الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 62، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يوضح الشيخ السعدي أن النصر لا يأتي بالاعتماد على الأسباب وحدها بل بالتوكل على الله مع الأخذ بالأسباب الشرعية والقدرية، مستشهداً بآيات بدر وحنين وفتح دمشق حيث غلب قلة المؤمنين جيوشاً كثيرة بتأييد إلهي. ويؤكد أن التوكل الحقيقي ليس ترك السعي بل السعي بالأسباب مع تفويض الأمر لله.
في غزوة حنين أعجب بعض المسلمين بكثرتهم فغفلوا عن التوكل، فباغتهم العدو فولوا مدبرين إلا النبي صلى الله عليه وسلم وقلة من الصحابة، فنادى العباس أهل بيعة الرضوان فهبوا ونصرهم الله. والعبرة أن النصر يتحقق بتوكل القلب على الله مع الأخذ بالأسباب لا بمجرد الكثرة.
يفسر المقطع أن النصر في القرآن ليس مقتصراً على قتل الأعداء بل يتحقق أيضاً بخيبتهم وعودتهم خائبين دون نيل مرادهم، كما في قوله تعالى ﴿ لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُوا خَائِبِينَ ﴾. وبذلك يكون الخذلان هو عجز الكافرين عن تحقيق أهدافهم وانقلابهم خائبين.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ ۚ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُوا خَائِبِينَ ﴾. قال رحمه الله: وفي هذا أن الأسباب لا يعتمد عليها العبد، بل يعتمد على الله، وإنما الأسباب وتوفرها فيها طمأنينة للقلوب وثبات على الخير. فلهذا الله عز وجل نصرهم وأمدهم بألف من الملائكة، ثم وعدهم بثلاثة آلاف، ثم قال: ﴿ بَلَىٰ إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَٰذَا يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ﴾، سيماهم عليهم علامة الشجعان. ثم قال الله عز وجل: ﴿ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ ﴾، حتى تطمئن القلوب وأن الله عز وجل معه، ﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾. فهذا كما قال الشيخ: أن الأسباب لا يعتمد عليها، وإن كان الأسباب يأخذ بها، ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾، ليس أن المراد أن العبد يدخل بلا قوة، عنده قوة وعنده كذلك إعداد، لكن أيضًا ينبغي أن يوكل أمره إلى الله، أي المسلم يوكل أمره إلى الله جل وعلا، وأن الله عز وجل سينصره مادام أنه ينصر الله. فهذا أيضًا من الظفر الحسن، ومن الاعتماد على الله عز وجل. فقال: ﴿ مَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾. فلهذا لا ينبغي للإنسان أن يعتمد على الأسباب فقط، بل الاعتماد على الله عز وجل أعظم، حتى لو ترتب ولو عنده القوة، فإنه لا يعتمد على قوة، وإنما يعتمد على المدد والعون من الله جل وعلا. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُنزَلِينَ * بَلَىٰ إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَٰذَا يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ ۚ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُوا خَائِبِينَ ﴾. وقال الله عز وجل: ﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾. فهؤلاء في حنين خرج جيش عظيم مكون من اثني عشر ألفًا أو نحوه، وجيش الكفار كان قليلا من هوازن ومن غطفان، وبعضهم أيضًا من ثقيف، اجتمعوا عند ما يُقال له أوطاس، وكان على هؤلاء عمر بن مالك النكري. فكانوا -أي هؤلاء الكفار- قد تحصنوا أو تمركزوا في الجبال، وعدوا خطة للرمي، أنه لو جاء أهل الإسلام يرمونهم رمية واحدة. فلما توسط النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه ومن كان معه في حنين، وكان بعضهم يقول: «لن نغلب اليوم من قلة»، أنا الآن نحن كثير، كل مرة نحن قليل، لكن المرة هذه كثير. اغتروا بكثرتهم، وكأنهم اعتمدوا على الكثرة، وهذا الجيش الكبير الذي هزم من كان يعد من قادة العرب وهم قريش، فهزموهم. فلهذا حصل شيء من الغرور لبعضهم، وليس كل الجيش، فلهذا هذا أثر على الجيش. فقال الله عز وجل: ﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ ﴾. هذا الإعجاب الذي حصل من بعضهم عندما قالوا: «لن نهزم اليوم من قلة». فهذا الذي حصل، لما التقوا، التقوا مع هؤلاء الكفار، ضربوهم بضربة واحدة السهام، فما دروا إلا السهام فوقهم، حتى أن بعضهم رجع، بل بعضهم أيضًا حول خيله كأنه يولي الأدبار من كثرة السهام التي جاءتهم من كل مكان. فلم يبق إلا النبي عليه الصلاة والسلام ومعه نفر يسير، وكان معه العباس، ومعه الصديق، وعمر، وغيرهم من الصحابة. فقال النبي عليه الصلاة والسلام، وكان يتقدم: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب». وكان يقول للعباس: «يا عباس، نادي لأهل السمرة، لأهل الشجرة الذين بايعوا عند الشجرة». فنادى العباس، فقال: فكأنها، كأنهم أطفال حنوا لأمهاتهم، وكذا إذا لما سمعوا صوت العباس ينادي لأهل الشجرة، قالوا: «لبيك»، وجاءوا من كل مكان. وهكذا حتى اجتمع الصحابة رضي الله عنهم، ونصرهم الله جل وعلا. فلهذا فالاعتماد على الله عز وجل هو أعظم ما يكون في مثل هذه المواجهات، بل حتى في خاصة العبد في شؤونه، فإنه يعتمد على الله عز وجل، وتوكل على الله، فالله عز وجل يسر له أموره، وأيضًا يفتح له الأبواب. لا ينبغي له أن يعتمد على الأسباب كليًا، وكأنه ليس مرتبط بالله عز وجل، فتجده دائمًا يفكر في الأسباب أكثر من تفكيره في التوكل على الله عز وجل وارتباطه بالله. وليس معنى هذا أن الإنسان يترك الأسباب، لا يأخذ بالأسباب، لكن أكثر اعتماده على الله وعلى التوكل على الله عز وجل، ولا يركن، أو لا يترك الأسباب، فإن ترك الأسباب خدش في الاعتقاد، كما ذكرنا قبل، كما هو كلام شيخ الإسلام. ولهذا هناك ناس ظنوا أن الرزق يأتيهم بدون عمل، كما كان يظن الصوفية، أو بعض أهل التصوف، يظنون أن الرزق يأتيهم بدون سعي، وبدون كد، وبدون استسعاء إلى هذا الشيء، فيجلس أحدهم في زاويته، أو يجلس في مسجده، ويريد هذا المال يأتيه وهو في ذلك المكان، أو بعضهم حتى يذهب إلى الحج ولا يأخذ زادًا، ولا يأخذ مالًا، ولا يأخذ كذا، فبعد ذلك يسأل الناس هناك. هذا كله من الخطأ، وهو عدم الأخذ بالأسباب، أو من ترك الأسباب. بل يأخذ الإنسان بالأسباب الشرعية أو القدرية التي عرفت بالتجربة، ويعتمد على الله عز وجل، فهو الذي مسبب الأسباب سبحانه وتعالى. فلهذا فالتوكل وسط، فالله عز وجل يبين للمؤمنين أن هذا بشرى واطمئنان لقلوبهم، وأيضًا يبين لهم أن النصر من الله عز وجل ليس من غيره. فليس الاعتماد على الأسباب، وليس الاعتماد على القوة، وليس الاعتماد على شيء من هذه الأمور. وأيضًا كذلك العكس، العكس أيضًا أن الإنسان لا يضع في نفسه أن سبب النصر هو كثرة العدد، من الكفار أو سبب الهزيمة، وأنه سيهزم إذا واجه الكفار، أو كذلك في الأمور الخاصة، فتجده ينظر إلى ما يكون من أسباب عند العدو أو عند من يواجه. فلهذا فمثل هذا أيضًا من الخطأ، بل يعلم ويعتقد أن التأييد من الله، وأن الله عز وجل قادر على كل شيء، وأنه مهما تهيأت للعدو الفرص، ومهما تهيأت أيضًا كذلك للعدو الأسباب، فإنه قد يغلب، كما قال الله عز وجل: ﴿ كَمْ مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾. فلهذا فربنا جل وعلا ينصر من يشاء من عباده. وأيضًا كذلك من تأمل في التاريخ ونظر في قصص الصحابة في فتوحاتهم يجد العجب العجاب، يجد أنهم كانوا قليلين، قليلا جدا. في فتح دمشق -على الروايات التي ذكرت- كان عدد أهل الإسلام ستة آلاف، وأما عدد جيش الروم فهو كثير جدا، فقد اجتمعوا من كل مكان، جاء في بعض الروايات أنهم تسعون ألفًا، وجاء أقل من هذا، وجاء أكثر. فالعدد ليس بينهما تقارب، لكن أهل الإسلام كانوا اعتمادهم على الله عز وجل، ﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ ﴾، فنصرهم الله عز وجل على هذه الجيوش، وأدخل الله عز وجل الرعب في قلوبهم، بل في قلوب كثير من شجعانهم الذين يعد الرجل منهم بمئة رجل، لكن أدخل الله عز وجل الخوف في قلوبهم والرعب، فهزموا بإذن الله جل وعلا. قال الله عز وجل: ﴿ لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُوا خَائِبِينَ ﴾. قال: أي نصر الله العباد المؤمنين لا يعدو أن يكون قطعا لطرف من الكفار، أو ينقلب بغيظهم لم ينالوا خيرا، كما أرجعهم يوم الخندق بعدما كانوا قد أتوا على أهبة قادرين، أرجعهم الله بغيظهم خائبين. والمراد أنه ليس النصر فقط أنهم يقتلون، ليس النصر أنهم يقتل منهم أو يقتل جميعهم، لا، قد يكون النصر بالخيبة ورجوعهم وخسارتهم، معناهم أنهم لم ينالوا خيرا، ولم أيضًا ينالوا ما أرادوا والذي كانوا يتوهمونه. هذا أيضًا خذلان وهزيمة، وهذا أيضًا خذلان وهزيمة. فهذا معنى قول الله جل وعلا: ﴿ لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُوا خَائِبِينَ ﴾، أي فينقلبوا غير قادرين، بل خابوا بسبب أنهم لم ينالوا ما أرادوا. فهذا ما يذكر الله تعالى علمه ترجمة نانسي قنقر