الصحيح المسند من أسباب النزول  56

الصحيح المسند من أسباب النزول 56

الدرس في الصحيح المسند من أسباب النزول 56، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

سبب نزول الآيتين 56-57 وعبادة الجن

يشرح المقطع سبب نزول الآيتين المتعلقتين بعبادة الجن حيث أسلم الجن وبقي الإنس على عبادتهم، مبيناً أن العبادة أوسع من الصلاة لتشمل الذبح لغير الله والاستعاذة بالجن. ويحذر من بقاء مظاهر الشرك في عادات الناس كذبح الذبائح عند بناء البيوت أو زفاف العروس.

الرد على شبهات عباد القبور والتوسل

يبين المقطع أن المؤمن يسير إلى الله بين الخوف والرجاء، ويرد على شبهة حصر الشرك في عبادة الأصنام موضحاً أن الشرك يتحقق بتوجيه أي عبادة لغير الله. ويفرق بين التوسل المشروع بالأعمال الصالحة وأسماء الله الحسنى، والتوسل الممنوع بالأنبياء والصالحين الذي هو شرك أو بدعة.

سبب نزول آية وما منعنا أن نرسل بالآيات

يسرد المقطع سبب نزول الآية عندما طلبت قريش تحويل الصفا ذهباً وإزالة الجبال، فخير الله نبيه بين إجابة طلبهم مع تعجيل العذاب أو إنظارهم فاختار الإنظار رحمة. وتوضح الآية أن الله لا يمتنع عن إرسال الآيات عجزاً بل لأن الأمم السابقة كذبتها فاستحقت العقوبة كما حدث مع ثمود.

رحمة الله والنبي ﷺ بالأمة

يؤكد المقطع أن بعثة النبي محمد ﷺ تجسيد لرحمة الله بأمة الدعوة وأمة الإجابة مستشهداً بالآية الكريمة التي تصف حرصه ورأفته بالمؤمنين. ويختتم بالتأكيد على أن هذا المقطع يكفي بياناً لتلك الرحمة الواسعة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه "الصحيح المسند من أسباب النزول": سورة الإسراء، سبب نزول قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ ۖ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾. قال الإمام مسلم رحمه الله تعالى: حدثني أبو بكر بن نافع العبدي، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي معمر، عن عبد الله، في قوله: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾، قال: كان نفر من الإنس يعبدون نفراً من الجن، فأسلم النفر من الجن، واستمسك الإنس بعبادتهم، فنزلت: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾. ثم ساقه من طريق أخرى إلى ابن مسعود، وفيه: فأسلم الجن، والإنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون، فنزلت الآية. قال: الحديث أخرجه البخاري، لكن ليس فيه التصريح بالنزول، يعني ما فيه "ثم نزلت" أو "نزلت"، وإنما فيه أن نفراً من الإنس كانوا يعبدون نفراً من الجن، دون ذكر سبب نزول. قال: وهو في البخاري في التفسير، وأخرجه ابن جرير، وأخرجه الحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم، وسكت عليه الذهبي. وفيه: فأنزل عز وجل ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ﴾، وذكر الآيتين إلى قوله: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ﴾. ومعنى هذا الحديث: أن المشركين كانت لهم آلهة متعددة، فمنهم من يعبد الأصنام، ومنهم من يعبد الأشجار، ومنهم من يعبد الملائكة، ومنهم من يعبد الجن، ومنهم من يعبد كذلك الأنبياء ونحو ذلك. ومن هؤلاء نفر كانوا يعبدون الجن، فأسلم هؤلاء الجن لما بعث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإنهم كانوا يستمعون لدعوته، كما جاء ذلك في سورة الجن، وكذلك في سورة الأحقاف: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ﴾. وهكذا في سورة الجن: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ الآيات. فهؤلاء الجن لما سمعوا الوحي والقرآن من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أسلموا، فبقي الإنس الذين كانوا يعبدونهم لا يزالون على عبادة هؤلاء الجن. وهذا ذكر أيضاً في سورة الجن، قال الله عز وجل: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾. ما معنى "يعوذون"؟ يعوذون يعني من الاستعاذة، فكانوا إذا نزلوا وادياً قالوا: "نعوذ بعظيم هذا الوادي" أو "بعظماء هذا الوادي من الجن"، فكانوا يعوذون بالجن، والاستعاذة لا تكون إلا بالله سبحانه وتعالى وحده، لا يجوز بغير الله. والاستعاذة يعني من العوذ، وهو طلب النجاة من المرهوب، طلب النجاة من المرهوب بالالتجاء إليه. وهذا معنى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، يعني ألجأ وأعتصم برب الناس. فهذا الحديث الذي ذكرته يبين معنى العبادة، فقد تكون بالاستعاذة، وقد تكون بالتعظيم، تعظيم الجن، وذلك بالتقرب إليهم بالذبح، كما هو شأن بعض الناس اليوم. اليوم بعض الناس يشركون بالله عز وجل بعبادتهم الجن، كيف هذا؟ إذا بنا بيتاً وانتهى منه، يذبح على ركن البيت ذبيحة، يذبح ذبيحة، لماذا هذه الذبيحة؟ ولماذا خصها في ركن البيت؟ هذا تقرب إلى من؟ إلى الجن، حتى لا يؤذوا أهل البيت. والذبح لا يجوز لغير الله، بل لعن النبي عليه الصلاة والسلام من ذبح لغير الله. وهؤلاء يذبحون للجن خوفاً منهم، والخوف عبادة، هذا من عبادة السر، الذبح للجن هذا من عبادة ماذا؟ السر، وهو خوف السر الذي يسميه العلماء خوف السر، وهو شرك بالله سبحانه وتعالى. هذا من عبادة الجن، ومن عبادة الجن أيضاً: لما تزف العروس إلى بيت زوجها، يذبحون على عتبة الباب قبل أن تدخل. هذا عادات موجودة إلى فترة، يعني ليست الطويلة في هذه البلاد، فضل عن غيرها من البلاد، ولعل بعض الناس إلى يومنا هذا يفعل ذلك، إلى يومنا هذا يفعل ذلك، يذبح عند دخول العروس على عتبة الباب، ولا شك أنهم يعتقدون أن الجن يبتعدون عن هذا البيت، أو عن أذية العروسين، أو نحو ذلك. وهذا أيضاً من الشرك بالله سبحانه وتعالى. وكذلك كان أهل الجاهلية يعبدون الجن، سواء كان بالذبح لهم، أو بخوف السر، أو بالاستعاذة منهم. فالحديث هنا أتى عاماً: "كان نفر من الإنس يعبدون"، لا يشترط في العبادة، بارك الله فيكم، أن تكون الصلاة هي فرد من أفراد العبادة. فالعبادة كما عرفها شيخ الإسلام في "المتيمية" - يقصد "الفتاوى" أو "العبودية" -: كل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. فالظاهرة: مثل الصلاة، مثل قراءة القرآن، مثل كذلك الحج، العمرة، شيء ظاهر. والباطنة: أعمال القلب، مثل الخوف، والرجاء، والتوكل، ونحو ذلك. فهذه أيضاً من العبادات. بعض الناس لما تقول له: لا تشرك بالله، يقول لك: هل رأيتني أصلي لغير الله؟ حصر العبادة في الصلاة، هذا مفهوم قاصر، هذا مفهوم قاصر. العبادة أشمل من ذلك، العبادة أشمل من ذلك، فتشمل كل عبادة ظاهرة أو باطنة. فكانوا يعبدون نفراً من الجن، فأسلم النفر من الجن، واستمسك الإنس بعبادتهم، استمروا على عبادة الجن، وقد أصبح الجن مسلمين. وهذا معنى الآية: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ﴾، من الأصنام، من الأحجار، من الأشجار، من الجن، من الملائكة، من كل معبود من دون الله، ادعوا هؤلاء، ﴿فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾، أولئك الذين يدعون، يعني أولئك الذين يدعونهم هؤلاء المشركون، من الأنبياء أو الجن الذين أسلموا. وهذه الآية مطابقة للحديث، هذه الآية مطابقة للحديث، فيكون المعنى: أولئك الذين يدعون، يعني أولئك الذين تدعونهم من الجن الذين أسلموا، يبتغون إلى ربهم الوسيلة، يطلبون إلى ربهم الوسيلة، أي القربة. الوسيلة هنا بمعنى القربة. هؤلاء هم الذين يتقربون إلى الله بالتوحيد وبالأعمال الصالحة، ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾، يتنافسون ويجتهدون في التقرب إلى الله حتى يكون أحدهم أقرب من غيره بالأعمال الصالحة. أولئك الذين يدعون، أي تدعونهم، يبتغون إلى ربهم الوسيلة، أيهم أقرب، ويرجون رحمته، يرجون رحمة الله، ويخافون عذابه. فبالرجاء يجتهد السالف والمتقرب إلى الله في الطاعات، لأنه يرجو رحمة الله، يرجو جنة الله، يرجو ثواب الله، ويخافون عذابه، فبالخوف ينزجر المتقرب عن المعاصي والمخالفات. ولذلك المؤمن يكون في سيره إلى الله بين الخوف والرجاء، فيجعلهم كجناحي الطائر، لا يغلب أحدهما على الآخر، لا يغلب أحدهما على الآخر، فهو بين الخوف والرجاء. فبالرجاء يجتهد في عمل الطاعات والقربات، وبالخوف ينزجر عن المعاصي والمحرمات. فالآية تنكر على هؤلاء الذين يتقربون إلى غير الله، فالله عز وجل يقول لهم: أولئك الذين أنتم تتقربون إليهم، هؤلاء هم الذين يتقربون إلى الله، ويطلبون الوسيلة، أي القربة من الله، وهم الذين يخافون الله ويرجون الله، فكيف تعبدونهم؟ كيف تعبدون من هو محتاج إلى غيره، من هو يعبد غيره؟ فلماذا لا تكونون مثلهم؟ ولماذا تصرفون لهم العبادة وهم مفتقرون إلى غيرهم؟ فالآية واضحة وبينة في مطابقتها لهذا الحديث الذي هو سبب نزول هذه الآية، والشاهد منها واضح: أولئك الذين يدعون، يعني تدعونهم، كهؤلاء الجن الذين أسلموا، يبتغون إلى ربهم الوسيلة، يطلبون القرب من الله سبحانه وتعالى بفعل الطاعات وترك المحرمات. وهذا الحديث فيه فوائد أخرى، منها: الرد على عباد القبور الذين يحصرون الشرك في عبادة الأصنام. الآن هؤلاء عندهم شبهة، عباد القبور، إذا استدللت عليهم بآية من القرآن على بطلان شركهم بالأولياء والصالحين، ماذا يرد عليك؟ يقول لك: هذه الآية نزلت في قريش، وقريش كانوا يعبدون ماذا؟ الأصنام. كيف نحن؟ ما نعبد الأصنام، نحن نعبد أناساً، أناساً صالحين، فكيف تنزل علينا آيات المشركين؟ كيف تنزل علينا آيات المشركين؟ فماذا يجاب عنهم؟ عليهم، فماذا يجاب عن هذه الشبهة؟ يقال لهم: لا نسلم لكم أن جميع مشركي العرب كانوا يعبدون الأصنام، لا نسلم لكم بذلك، فإن من مشركي العرب من كان يعبد الصالحين مثلكم، وهذا له دليل حتى من القرآن. فمن العرب من كان يعبد الملائكة، ومن العرب من كان يعبد الصالحين، كالقراءة التي في سورة النجم: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ﴾، فرأيتم اللات والعزى، بالتشديد: "اللات"، فعلى هذه القراءة أن اللات كان رجلاً صالحاً، يلد السويق للحجاج، يلد السويق يعني يقدم هذا السويق للحجاج ويخدم، ويخدم الحجاج، فلما مات عكفوا على قبره. ما معنى عكفوا على قبره؟ عبدوه من دون الله، كفعل عباد القبور في هذا الزمان، من زعموا أنه ولي، جعلوا، جعلوا، جعلوا له قبة وضريح، وعكفوا على قبره، عكفوا على قبره. واضح. فيُرد عليهم أولاً بهذا. ثانياً: يقال لهم، على فرضية أن المشركين كانوا يعبدون الأصنام، فيقال: العبرة بما يتوجه به هذا العابد من الخوف والرجاء، وطلب قضاء الحاجات، وكشف الكربات. فالعلّة واحدة، المشركون قالوا ماذا؟ ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، هذه هي ماذا؟ هذه هي الحكمة والغاية عند هؤلاء من عبادة غير الله، سواء كان هذا المعبود صنماً أو حجراً أو شجراً أو قبراً أو ملكاً أو نبياً أو رجلاً صالحاً. العبرة بما في القلوب. فالمشركون الذين يعبدون الأصنام ماذا يقولون؟ ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. وهؤلاء الآن ماذا يقولون؟ عبادة القبور، يقولون: ما نعبدهم إلا من أجل أن يقربون إلى الله، نحن المذنبون، نحن المقصرون، نحن الغارقون في المعاصي والذنوب، وهؤلاء الأولياء أهل ولاية الله، هم قريبون من الله، فبقربهم من الله نطلب منهم الشفاعة، أن يشفعوا لنا ليقربون إلى الله. أليس هو نفس قول المشركين؟ فالشرك هو ما يقع في القلوب، سواء كان هذا المعبود صنماً أو حجراً أو مدراً أو ولياً، أو حتى يعني طيراً أو شجرة صغيرة، كل ما يتوجه إليه بالخوف والرجاء والمحبة والعبادة، فهذا يكون شركاً، هذا يكون شركاً. فما تدري كيف انطلت هذه الشبهة على هؤلاء، وصدق الله عز وجل: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾، فلما وقعت، أو لما وقعت الفتنة في قلوبهم، انحرفوا هذا الانحراف، ووقعوا في هذا الشرك، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وليست هذه الآية فيها، وليست هذه الآية فيها دليل على ما يذهبون إليه من جواز التوسل بغير الله. قالوا: انظروا، الله عز وجل يقول: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾، إذن نحن نتخذ هؤلاء المقبورين وسيلة. ويستدلون أيضاً بقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾، فقال الله عز وجل: هو الذي يأمرنا بأن نتخذ الوسيلة التي تقربنا إليه، فيفسرون الوسيلة بماذا؟ باتخاذ الأنداد والأولياء واسطة بينهم وبين الله، ويسمون ذلك وسيلة. لا، الوسيلة كما تقدم تنقسم إلى قسمين: وسيلة مشروعة يتقرب بها إلى الله، ووسيلة ممنوعة هي بين الشرك وبين البدعة. فأما الوسيلة المشروعة فهو التوسل بالأعمال الصالحة، بالتوحيد، بالصلاة، بالذكر، بالدعاء، ببر الوالدين، هذا توسل مشروع. ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾، توسلوا بإيمانهم إلى الله. فأنت لما تؤدي الواجبات تتوسل إلى الله بهذه الواجبات وتتقرب إليه، فإذا كان العمل واجباً تقربت إلى الله بواجب، وإذا كان العمل نافلة وسنة تقربت إلى الله بهذه النافلة والسنة. فقد يكون التقرب بواجب، وقد يكون التقرب بسنة، وأيضاً قد يكون التقرب إلى الله بترك المحرمات. فهذا هو التوسل المشروع، هذا هو التوسل المشروع بالعمل الصالح، بالدعاء، بالدعاء، وكذلك الأسماء الحسنى، تتوسل إلى الله كما قال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾، فهذا هو التوسل المشروع. أما التوسل الممنوع فمنه ما هو شرك، كالتوسل بالأنبياء والصالحين والمقبورين، واتخاذهم أنداداً من دون الله وشفعاء. هذا هذا من الشرك، كما في هذه الآية: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ لَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾. وكما قال الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ * إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾. وكما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، فأنكر الله عليهم، وعد ذلك كفراً وشركاً به سبحانه وتعالى، والآيات في هذا كثيرة. فهذا من التوسل الممنوع الذي هو شرك بالله سبحانه وتعالى. ومن التوسل الممنوع بدعة، كالتوسل بجاه النبي، هذا أيضاً لا يجوز، محرم، هو من البدعة. "توسل إليك بجاه نبيك"، هذا لا يجوز. وما يفعله المشركون وعباد القبور أيضاً، التوسل بالنبي أو بجاه النبي، هذا أيضاً لا يجوز. فنفرق بين التوسل المشروع وبين التوسل الممنوع. ثم قال شيخنا رحمه الله تعالى: سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَن نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَلَقَدْ آتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾. قال شيخنا رحمه الله تعالى: قال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا عثمان بن محمد، قال: عبد الله، وسمعته أنا منه، حدثنا جرير، قال: حدثنا جرير، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهباً، وأن ينحي الجبال عنهم فيزرعون، عندكم "فيزرعون" أو "فيزرعون"، طيب هي بمعنى يزرعون، قال: فيزرعون. فقيل له: إن شئت أن تستأني بهم، وإن شئت أن تؤتيهم الذي سألوا، فإن كفروا هلكوا، أو أهلكوا، عندكم "أهلكوا" أو "هلكوا"، طيب، فإن كفروا أهلكوا كما أهلكت من قبلهم. قال: أي النبي صلى الله عليه عليه وسلم، لا بل أستأني، بل أستأني بهم. فأنزل الله عز وجل هذه الآية: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَن نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَلَقَدْ آتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا﴾. قال: الحديث عزاه الحافظ ابن كثير في "البداية" إلى النسائي، وقال: إن سنده جيد. وأخرجه ابن جرير، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وسكت عليه الذهبي. وقال الهيثمي في "المجمع": رجاله رجال الصحيح. الحديث ثابت إن شاء الله تعالى. ومعنى هذا الحديث كما تعلمون: أن كفار قريش كانوا أهل جدل وأهل عناد وكبر، فلما دعاهم النبي عليه الصلاة والسلام إلى الإيمان، أتوا بمطالب يزعمون أنها إذا حققت هذه المطالب سيجعلون يسلمون، ويدخلون في دين الله. وهذا كما جاء في القرآن: ﴿وَقَالُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾. هذا كل من طلبات أو من مطالب الكفار، بزعمهم أنهم لم يؤمنوا حتى تتحقق لهم هذه المطالب، حتى تتحقق لهم هذه المطالب. ومن ذلك ما جاء في هذا الحديث: سألوا النبي عليه الصلاة والسلام أن يجعل لهم الصفا ذهباً، يعني بدل من الحجارة والطين يكون جبل الصفا ذهباً، يقلبه الله عز وجل ذهباً، والله عز وجل على كل شيء قدير، الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير. وطلب أيضاً أن ينحي الجبال عنهم فيزرعون، تعرفون أن مكة بين جبلين، بين الأخشبين، كما جاء في الحديث، يراد به الجبلان المحيطان بمكة. فطلبوا من النبي عليه الصلاة والسلام أن يدعو ربه أن ينحي عنهم الجبال، يعني يبعد الجبال، ويكون بدل هذه الجبال أرض زراعية صالحة للزراعة، فيزرعون، يعني يستغلون هذه الأرض في الزراعة. طلب هذا. فقيل للنبي عليه الصلاة... والله عز وجل يعلم ما يقول هؤلاء، فلعل الله عز وجل أرسل إلى نبينا جبريل عليه السلام، فقيل لهم: إن شئت أن تستأني بهم، ومعنى تستأني بهم يعني لا نحقق لهم مطالبهم، وإنما نؤخر ذلك من الأناة، يعني تأخير الشيء وعدم الاستعجال، وعدم الاستعجال. فإن شئت أن تستأني بهم يعني نؤخر عنهم ذلك، وتنظر ما هم صانعون. وإن شئت أن تؤتيهم الذين سألوا، الذين أو الذي عندهم، وإن شئت أن تؤتيهم الذي سألوا، يعني نؤتيهم الذي سألوا، لكن ما هو مقابل ذلك؟ قال: فإن كفروا... هم قالوا: سنسلم، صح، ونؤمن بك، إن أتيتنا بهذا. لكن لو أتيتهم بهذا واستمروا على كفرهم، قال: فإن كفروا مع وجود هذه الآية، أهلكوا كما أهلكت من قبلهم، يعني إن كفروا عجل لهم العقوبة، عجل لهم العقوبة، العقوبة. فمن رحمة النبي عليه الصلاة والسلام ورأفته أنه قال: لا بل أستأني بهم، يعني أصبر عليهم وأدعوهم، ولا أستعجل في نزول العذاب عليهم، لأنه يعلم عليه الصلاة والسلام أنهم أهل عناد، ولو نزلت عليهم من الآيات ما نزلت، فإنهم لم يؤمنوا. فقد طلبوا من النبي عليه الصلاة والسلام انشقاق القمر، فانشق القمر: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾، وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا: سحر مستمر. انظروا كم رأوا من الآيات، كم رأوا من المعجزات، ومع هذا لم يؤمنوا، واستمروا في كفرهم وعنادهم. فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: لا بل أستأني بهم. فأنزل الله عز وجل هذه الآية: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَن نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾، يعني ليس عدم نزولنا للآيات عن عجز، كلا، فالله عز وجل إذا أراد شيئاً أن يقول له: كن فيكون، سبحانه وتعالى. فليس عدم نزول الآية عن عجز وعدم قدرة، وإن، وإنما السبب في ذلك: إلا أن كذب بها الأولون. فهؤلاء سيكذبون بها، فسينالهم ما نال المكذبين من كان قبلهم من نزول العقوبة. وذكر ربنا عز وجل مثالاً في هذه الآية، فقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا﴾، قوم صالح عليه السلام طلبوا منه آية، لما دعاهم إلى الله، دعاهم إلى التوحيد، ماذا قالوا؟ طلبوا آية، وهي نزول ناقة، أن يأتيهم الله عز وجل بناقة لها شرب، ولهم شرب يوم معلوم، يشربون منها. فأعطاهم الله عز وجل هذه الآية، فكذبوا واستمروا في كفرهم، بل وعقروا الناقة، قتلوها، قتلوا هذه الناقة، فنزل عليهم العذاب والعقاب. فهذا مثال لأمة سبقت، طلبت الآيات، فأعطاهم الله عز وجل هذه الآية، فكذبوا بها، فأهلكهم سبحانه وتعالى. ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا﴾، بعدم إيمانهم وبقتلها. ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾، لما تنزل الآيات، هذا يؤذن، يؤذن بغضب الله وبعقوبة الله لمن نزلت عليهم هذه الآية. ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام لما يرى شيئاً من هذه الآيات يهرع إلى الصلاة والتضرع، كما في كسوف الشمس والقمر، كان عليه الصلاة والسلام يهرع إلى الذكر والتضرع والصلاة، ويأمر أصحابه، أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا تنخسف لموت أحد ولا لحياته، وإنما يخيف الله بها عباده، فهي تخويف. فشرع لنا عند نزول هذه الآيات الدعاء والتضرع، أن يرفع الله عز وجل عنا هذه الآية. ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾. وفي هذا الحديث بيان لعناد المشركين، وفيه كذلك، وفيه كذلك رحمة النبي عليه الصلاة والسلام بهذه الأمة، فقد جاءه جبريل ومعه ملك الجبال، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: هذا ملك الجبال، مره بأمرك وما شئت، وإن شئت أن يطبق عليهم الأخشبين، قال: لا، أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئاً. فهذا من رحمة الله عز وجل، من رحمة النبي عليه الصلاة والسلام بأمته، أمة الدعوة، وكذلك أمة الإجابة. وهذا مصداق قول الله عز وجل: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.