تفسير سورة المطففين من تفسير الجلالين 1

تفسير سورة المطففين من تفسير الجلالين 1

الدرس في تفسير سورة المطففين من تفسير الجلالين 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أسماء سورة المطففين ومكان نزولها

تناول المقطع أسماء سورة المطففين ومكان نزولها، حيث ذكر أن للسورة ثلاثة أسماء. كما ناقش الخلاف حول ما إذا كانت السورة مكية أو مدنية.

معنى التطفيف ووعيد المطففين

المطففين هم الذين يبخسون الناس في المكيال والميزان، وهذا العمل يدخل في وعيد شديد في القرآن الكريم. التطفيف يشمل البخس في المعاملات، حتى ولو كان قليلًا.

التطفيف في الحياة اليومية والأخلاق

يجب على المسلم أن يتقي الله في معاملاته اليومية وأن يكون منصفًا. التطفيف ليس مقتصرًا على الميزان والمكيال بل يدخل في كل تعاملات الحياة.

تفسير آية التطفيف ومفهومها الأعم

الآية تشير إلى ضرورة تأدية الحقوق كما يطالب المرء غيره بتأدية حقوقه. هذا المبدأ ينهي عملية التطفيف ويشمل كل نواحي الحياة.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: سورة المطففين أو التطفيف مكية، وآياتها ست وثلاثون آية. مقدمة، إخواني في الله، حول هذه السورة وما أشار إليه المؤلف رحمه الله تعالى، أولًا فيما يتعلق بأسماء هذه السورة التي بين أيدينا، فإن كتب التفاسير، وأيضًا في كتب السنة، كما جاء في صحيح البخاري، على أن هذه السورة سميت بسورة «ويل للمطففين»، والتسمية الثانية لهذه السورة أنها سميت بسورة المطففين، وهذا كذلك له شهرة، وقد جاءت هذه التسمية في المصاحف وفي كتب التفاسير والمسانيد والسنن. وهناك اسم ثالث لهذه السورة، وهو الذي أشار إليه المؤلف رحمه الله تعالى، حيث قال: أو التطفيف، فهذا هو اسم ثالث لهذه السورة، سورة التطفيف، وقد جاءت تلكم التسمية عن بعض أهل العلم، كما نقل ذلك عن الإمام السخاوي رحمه الله تعالى، وهكذا عن أبي عمر الداني، وهي من الأسماء الاجتهادية. فهذه أسماء هذه السورة: سورة المطففين، سورة ويل للمطففين، وسورة التطفيف. قال رحمه الله تعالى: مكية، هذا في بعض النسخ، وإلا في بعض النسخ: مكية، مكية أو مدنية. المؤلف رحمه الله تعالى علق الحكم، هذا يوجد في بعض النسخ، قال: مكية أو مدنية. قد ذكرنا في أوائل هذه الشروحات التفسير على أن المكي ما نزل قبل الهجرة، والمدني ما نزل بعد الهجرة، والمؤلف رحمه الله تعالى في هذه السورة ماذا قال؟ قال: مكية أو مدنية، لماذا هنا تشكك؟ هنا المؤلف رحمه الله تعالى لم يفصل لحصول الخلاف القوي بين العلماء: هل هذه السورة مكية نزلت قبل الهجرة، أو مدنية نزلت بعد الهجرة؟ فطائفة من أهل العلم، كما نقل ذلك عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، وعن الضحاك وجماعة من الأئمة، ذهبوا إلى أنها سورة مكية، وهذا الذي أشار إليه إمام المفسرين الطبري رحمه الله تعالى. والقول الثاني: من ذهب إلى أن هذه سورة مدنية، وهذا هو الثابت عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى، وجاء عن العكرمة وعن الحسن وعن جماعة من أهل العلم هذا القول الثاني. ومنهم من فصل، وهو القول الثالث: ذهب أن في بدايتها مدني، وفي آخرها مكي. والقول الرابع: من قال أنها نزلت بين مكة والمدينة، نزلت بين مكة والمدينة، كما ذهب إلى هذا الإمام جابر بن زيد رحمه الله. فعندي أربعة أقوال لهذه السورة في الحكم عليها، ولهذا عندما يذكر العلماء المكي والمدني يذكرون هذه السورة من المختلف فيه، من المختلف فيه: هل هو مكي أم مدني؟ ولهذا المؤلف ماذا قال؟ مكية أو مدنية، الله أعلم بالصواب، لكن لكل فريق طبعًا أدلة وحجج. فمن ذهب مثلًا إلى أن هذه السورة مدنية استدل بما جاء في السنة من حديث ابن ماجة، من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه، وأنه قال: «إن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة، قالوا: وكانوا من أخبث الناس كيلًا، فأنزل الله ﴿ويل للمطففين﴾، قال: فأحسن الكيل بعد ذلك». فقول ابن عباس: إن النبي لما قدم المدينة ثم نزلت السورة، دل على أنها نزلت في المدينة، فهذا قول من يقول بأنها مدنية، وهذا الحديث يحسنه العلامة الألباني رحمه الله. ومن ذهب إلى أنه مكي كذلك له أدلة وآثار عن بعض السلف. فالشاهد نقول كما قال المؤلف: هي مكية أو مدنية، فالخلاف فيها حاصل. قال المؤلف رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم، قال: ﴿ويل للمطففين﴾. قال: ويل كلمة عذاب أو واد في جهنم، ويل هي كلمة زجر وكلمة عذاب وعقاب، ويل. ويفرق العلماء بين ويل وويح، ويل وويح: أن ويل تقال في الذي وقع في الهلاك وأهلك نفسه، أما ويح فهذا يقال في حق من كاد أن يشرف على الهلاك تحذيرًا له، تحذر: ويحك ستقع، أما ويل هذا في حق من دخل في الهلاك وأهلك نفسه، كحال هؤلاء. قال: ويل كلمة عذاب أو واد في جهنم، لكن هذه المسألة: هل هي ثابتة؟ هل ثبت في صحيح السنة على أن هناك واديًا في جهنم اسمه ويل؟ نعم هناك أحاديث، لكن ما صحت، ما صحت في هذا الباب. فما نستطيع أن نثبت شيء من علم الغيب إلا بدليل صريح صحيح بين، فمن ادعى أن هناك واد في جهنم اسمه ويل يحتاج إلى دليل. ولهذا بعض المفسرين إذا شرح وفسر هذه الكلمة قال: ويل كلمة عذاب فقط، وهلاك، لا يزيد، ولا يقول: واد في جهنم؛ لأن هذا مما يحتاج إلى ماذا؟ إلى دليل. قال: ويل، قال: كلمة عذاب أو واد في جهنم، للمطففين، هذا ويل مستحق، لحقه بأن كان مطففًا. فما معنى المطففين؟ المطففين: التطفيف في اللغة العربية هي بمعنى مأخوذ من الطفيف، والطفيف هو الشيء اليسير، قل: هناك خلاف طفيف، أي خلاف يسير قليل. الطفيف في اللغة العربية بمعنى القليل، لكن في لسان الشرع ها هنا، فالمراد منه هو البخس في المكيال والميزان، البخس في المكيال والميزان بشكل عام، هذا هو التطفيف. ولو أردنا أن نجمع بين المعنى اللغوي مع المعنى الشرعي سيأتي لنا معنى جميل، وهو على أن التطفيف يدخل في هذا الوعيد الشديد: من أبخس الناس أو أبخس الناس في شيء طفيف، ولو قليل، شيء قليل، وأنت فيه مطفف، وقع فيه الغش والظلم والهضم في مسألة الوزن، فأنت يا عبد الله داخل في ويل. ولهذا قال جماعة من أهل العلم معلقين على هذه الآية: قال: «فأدنى من أخل بأدنى حقوق الخلق استحق أعظم ويل من الحق»، من أخل بأدنى حقوق الخلق استحق الويل من الحق، يعني: من أبخس الناس وأخذ بشيء طفيف يسير، فهذا مستحق بويل من الله عز وجل. إذا كان الأمر كذلك، فما ظنك بما هو أعظم من بخس الناس في كيلهم ووزنهم؟ كمن يأخذ عليهم الأموال سرقة واختلاسًا ونهبًا، يأكل العقارات والأموال، ويزور الأوراق، فيستولى على الأموال، ويأكل أموال الناس بالباطل، فما ظنكم به؟ هذا أعظم، أعظم، أشد. إذا كان التهديد في حق من أبخس الناس في مسألة المكيال والميزان، إيش عسى؟ نصف كيلو، وربع كيلو، ومع ذلك ويل، فمن ظلم الناس بما هو أعظم من ذلك، فإن أمره أشد وأعظم. قال سبحانه: الآن سيبدأ، تبدأ هذه الآية القرآنية في بيان صفة هؤلاء المطففين الذين أبخسوا الناس، كيف يكون بخس الناس في المكيال والميزان؟ قال: ﴿الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون﴾، قال: الذين إذا اكتالوا على أي من الناس يستوفون، فمعنى الآية: الذين إذا اكتالوا على أي من الناس، أي: إذا أخذوا الكيل من الناس، إذا أخذوا الكيل من الناس، وطلبوا من الناس أن يزنونهم أو أنهم يكيلون بضاعتهم، فقال: يستوفون الكيل، أي: أن هؤلاء من صفة المطففين أنه إذا دخل على بائع ماء ليشتري وزنًا أو كيلًا يأخذ حقه كاملًا مكملًا، يشدد مع البائع، يشدد مع البائع: زن تمام، على الوزن. لا تقل: الله أطفئ المروحة، لو سمحت أطفئ المروحة، المروحة تخل بالميزان، فيشدد أيما تشديد في قضية إذا أراد أن يستوفي حقه من غيره، يستوفي حقه من غيره، أخذه كاملًا مكملًا. لكن بالمقابل قال سبحانه: ﴿وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون﴾، تنعكس الآية بعد ذلك، هذا الآن الذي هو الزبون، واشترى من غيره شدد على الناس شدد على الناس في مسألة الكيل والميزان، ويأخذ حقه كاملًا. لكن لو انعكست الآية، فأصبح هو البائع، وجاء الناس إليه، فبدأ في أن يكيل ويوزن، ماذا يفعل؟ يبخس، ينقص، ينقص الناس. فإذا وضع في الميزان وضعها، فإذا قال له الناس: أخي أتقل له؟ لا، اشتقل له، هذا الوزن لك يا أخي، لا، فيأخذ ويجادل وينقص، هذا إذا كان في الظاهر، أما إذا غش وغير هذا أمر آخر. فيقول علماء: أن هؤلاء هذا الصنف من المطففين جمع بين دائين عظيمين: بين داء الشح والبخل، الشح والبخل. فهو شحيح، بحيث إذا طالب بحقه طالبه كاملًا مكملًا من غير المسامحة، ما يسامح، إذا أدخل من أدخل خضرته على الميزان، قال: انتظر، وين الكفة يا أخي؟ نفض، نفض يا أخي، انظر في أشياء هذا، صفي، طفي المروحة، يعني لابد أن المروحة تبقى كما هي، هذا الشح يأخذ حقه كاملًا مكملًا مستوفى. وإذا الأمر الثاني: أخذ بالبخل، وهو أنه إذا أعطى الناس أنقص ما يعطيهم حقهم كاملًا، وإنما ينقص، ينقص في أمره. فهؤلاء جمعوا بين دائين عظيمين، وهو الشح والبخل، فدل على أن التطفيف يكون لك ويكون عليك، يكون لك ويكون عليك. والمسلم، إخواني في الله، ينبغي أن يعلم أنه في مقام الوزن، وفي بيع وشراء، أنه يتق الله، أنه يتق الله، كمقاربنا: ﴿وأوفوا الكيلة إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم﴾، إذا أنت أردت أن توزن، كن منصفًا، كن منصفًا في كيلة تكيل. بل جاءت في السنة ما هو أعظم من المكيال العادل: أنك تزيد، أنت توزن للناس زد، كما صح عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه مر على رجل وزان، قاله: «زن وأرجح»، ما في شيء: «زن وأرجح»، زد، عليك، لو أنت تضيف شيء كما يفعل بعض الباعة ممن هانت أنفسهم: يكسر الميزان، خذ هذه حبة من عندي، يكسر الميزان، وأنت ضع بعد ذلك الثمن الذي ترى مناسبًا حتى لا تخسر، ليس أنك تزيد للزبائن على حسب أنك تخسر في تجارتك، لا، أنت قصي عبد الله في بيعك وشرائك، ما يكون فيه عدم الظلم على هؤلاء، ولا هضم عليك، ولا هضم. «زن وأرجح» كما قال عليه الصلاة والسلام، توف الناس كيلهم كاملًا مكملًا، هذا الذي عليه الناس، وعليه أهل السماحة، عليه أهل السماحة. فالإنسان البائع في بيعه وشرائه ينبغي أن يتق الله جل وعلا، وللأسف إخواني في الله، في هذه المسائل، وفي هذه الأزمنة، رأينا الابتلاء وعدم المصداقية في تعامل الناس مع بعضهم البعض في مثل هذه المسألة، في مسألة المكيال والميزان. كم ظهرت لنا أنواع الغش: كالذي يتلاعب بميزانه، أو الذي يتلاعب بمكياله، ربما جعل المكيال في الظاهر له شكل معين، وبينما هو في داخله وفي جوانبه أضاف ماذا؟ طبقة، حتى تأخذ حيزًا من الجرم، حتى ما يعطي للناس إلا الناقص، الله السلامة والعافية. أو ذاك الذي يتلاعب بالميزان، سواء كان ميزان إلكتروني أو ميزان كما يقال: مثقالي ومعياري، يتلاعب فيه، ويتلاعب في كفة الميزان، وأشكال وألوان. وهل هذا النوع يقتصر على الميزان والمكيال؟ لا، يدخل، يدخل فيه كل ما يكون فيه نوع التعامل في البيع والشراء، مثاله: يدخل فيه في التطفيف، مثلًا: مثال ما نسمعه من تعبئة دباب الغاز، كما بلغنا عن بعض الدباب، لو ربما فيها ماء، قد عُبيت بالسوائل، تجدها ثقيلة من نفسها، فيأتي من يعبي، وما أخذت إلا جزء يسير من التعبئة؛ لأنها قد ملئت سلفًا بمياه وسوائل. أو كذلك يتلاعب بعدادات البترول، تجد أن محطة وتجد أن صارقة تلاعب بماذا؟ بتسعيرة وعداد البترول، وذاك يتلاعب بعداد الماء، وذاك يتلاعب بعداد الكهرباء، وهكذا، قس، التلاعب كله تطفيف، كله تطفيف. فأنت يا عبد الله عندما تبايع الناس اتق الله جل وعلا، فلا تبخس، فكما جاء في هذه الآية: ﴿ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون﴾، أنت إذا طالبت غيرك بحقك تقوم عليه، وإذا طالبك الناس بحقهم أنقصت وبخست. ثم تأتي فائدة أخيرة أختم بهذا المقام: أن هذه المسألة كما قال العلماء: التطفيف ليس خاصة أيضًا في مسألة البيع والشراء، بل هي عامة، تدخل حتى في تعاملنا في معاملاتنا في أخلاقنا، والذي مفاده: أيها يا عبد الله، أنك حين أن تطالب الناس بأن يؤدوا حقوقك، أنت هل أن تقوم بتأدية حقوقهم أصلا؟ لا، عندما تطالب الناس بحقهم تريد حقك كاملًا مكملًا، وبينما أنت إذا أردت أن تؤدي حق غيرك تنقص. وهذه مسألة عظيمة أشار إليها العلماء في كتبهم في كتب التفاسير، كالإمام السعدي وغيره، واحد، وهذا نافع في تعامل الجيران، أو تعامل الأزواج، أو تعامل الأولاد، كل يطالب أن يعطى حقه كاملًا المكمل، بخي، هل أنت أديت حقك الذي أنت مطالب به أصلا؟ أم أنك إذا أديت حق غيرك تنقص؟ وبعد ذلك تطالب بحقك، مثاله كما عليه في عالم التوظيف، تجد أن هذا الموظف، لربما يتكاسل في دوامه، يتكاسل في عمله، وفي شغل، أو ذاك العامل لا يتقن عمله، لكن إذا واجأ وقت الراتب، حساب وعقاب، حساب وعقاب، يريد حقه كاملًا مكملًا. فأنت ما أديت الذي عليك، عبد الله، لكن في غيرك تطالب بالحق، والعكس بالعكس، والعكس بالعكس، تجد أن الإدارة مثلًا تطالب العامل بأن يؤدي عمله كاملًا، فالعامل يؤدي من الصباح إلى المساء بإتقان وبإخلاص وتفاني. ثم إذا جئ الحساب، تجد من يكون عليه الشأن من إدارة وغيرها تتوانى، تتوانى في تأدية الحقوق، سبحان الله، تطلب من غيرك، ولا تطلب من نفسك، هذا التطفيف بعينه، هذا التطفيف بعينه. فالشاهد أن هذه الآية كما يقول العلماء: ما دركها كبيرة وطويلة وعظيمة؛ لأن الناس تفطن إليها، مفادها: كما أنك تطالب من غيرك أن يؤدي حقك، قم أنت بتأدية حق غيرك، وهذا بهذا تنتهي من عملية التطفيف. نقف إلى هذا الحد إلى هنا، والله تعالى أعلم، ونكمل ما تبقى بإذن الله في درس غد، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.