأشواك، وقد ابتعد عن المخاطر. والمعنى: ابتعد عن الذنوب والمعاصي، ابتعد عن المحرمات. هذه التقوى. وقد أخذ ابن المعتز رحمه الله هذا التفسير للتقوى من أبي هريرة، فنظم ذلك في أبيات، قال رحمه الله: «خلِ الذنوب صغيرها وكبيرها * فذاك التقى واصنع كماشٍ فوق أرض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرة * إن الجبال من الحصى». هكذا قال رحمه الله: «خلِ الذنوب صغيرها وكبيرها» تركها، لا تقول: هذه صغيرة، بسيطة، الناس من اليوم هذه سهلة، بسيطة، صغيرة. هذه ترك الذنوب صغيرها وكبيرها. «خلِ الذنوب صغيرها وكبيرها فذاك التقى، واصنع كماشٍ فوق أرض الشوك يحذر ما يرى»، افعل مثل هذا الذي يمشي بأرض بها شوك فهو يحذر ما يراه من الشوك. «لا تحقرن صغيرة، إن الجبال من الحصى». الجبال العظيمة إنما كانت بهذه المثابة لأنها حصاة مع حصاة، ما حصاة واحدة، جبال هذه ما حجر واحد، لا، أحجار كثيرة، حصاة مع حصاة، حصاة مع حصاة، حصاة مع حصاة، صغيرة صغيرة، حصاة صغيرة، حصاة صغيرة، صارت حصيات كثيرات صغيرات، وهي جبال صارت جبال. وهكذا الصغير، يقول: هذه صغيرة، صغيرة، صغيرة، صغيرة، حتى صارت كبائر. النار إنما هي أعواد: أولًا عود مع عود، عود مع عود، صارت نارًا عظيمة، وربما بدأ بها إلا بعود كبريت واحد فقط، عود كبريت مع سعفة من النخل أو شيء قليل، صارت نارًا قليلة، أضيف إليها، أضيف إليها، أضيف إليها، أحرقت مدنًا وبلدانًا كثيرة. وكما قال قائل: «وإنما مستصغر النار، وإنما معظم النار من مستصغر الشرر». إن شاء الله نواصل في درس قادم، درس اللاحق. الحمد لله رب العالمين. ترجمة نانسي قنقر، ترجمة نانسي قنقر، ترجمة نانسي قنقر، ترجمة نانسي قنقر.