تفسير سورة المطففين من تفسير الجلالين 2

تفسير سورة المطففين من تفسير الجلالين 2

الدرس في تفسير سورة المطففين من تفسير الجلالين 2، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تفسير الآيات في سورة المطففين والإيمان باليوم الآخر

يبدأ المقطع بتوضيح الآيات في سورة المطففين، ويتناول تفسير قوله تعالى: ﴿ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون﴾، ويشدد على أهمية ترجمة الإيمان باليوم الآخر إلى أفعال وتقوى في الحياة الدنيا.

يوم القيامة وأهوال البعث والحساب

يوم القيامة يوم عظيم يستمر خمسين ألف سنة، فيه يحشر الناس جميعًا عراة حفاة، ويُحاسبون على أعمالهم المسجلة في كتبهم، ويوضح أن كتاب الفجار يكون في سجين.

تفسير سجين ومفهوم كتاب مرقوم وتأثيرهما

اختلف العلماء في تفسير سجين، وأشهر الأقوال أنه محل في الأرض السفلى يحتوي على كتاب مرقوم بأعمال الفجار، ويشدد على أهمية العمل الصالح كأمارة على الخاتمة الحسنة.

تتمة الكلام حول كتاب مرقوم ومعناه

يشرح معنى قوله تعالى: ﴿كتاب مرقوم﴾، حيث يشير إلى أن الوصف للكتاب وليس للسجين، ويبين أن العبرة بالأعمال لا بما في الكتاب.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، بالأمس كان حديثنا عن سورة المطففين وما يتعلق بأسمائها، وما يتعلق بالخلاف الواقع فيها: هل هي مكية أو مدنية؟ ثم تطرقنا إلى شرح الآيات والكلمات في قول ربنا جل في علاه: ﴿ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون﴾. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى عند قول الله: ﴿ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون﴾، قال: «ألا» استفهام وتوبيخ، «يظن» يتيقن، من معاني الظن في اللغة العربية أنها تأتي بمعنى اليقين، يأتي الظن صحيحًا، بعض الناس يستخدم الظن بمعنى الاحتمالية، لكن تأتي في لغة العرب وأيضًا تأتي في لغة القرآن بمعنى اليقين، كما قال ربنا جل وعلا واصفًا أهل الإيمان: ﴿الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم﴾، «يظنون» أي يعتقدون ويتيقنون. فقال هنا: ﴿يظنوا﴾ يتيقن «أولئك» أنهم مبعوثون، هنا الخطاب لهؤلاء المطففين الذين مضى ما كان من فعلهم المشين، أنهم إذا طالبوا الغير بالكيل والميزان وقفوا على رؤوسهم، بينما هم إذا كالوا لغيرهم أبخسوهم وأنقصوهم، هؤلاء قال عنهم ربنا عز وجل: ﴿ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون﴾ أي: لهناك يوم تبعث فيه الأجساد. قد يكون المخاطب بهذه الآية أناس من أهل الإسلام من أهل التوحيد وهو يعتقد ويؤمن بالبعث والنشور، فما المقصود بهذه الآية؟ المقصود بهذه الآية أنك يا أيها المطفف، فعلك هذا يشبه حال الكافر المنكر للبعث، إذ أنك لو كنت تؤمن بالبعث لما فعلت هذا، لما فعلت هذا وعلمت أن هناك حسابًا وهناك جزاءً وهناك عقابًا، لما كان ذلك من أمرك. فقال سبحانه: ﴿ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون﴾ وتأمل في هذا الأسلوب «أولئك» تطلق على البعيد، وهؤلاء أشار إليهم ربنا عز وجل بالبعد لأنهم في واقعهم قد ابتعدوا عن ربهم، وذلك حينما مارسوا الغش والخداع والاحتيال على الناس في مسائل البيع والشراء. وبهذا تعلم يا عبد الله أن الأمر ليس بالسهل وليس بالهيين، وأن المسلم ينبغي أن يتق الله في تعامله مع غيره، وخاصة في بيعه وشرائه، انظر لمسألة التطفيف وقد تكون في مسألة يسيرة من الوزن، كيف أنها جلبت على صاحبها هذا البعد عن ربه «أولئك» أي قد بعدوا عن الله، «ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون». قال: وفي هذه الآية كذلك إشارة إلى أن من أعظم ما ينبغي أن ينزجر عنه المسلم من فعل السيئات أن يذكر باليوم الآخر، هذا الذي ينبغي أنه يذكر بين الفينة والأخرى، فإن من الإيمان باليوم الآخر أن هذا يثمر في حياتك، لا أن تجعل الإيمان باليوم الآخر عبارة عن ثقافة إسلامية، ولا يظهر منك أي إذعان أو ثمرة أو ما يترتب على هذا الإيمان. ثم قال سبحانه: ﴿ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم﴾، أي: فيه، وهو يوم القيامة، أنهم مبعوثون، «ليوم» اللام هنا بمعنى «في»، هذا الذي أراده المؤلف، أن «ليوم» اللام هنا بمعنى «في»، أنهم مبعوثون «ليوم عظيم» أي مبعثون في يوم عظيم. فقال: «أي فيه» وهو يوم القيامة، ويوم القيامة هو يوم عظيم، عظيم في أهواله، عظيم في كرباته، عظيم في شدته، وذلك في حق من علم بأمره، وهو عظيم شديد على أقوام، وهو مخفف يسير على أقوام، وذلك بحسب الأعمال. قال: «يوم» بدل من محل «يوم»، فناصبه «مبعوثون»، «يوم يقوم الناس لرب العالمين»، الخلائق لأجل أمره وحسابه وجزائه، أي: في هذا اليوم الذي تبعث فيه الأجساد والأرواح، وهو يوم القيامة. هذا اليوم ما الذي يكون من صفات البعث؟ قال ربنا عز وجل: ﴿يوم يقوم الناس﴾، قال المؤلف: «من قبورهم»، وهذه حقيقة البعث أن الأرواح تعاد إلى الأجساد فتبعث من قبورها. وحين البعث يا عبد الله تخيل كيف يكون البعث؟ يخرج الإنسان من قبره والناس جميعًا وهم عراة وهم حفاة وهم بهما لا مال لهم، وهم كذلك غرلا، كل ذلك يكون حالك إذا نهضت يا عبد الله من قبرك، أين تلكم الأموال التي اكتسبتها والتي لأجلها غششت وخدعت وتحيلت وطففت الميزان وتلاعبت على عباد الله؟ لا يكون منك منها شيء، ذهب، ستأتي عند ربك وأنت حاف عار. قال: «يوم يقوم الناس لرب العالمين»، قال: «الخلائق» أي رب العالمين ورب الخلائق، لأن البعث سيكون على الجميع، البعث على الجميع، وقد مضت معنا تلكم الآيات: ﴿وإذا الوحوش حشرت﴾، الوحوش منهم من شملها أي الدواب والبهائم وجميع ما خلق ومما هب ودرج من الكائنات ودب، فالله يحشرهم يوم القيامة مع الإنس والجن، فهو سبحانه وتعالى يكون رب العالمين أي رب الخلائق، إذ أن الكل يحشر يوم القيامة. قال: «لرب العالمين رب الخلائق لأجل أمره وحسابه وجزائه»، طبعًا وهذا اليوم إخواني في الله من الأيام العظيمة، هو يوم كما وصفه ربنا: ﴿يوم يقوم الناس﴾، وهل هو يوم كأيامنا؟ جاء في السنن من حديث عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم ما قال عندما قرأ هذه الآية: ﴿يوم يقوم الناس لرب العالمين﴾، قال: «في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة»، هذا هو اليوم خمسين ألف سنة، هل يستطيع أحد لا أقول يعد بل يتخيل هذه المدة يتخيلها فقط؟ خمسين ألف سنة، تخيل لو قيل لك أن إنسان عاش ألف سنة سيغطيش عقله، ألف سنة ما هذا الكائن الذي يعيش ألف سنة؟ لو قيل لك عشرة آلاف سنين، فإذا قيل لك خمسين ألف سنة، هذا عبارة عن مقدار القيام. ولهذا من أهوال القيامة والتي سيقع على العباد إذا بعثوا في كل خلائق الله أنهم سيقفون الكل: ﴿يوم يقوم الناس لرب العالمين﴾، هذا القيام لا تظن أنه يوم بل هذا اليوم في حسرة الله بخمسين ألف سنة، لا همس لا كلام، وإنما الأعناق قد شرأبت والعيون قد جحظت، فلا تسمع منهم إلا همسًا، وبعد ذلك ثم يطالبون بعد ذلك بفصل القضاء، كما سيأتي في حديث الشفاعة في الأحاديث الذي دلت على تتابع أحوال وأحوال القيامة. فالشاهد أن هذا اليوم من الأيام العظيمة، قد جاء في السنة أن النبي كان يستعيذ بالله من طول القيام، يستعيذ بالله من طول القيام، أي: في هذا الموقف: ﴿يوم يقوم الناس لرب العالمين﴾. قال: «كلا»، قال: حقًا، «كلا» من الكلمات القرآنية التي تأتي بعدة معاني، فـ«كلا» تأتي ويعبر عنها جماعة من أهل العلم بأنها كلمة ردع وزجر، ومنهم من يفسرها بأنها بمعنى حقًا، ولهذا مثلًا عند هذه الآية من ذهب إلى بعض المفسرين كالتضر يراه يفسرها أنها كلمة ردع وزجر، ومن جاء إلى تفسير الجلالين يرى أن «كلا» بمعنى حقًا، والمعنى متقارب لأن «كلا» تأتي بهذا المعنى وتأتي بالمعنى الآخر. قال: «كلا حقًا إن كتاب الفجار» أي كتاب أعمال الكفار، «كتاب الفجار» هنا خصه المؤلف بكتاب الكفار، أي الكتاب الذي فيه أعمال الكفرة، ومن أهل العلم من عم ووسع فجعل أن هذا الكتاب خاص بكتابة أعمال الكفار وأعمال المنافقين وأعمال الفساق، كل هذه الأعمال الخبيثة الدنيئة قد سجلت في هذا الكتاب. قال ربنا: ﴿كلا إن كتاب الفجار﴾ أي دونت وسجلت، ﴿كلا إن كتاب الفجار لفي سجين﴾، قال: هو كتاب جامع لأعمال الشياطين والكفرة، وقيل: هو مكان أسفل الأرض السابعة، وهو محل إبليس وجنوده. في قوله سبحانه وتعالى: ﴿كلا إن كتاب الفجار لفي سجين وما أدراك ما سجين﴾، «كتاب الفجار» إذن علمنا أن الكتاب هو كتاب سجلت فيه أعمال الكفرة وأهل النفاق والفسقة على قول الكثير من العلماء، طب هذا الكتاب ما به؟ أين مطروح؟ هنا ذكر ربنا عز وجل أن هذا الكتاب في سجين، طب ما سجين؟ ﴿كلا إن كتاب الفجار لفي سجين وما أدراك ما سجين كتاب مرقوم﴾، فائدة يذكر العلماء قاعدة: ما يأتي في القرآن بلفظ «وما أدراك» هذا يأتي مفسرًا في القرآن، وما جاء في القرآن بقول بلفظ «وما يدريك» هذا يأتي مبهمًا، أعيد قاعدة: «ما أدراك» تأتي في القرآن مفسرة، و«ما يدريك» تأتي في القرآن مبهما. فهنا لما ذكر ربنا: ﴿وما أدراك ما سجين كتاب مرقوم﴾، هنا ما هو السجين؟ اختلف العلماء في سجين الذي وضع فيه أعمال الفجار والكافرين على ثلاثة أقوال شهيرة، القول الأول: قيل أنه كتاب أكبر وأوسع، وهذا الكتاب يدخل فيه أعمال الشياطين الأبالسة والعفاريت، وطبع سجين فيه هذا من هذا، هذا قول أشار إليه المؤلف. القول الثاني: أن سجين هو ليس كتاب بل هو محل، أين هذا المحل؟ في الأرض السفلاء، القول الثالث قريب من هذا، قالوا أن سجين عبارة عن صخرة عظيمة، صخرة عظيمة يوجد تحتها هذا الكتاب، فهي ثلاثة أقوال يتناولها ويتناقلها المفسر، والأشهر والأقرب والله تعالى أعلم أن قول من قال أن هذا سجين موجود في هذا المحل في الأرض السفلى هو الأقرب للصواب. ولماذا هذا التقريب؟ ولماذا هذا التسديد؟ لما ثبت في حديث البراء ابن عازب عندما أخبر نبينا صلى الله عليه وسلم عن إتيان ملائكة العذاب بقبض روح الكافر والفاجر، فيقول الله عز وجل للملائكة: «اكتبوا كتاب عبدي في سجين في الأرض السفلى»، اكتبوا كتاب عبدي في سجين في الأرض السفلى، فهذا الحديث فيه شرح لمعنى الآية على أن السجين هو في الحقيقة محل وهو ما يكون في أسفل الأرض. وهنا قال: وهو محل إبليس وجنوده، هذا من باب زيادة تعريف، قال: ﴿وما أدراك ما سجين﴾ أي: ما كتاب سجين؟ ﴿كتاب مرقوم﴾، قال: مختوم، وفي قوله تعالى: ﴿كتاب مرقوم﴾ أي مختوم، «كتاب مرقوم» هذا وصف للكتاب لا وصف لسجين، وصف للكتاب لا وصف لسجين، عندي كتاب وعند سجين كتاب، هذا يكتب فيه أعمال الفجر والفسق وأهل النفاق، والسجين هو المحل على القول الصحيح، سجين في أسفل الأرض. في قوله سبحانه وتعالى: ﴿كتاب مرقوم﴾، هذا أين نذهب به؟ هذا نذهب به عند الكتاب، أي أن هذا الكتاب التي كتبت فيه أعمال الكفرة والفجرة والفسق وأهل النفاق أنه «كتاب مرقوم»، هنا يأتي ما معنى «مرقوم»؟ قال المؤلف رحمه الله تعالى: مختوم، مختوم أي ختم وفرغ منه. ولهذا جاء في تفاسير بعض العلماء أنه لا يزيد عليه ولا ينقص، أي أن هؤلاء قد كتبوا عند الله في الأجل وفي الأزل، قد كتب الله الكفار وأعمالهم، وكتب الله أهل النفاق وأعمالهم، وكتب كذلك أهل الفسق والفجور وأهل الجريمة وأعمالهم، كل ذلك في سجين في كتاب، وهذا الكتاب مرقوم قد فرغ منه. قد فرغ منه وإنما نحن الآن نمشي على ما قدره الله علينا، ويدل على هذا المعنى ما جاء في السنن من حديث عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج عليهم ذات يوم بكتابين، فقال: «أتدرون ما هذان الكتابان؟» قلنا: الله ورسوله أعلم إلا أن تخبرنا يا رسول الله، فقال: عن الكتاب الذي بيمينه: «هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم حتى أجمل على آخرهم»، وهذا وأشار إلى الذي في يساره في شماله: «وهذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم حتى أجمل إلى على آخرهم، فلا يزاد عنه ولا ينقص»، فرغ. فقالوا: يا رسول الله ففيما العمل؟ ففيما العمل إذا الأمور قد فرغ منها؟ كتاب برقوم ختم وانتهينا، هؤلاء الفجار لهم قد علموا أنهم للنار وأهل الجنة قد علم، فقال: «ففيما العمل يا رسول الله؟» قال: في رواية: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له»، وفي هذه الرواية قال عليه الصلاة والسلام: «سددوا وقربوا، فإنه من كان من أهل الجنة عمل بأهل الجنة، ومن كان من أهل النار عمل بأهل النار»، هذه أمارة، هذه أمارة لك، لا أحد يتكل أو يتكل ويطرح أن حمل على القضاء والقدر، لا لا تحمل أنت ما تدري ما الذي ختم عليه هذا علمه عند الله جل في علاه، لا أنا ولا أنت بماذا ختم لنا. لكن أعطانا الشرع أمارة، ما هي الأمارة؟ واقعك، واقعك الذي تسير أنت فيه يدل على مصيرك، فإن كنت مصليًا مزكيًا ذاكرًا مقبلًا مخبتًا طائعًا لله، هذا مصيرك الجنة يا عبد الله، سر على هذا، ومن رأى أنه بعيد عن ربه فاجر ماجن فاسق تارك للصلاة عاق لوالديه، هذا أين مصيره؟ هذا يستحق النار إلى أن يشاء الله، «فكل ميسر لما خلق له». فالشاهد في قوله تعالى: ﴿كتاب مرقوم﴾، هذا وصف للكتاب لا للسجين، كما أشار إلى ذلك البغوي، وأن معنى أن هذا الكتاب قد فرغ منه، لكن ليس معنى ذلك أن نتكل على ما في الكتاب، وإنما العبرة بالأعمال. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.