تفسير سورة المطففين من تفسير الجلالين 4

تفسير سورة المطففين من تفسير الجلالين 4

الدرس في تفسير سورة المطففين من تفسير الجلالين 4، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تفسير الآيات المتعلقة بكتاب الأبرار وعليون

يوضح تفسير الجلالين لسورة المطففين معنى كتاب الأبرار وعليون، حيث عليون هو مكان عال يحتفظ فيه بأعمال المؤمنين. يختلف العلماء في تحديد مكانه ولكن الراجح أنه في السماء السابعة.

وصف نعيم أهل الجنة وجزاءهم

يصف نعيم أهل الجنة حيث يتكئون على الأرائك ويتمتعون بالنظر إلى ملكهم، ومن أعظم نعيمهم رؤية الله سبحانه وتعالى. يظهر نعيمهم على وجوههم ويتمتعون برحيق خمر الجنة.

تفسير قوله تعالى حول خمر الجنة والتنافس في طاعة الله

تتحدث الآية عن نعيم أهل الجنة حيث يشربون من خمر الجنة الصافية، ومختومة بختم لا يفكه إلا هم. وتدعو الآية إلى التنافس في طاعة الله والمسارعة إلى نيل هذا النعيم.

التحفيز على العبادة والتنافس على الجنة

يُناقش أهمية التفكير في الجنة والنار كحافز للعبادة، ويشير إلى أن الله جعل الجنة تحفيزًا للعباد. يُستدل بقول الله تعالى ﴿وفي ذلك فليتنافس﴾ لبيان أهمية التنافس لنيل الجزاء.

  • 13 جمادى الأولى 1447هـ - 03/11/2025مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فمواصلة في تفسير الجلالين، ولا زلنا في سورة المطففين، قال المؤلف رحمه الله تعالى: عند قول الله جل في علاه ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنهم لصالوا الجحيم ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون﴾، قد مضى ذلك معنا، وأن مما يستفاد من قوله سبحانه وتعالى ﴿إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾، ما يكون من عقوبة الكافر أن الله عز وجل يحتجب عنه، وفي ذلك بشارة لأهل الإيمان، وأن الله عز وجل يتجلى لهم، وعلى هذا عقيدة أهل السنة والجماعة. ثم قال سبحانه: ﴿كلا﴾، قال حقًا، وقد أشرنا إلى الضابط فيما يظهر من صنيع المؤلف في معنى ﴿كلا﴾، تكون حقًا، و﴿كلا﴾ تكون أحيانًا كلمة زجر، قال: ﴿إن كتاب الأبرار﴾، أي كتاب أعمال المؤمنين الصادقين في إيمانهم، وهذا وكتاب الأبرار، الأبرار مأخوذ من البر، وهو الكثير للطاعة والعبادة، فإن أعمالهم محفوظة في كتاب، قال: ﴿لفي عليين﴾، قال: هو كتاب جامع لأعمال الخير من الملائكة ومؤمن الثقلين، وقيل: هو مكان في السماء السابعة تحت العرش. وما أدراك، أعلمك ما عليون، ما كتاب عليين؟ كتاب الأبرار، أي أعمال أهل البر وما يقومون به من خير، هذا كلهم مصطر في كتاب في عليين، وعليون على قول جماعة من المفسرين مأخوذ من العلو، وهذا فيه إشارة إلى أن هذا الكتاب الذي سطرت فيه أعمال الأبرار موجود في مكان عال، موجود في مكان عال، لفي عليين. ومن ثم اختلف العلماء في تحديد هذا المكان العالي أين هو؟ وقيل: إنه عالي بمعنى أنه في الجنة، وقيل: إنه عالي، أي أنه في سدرة المنتهى، وقيل: عالي بأنه على يمين عرش الرحمن، وقيل: عالي بأنه في السماء السابعة، فهذه أقوال مأثورة مبثوثة عن السلف رحمهم الله تعالى في تحديد مكان عليين أين هو؟ وكلها تشير إلى أنه في العلو تحديدًا. سمعتم الخلاف، وأكثر الأقوال وأقرب الأقوال للصواب - والله تعالى أعلم - أنها في السماء السابعة، والدليل على ذلك ما جاء في حديث البراء بن عازب الذي جاء في سنن أبي داود: أن روح المؤمن إذا قبضت، فإن الله عز وجل يقول للملائكة التي شيعت هذه الروح: اكتبوا كتاب عبدي في عليين في السماء السابعة. فهذه أقرب الأقوال للصواب، وما أدراك ما أعلمك ما عليون؟ أي ما كتاب عليين؟ هو كتاب مرقوم مختوم، قد مضى معنى أن هذه الآية قد جاء مثلها في سجين، وأنه كتاب مرقوم بمعنى مختوم، أي ختم عليه فلا يزاد ولا ينقص، فإن الله عز وجل قد علم بما كان وبما سيكون، وقد علم الله عز وجل من هم الكفار ومن سيصطلي النار، وهكذا قل في الجنة، فإن الله عز وجل قد علم ما كان وما سيكون، وقد علم ربنا جل وعلا من هم من عباده الأبرار ومن سيكون من سكان الجنان، فلا يزاد عليهم ولا ينقصون هذا في علم الله، وقد سطر ذلك في هذا الكتاب. قال: ﴿كتاب مرقوم﴾، مختوم يشهده المقربون من الملائكة؛ لأنه في العلو، وأيضًا جاء في حديث البراء السابق على أن الملائكة عندما تشيع روح المؤمن وتتصاعد به إلى السماء العلا، قال عليه الصلاة والسلام: «ثم يشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها»، وهناك سماء مقربون في كل سماء يشيعون الجنازة إلى العلو، قال: «ثم يشيعه من كل سماء - أي من الملائكة - مقربوها إلى السماء التي تليها»، فيشهده المقربون، أي من الملائكة. قال: ﴿إن الأبرار لفي نعيم﴾، في الجنة، وهذا جزاء أهل الجنة، قال: ﴿على الأرائك﴾، السرر في الحجال، الأرائك دائمًا تأتي كثيرًا في القرآن في بيان المكان الذي يجلس فيه أهل الجنة، والأرائك هي عبارة عن أسرة سرر، لكنها مزينة مزخرفة منقشة، ولها تسمى أريكة، تسمى أريكة، وليس فراش عادي أو سرير عادي، لا، سرير مزخرف. ما هذا يوجد في دنيا الناس؟ نعم، توجد، يعني يجعلون الأسرة، السقف يجعلون عليها قوائم ويجعلون عليها أبهاء ويجعلون عليها أشياء، فأهل الجنة لهم أرائك لا يعلم بها إلا الله عز وجل، ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، وهذه الأرائك جعلت لأهل الجنة عليها يتكئون، يتكئون، فهي عبارة عن سرر مزركشة مزخرفة مزينة. قال: ﴿على الأرائك ينظرون﴾، ما أعطوا من النعيم، أي أن أهل الجنة وهم متكئون على الأرائك، قال ربنا: ﴿ينظرون﴾، طيب هنا أين المعمول؟ ﴿ينظرون﴾ إلى ماذا؟ لم يحدد لنا، فقط ﴿ينظرون﴾، هنا لك يا عبد الله أن تسبح في خيالك، ولهذا قال العلماء: ﴿ما أعطوا من النعيم﴾، ما أعطوا، أنت يا عبد الله نعيمك لا تخطر على بالك، أن تتوقع أن جزاءك في الجنة عبارة عن شيء يسير هين، كحالك في الدنيا تعطى أرض واسعة تفرح بها، الجنة لك يا عبد الله، إذا كان بيتك فقط بيتك الذي تعيش فيه على مد البصر، هذا بيتك على مد البصر، شيء لا يخطر على بال، فما ظنك بالأراضي والعقارات التي تعطى لك؟ تعطى لك شيء مذهل. ولهذا الإنسان من عظيم ما يتنعم به أن يتنعم برؤية ملكه، يتكئ على أريكته ويرى ويرى ويرى ويرى ملكًا عظيمًا، هذا لك ليس لغيرك، هذا لك ليس لغيرك، هذا في حق من؟ ﴿إن الأبرار﴾، وهو الذي يأتي بالطاعات ويأتي بالعبادات، قال: ﴿ينظرون﴾، أي إلى الملك، ومن أهل العلم من قال هنا: ﴿ينظرون﴾ يكون النظر بمقابل ما يكون من حجب الكافر، فلما كان الكافر في عذابه أن الله احتجب عنه: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾، وهنا قال ربنا عن المؤمنين أنهم ﴿ينظرون﴾، قالوا: إذن يكون من نعيم أهل الجنة النظر إلى الله سبحانه، فهذا من أعظم النعيم رؤية الرب سبحانه وتعالى. قال: ﴿تعرف في وجوههم نظرة النعيم﴾، بهجة التنعم وحسنه، تعرف في وجوههم فقط سيم الوجوه، الوجه يعطيك الملامح للحياة التي أنت تعيشها، ولهذا أحيانًا الإنسان يتعرف على حالة شقاء إنسان ما من خلال وجهه، إذا رأيت إنسانًا مثلًا وهو شاحب الوجه وقد تجعدت أو تجعد جلده وأصبحت أعضاؤه وأعضاء وجهه في الزبول، حين تعرف يظهر عليك البؤس يظهر، مع أنك ما سمعت ولا شك إليك، لكن وجهه يعطيك أمارة على الحالة التي يعيشها من الشقاء، وهكذا وقل العكس بالعكس. فمن كان منعما مترفا في حياته عاش صحيحًا سليمًا آكلًا متنعمًا، فإن هذا الآن النعيم يظهر على وجهه من النظارة والنعيم ومن نعومة الجلد، فهكذا هم أهل الجنة: ﴿تعرف في وجوههم نظرة النعيم﴾، من عظيم ما وجدوه من نعيم يظهر ذلك في وجوههم، فما ظنك بالنعيم الذي عايشوه؟ فهو أعظم وأعظم. قال رحمه الله تعالى في قوله: ﴿يسقون من رحيق﴾، قال: خمر خالص من الدنس، يسقون من رحيق، وقد صح عن عبد الله بن عباس وعن عبد الله بن مسعود وبعض السلف كمجاهد والحسن وقتادة، الحسن البصري على أن هنا رحيق أنه اسم من أسماء خمر الجنة، الرحيق هنا بمعنى خمر من خمر الجنة. يسقون من رحيق، قال: خمر خالصة، من أين جاء اسم الخمر؟ لأن هذا قد أثر عن السلف على أن الرحيق هو اسم للخمر في الجنة، وفي قوله تعالى: ﴿يسقون﴾، دل على أن هناك أحد يسقيهم، وهذا الذي يكون في الجنة؛ لأنك تسقي نفسك بنفسك، لا، يا عبد الله، من كرامة له أن الله عز وجل يوكل عليك خدم، وهم الولدان المخلدون، يطوف عليهم ولدان المخلدون. أنت يا عبد الله في أعلى عليين لا نظير لها، تعطى ما شئت، ومع ذلك تخدم هناك خدم يخدمونك ويكون بجنبك ويسقونك الشراب الذي أنت تريده، فقال سبحانه: ﴿يسقون من رحيق﴾، قال: خمر خالصة من الدنس، ومنهم من عبر بأن الرحيق هي الخمر الصافية، خمر بيضاء صافية، قيل هذا، وقيل كما أشار المؤلف: خالصة من الدنس، أي ليس فيها ذهاب للعقل وليس فيها سكر، بل فيها لذة للشاربين. قال: ﴿مختوم﴾، قال: على إنائها، فلا يفك ختمه إلا هم، فلا يفك ختمه إلا هم، أي أن هذا الشراب هو الرحيق المختوم، أي أنه مغلق عليه بختم، بختم مختوم، بحيث ما أحد يفك هذا الختم إلا من؟ إلا أنت يا صاحب الشأن، ما تسبق إليه، هذا خاص لك، قوارير أو آواني مغلقة محكمة، تأتي أنت يا عبد الله وتفك هذا الختم فتتناوله. قال: ﴿مختوم﴾، قال: على إنائها، لا يفك ختمه إلا هم، قال: ﴿ختامه مسك﴾، أي آخر شربة تفوح منه رائحة المسك، ختامه مسك، هنا على أقوال في بيان هذا الشراب الذي يشرب منه أهل الجنة، ختامه مسك، القول الأول الذي أشار إليه المؤلف رحمه الله تعالى: أن آخر شربة منه تفوح منه المسك، ختامه أي ختامه، أي أنك تشرب من هذا الإناء، فآخر ما يكون من شربه مسك، مسك تشرب منه، ومع ذلك تفوح منك هذه الريح الطيبة. تعلمون من؟ ولا يكاد أحد قد التمس ريح المسك في هذه الدنيا، فضلًا عن الآخرة، فهو من أطيب الطيب، المسك من أطيب الطيب، هذا الطيب يجعل - على قول مؤلف رحمه الله تعالى - في ختام الرحيق، في ختامه، عندما تنتهي من شربه تلاقي هذه الطبقة، فإذا يخرج منك بعد ذلك الريح الطيب العطرة، هذا بخلاف ماذا؟ بخلاف ما يكون من خمر الدنيا، خمر الدنيا نتنة المطعم، نتنة الريح. وأنتم تعلمون أن من يصنعها يصنع من العفن، قد رأينا بعض هؤلاء للأسف ممن يتعاطى الخمور ويقوم بصنعها يبحث عن المتعفن من الفاكهة ومن العنب ويصنع منها هذه الخمر النتنة الخبيثة، تنتم منها الرائحة القذرة، أما الجنة فلا، يعبد الله، فما تعبق منها ومن شاربها إلا الريح الطيب. هذا المعنى الأول: ﴿ختامه مسك﴾، أي أن في خاتمته ريح مسك، والمعنى الثاني: ﴿ختامه مسك﴾، أي أن هذا الشراب الرحيق وهو الخمر مخلوط بمسك، مخلوط بمسك، وهذا نقل عن بعض الصحابة عن بعض التابعين، المعنى الثالث في معنى ﴿ختامه مسك﴾، أي أن قفله المختوم قفله المقفول من مادة المسك، قفله المقفول من مادة المسك. فـ﴿ختامه مسك﴾ على ثلاثة أقوال، القول الأول: أنه آخر شربة، أي ﴿ختامه مسك﴾، أو أنه ممزوج بالمسك، أو أنه غطي بالمسك، غطي بالمسك، وفي كل قول من الأقوال قد جاءت به بعض التفاسير عن سلفنا الصالح، قد استشهدوا، وقد ذكر هذه الأقوال الإمام الطبري رحمه الله تعالى في تفسيره، ورجح بعد ذلك رحمه الله تعالى بأن المقصود هاهنا أن آخر شربة منه شربة منه مسك، هذا الذي رجحه، واستدل على أقوال من اللغة العربية، وكل ذلك فضل فضل وإحسان من رب العباد لأهل الإيمان. ثم قال سبحانه: ﴿وفي ذلك فليتنافس المتنافسون﴾، أي فليرغبوا في المبادرة إلى طاعة الله، أي إلى هذه الفضل ولهذا الإحسان ولهذا الشراب وما كان من نعيمه، هذا الذي يستحق الإنسان أن يتنافس، والتنافس هو السباق إلى حد النفس، هذا التنافس لا كلل ولا ملل، وإنما جد واجتهد يا عبد الله، كما قال العلماء: التنافس هو السباق إلى حد النفس، وقيل: التنافس من النفيس، وهي الذي تبذله النفوس لكي تناله، إن كان من بذل، إن كان من جود، فاجعله يا عبد الله إلى هذا الخير والعطاء الذي أعده الله لأهل الجنة. والشاهد في هذه الآية أختم به المجلس: ﴿وفي ذلك فليتنافس المتنافسون﴾، أن الله لما ذكر شيئًا من نعيم الجنة، قال: ﴿وفي ذلك﴾، أي في هذا النعيم تنافس، وفي هذا رد على بعض من يزعم أنه من المدرسة المتصوفة ممن يأتي بهذا القول الذي يقول: «ربنا أو اللهم إني ما عبدتك خوفًا من نارك ولا طمعًا في جنتك»، وهذا غلط، هذا بعض الناس من أهل العبادة والنسك والتصوف يرى أنه ما يفكر لا في الجنة ولا يفكر في النار، وإن يعبد الله لأجل الله، لا، يا عبد الله، ولماذا الله جعل الجنة؟ ذلك تحفيزًا لنا. كهذه الآية لما ذكر ربنا صفات وصفات النعيم لأهل الجنة، قال: ﴿وفي ذلك فليتنافس﴾، أي تنافس يا عبد الله لنيل هذا الجزاء، فينبغي للإنسان أن يتنافس إلى الجنة طمعًا فيها وخوفًا من نار الله. أكتفي بهذا القدر، وإن شاء الله في يوم غد نواصل الحديث عما بقي من الآيات لهذه السورة الكريمة. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.