الدرس في الصحيح المسند من أسباب النزول 72، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض الشيخ حديث جابر بن عبدالله عن دخول أبي بكر وعمر على النبي صلى الله عليه وسلم فوجده واجماً بسبب طلب أزواجه التوسعة في النفقة، ويبين فضلهما ومعنى الواجم ومشروعية التأديب الخفيف. كما يستفيد من الحديث وجوب النفقة بالمعروف حسب الطاقة والعرف وأصل حب السعة في الفطرة.
يوضح المقطع حق الأب في توجيه ابنته المتزوجة وتأديبها لمصلحتها كما فعل عمر مع حفصة، ويسرد قصة تخيير النبي لأزواجه واختيار عائشة لله ورسوله. كما يبين مفهوم التيسير الشرعي الصحيح بأنه الأخذ بالرخص لا التساهل، ويقرر أن التخيير ليس طلاقاً مع ذكر سبب نزول آية التطهير.
يقرر المقطع أن آية التطهير نزلت في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فيدخلن في أهل البيت مع آل علي وعقيل وجعفر والعباس، ويرد على الطاعنين فيهن. ثم ينتقل لسبب نزول آية ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ في شكوى أم عمارة مع نقد تصحيح الحاكم وسكوت الذهبي وتصحيح مصطلح "أقره الذهبي".
يبيّن المقطع أن ذكر الرجال في النصوص على سبيل التغليب والأصل اشتراك الرجال والنساء في الأحكام إلا ما خص الدليل، مستدلاً بقول النبي ﷺ: "النساء شقائق الرجال". ويستعرض آيات قرآنية ذكرت فيها المؤمنون والمؤمنات والذكور والإناث تأكيداً على المساواة في الثواب والتكليف.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فقد أخذنا في الدرس الماضي حديث ابن عباس في سبب نزول قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ الآية، وقد ذكر شيخنا رحمه الله هذا الحديث بطوله، وأخذنا بعض شرحه ومعانيه والفوائد المستفادة منه. ثم أورد شيخنا رحمه الله حديثاً آخر من حديث جابر بن عبد الله، وقد يقول قائل: ولماذا هذا التكرار؟ فيكتفى بحديث واحد في سبب نزول هذه الآية. والجواب: أن شيخنا رحمه الله من أهل الحديث، فهو يحب أن يفيد القارئ بفوائد حديثية إسنادية وبفوائد متنية، فالحديث الآخر الذي سيذكره فيه من الفوائد ما لم تكن في الحديث الذي قبله، فلذلك أورده شيخنا رحمه الله تعالى. فقال: الإمام مسلم رحمه الله، وحدثنا زهير بن حرب، قال: حدثنا روح بن عبادة، قال: حدثنا زكريا بن إسحاق، قال: حدثنا أبو الزبير عن جابر بن عبد الله. ومعلوم أن رواية أبي الزبير عن جابر فيها تدليس، ولكن ما ورد في صحيح مسلم فقد حمله العلماء على الانتقاء، أي أن الإمام مسلم ينتقي من رواية أبي الزبير عن جابر ما هي مستقيمة وليس فيها تدليس، ولذلك قبلها العلماء. وأما في غير صحيح مسلم فإن رواية أبي الزبير عن جابر رواية فيها تدليس فترد. قال: عن جابر بن عبد الله قال: دخل أبو بكر رضي الله عنه يستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجد الناس جلوساً ببابه، أي أنهم جالسون ولم يؤذن لهم. قال: لم يؤذن لأحد منهم. قال: فأذن لأبي بكر فدخل، وهذا فيه فضل الصديق رضي الله تعالى عنه، فهو وزير رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو صديقه وصاحبه، وهو كذلك رفيقه. قال: فأذن لأبي بكر فدخل، ثم أقبل عمر فاستأذن فأذن له، وهذا أيضاً فيه فضيلة عمر، فإنه في الفضل والمنزلة يأتي بعد أبي بكر رضي الله تعالى عنهما. قال: قال فأذن له، فوجد النبي صلى الله عليه وسلم جالساً حوله نساؤه واجماً ساكتاً. ومعنى واجماً: الواجم هو الذي اشتد حزنه، الواجم هو الذي اشتد حزنه حتى أمسك عن الكلام من شدة الحزن، لا يتكلم، ربما تكلمه وهو يعني منشغل بما هو فيه من الحزن وضيق النفس، فهذا معنى واجماً. هذا معنى واجماً يعني الذي اشتد حزنه حتى أمسك عن الكلام، وساكتاً واضح. قال: فوجد النبي صلى الله عليه وسلم جالساً حوله نساؤه واجماً ساكتاً، قال: لأقولن شيئاً أضحك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذا كما تقدم فيه أن المسلم إذا رأى في أخيه الحزن وكذلك الكآبة، فإنه ينبسط له ويتودد إليه، وهكذا يذكر له من القول ما يؤنسه وما كذلك يذهب ما به من حزن وضيق. وفي هذه النسخة وجد حذف، قال: لأقولن شيئاً أضحك النبي صلى الله عليه وسلم: "لو رأيت ماذا عندك يا أخي؟ من عنده نسخة عندك نسخة من هذا الكتاب في مصدر هذا الحديث بعد قوله: لأقولن شيئاً أضحك النبي صلى الله عليه وسلم: لو رأيت..." يخاطب النبي عليه الصلاة والسلام، أي أبو بكر رضي الله تعالى عنه، قال: "لو رأيت بنت خارجة سألتني النفقة فقمت إليها فوجأت عنقها"، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا سقط في نسختي، هذا موجود عندك في هذه النسخة؟ موجود: "لو رأيت بنت خارجة". نعم، إذن هذا الفصل هنا حدث في هذه النسخة. ومعنى قوله: "لو رأيت بنت خارجة"، قيل إنها زوجة أبي بكر رضي الله تعالى عنه، فقال: "لو رأيت بنت خارجة سألتني النفقة"، يعني زوجته سألته النفقة، ويراد هنا بالنفقة التوسعة فيها، ليس أصل النفقة، ليس أصل النفقة وإنما التوسعة، وطلبوا ما لا يطيقه الزوج، وطلبوا ما لا يطيقه الزوج. فقال: "فقمت إليها فوجأت عنقها". وجأت من الفعل وجأ يجأ، وهو الطعن، وهو الطعن، يعني طعنها من باب التأذيب، من باب التأذيب، يعني طعناً خفيفاً للتربية وكذلك الأدب للتربية والأدب، وليس معنى الطعن بسكين أو الطعن الشديد، وإنما هو الطعن الخفيف من باب التربية والتعليم، مثل الضرب: ضرب الزوجة أو ضرب الولد، ليس بالضرب الشديد الذي يجرح الجلد أو يكسر العظم أو يؤثر تأثيراً بالغاً في الجسد، وإنما المراد بالضرب أو بالطعن الشيء الخفيف من باب التأذيب. فقال ذلك للنبي عليه الصلاة والسلام حتى يضحكه، فضحك النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: "هن حولي"، أي زوجاتي كما ترى يسألني النفقة. يعني يطلبن من النبي عليه الصلاة والسلام النفقة، وقلنا: هذا الأمر حصل من أزواج النبي عليه الصلاة والسلام فطرياً، هذا الشيء فطري، فإن طبيعة الإنسان وطبيعة البشرية حب السعة في النفقة والتمتع بما أحل الله عز وجل من الطيبات، من الطيبات والمباحات والمباحات. فقد تطلبك الزوجة بالتوسعة في النفقة وتطلب أشياء أنت لا تستطيعها، ولذلك أمر الله عز وجل بالنفقة بقدر القدرة، لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾. فالنفقة على الزوجات إنما يكون بالمعروف، وفي هذا يرجع المعروف إلى واقع الناس وعرف الناس، فنفقة البدوية ليس كنفقة الحضرية، ونفقة كذلك الصغيرة ليست كنفقة الكبيرة، ونحو ذلك مما يتعارف عليه الناس، مما يتعارف عليه الناس، فيرد أمر تقدير النفقة بالمعروف بما عليه العرف، وكما قال الله عز وجل: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، بما تعارف عليه الناس، فلا تعطى أكثر مما يُعطى نظائرها، أكثر مما يُعطى نظائرها، هذا من باب الوجوب، يعني لا تلزم الزوج بأكثر، لكن إذا أراد الزوج من تلقاء نفسه وقد وسع الله عليه أن يوسع على أهله فلا بأس بذلك، كما قال الله عز وجل: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾. وفي هذا ينبغي للمرأة والزوجة ألا تكلف زوجها ما لا يطيق، وتطلب ما لا يستطيع، وتطلب ما لا يستطيع، بل تصبر، تصبر وتكتفي بما يكون كفافاً لها ولأولادها، ولأولادها. فهذا الأمر صدر من زوجات النبي عليه الصلاة والسلام شيئاً فطرياً بمقتضى الطبيعة البشرية، فإن الطبيعة البشرية تحب السعة في المباحات وفي الطيبات. هكذا ذكر شراح هذا الحديث. فقال عليه صلاة والسلام: "هن حولي كما ترى يسألني النفقة". قال: فقام أبو بكر إلى عائشة يجأ عنقها، يعني يطعن عنقها، وكما تقدم أن المراد بالطعن هنا طعناً خفيفاً للتربية والتعليم، للتربية والتعليم، فأبو بكر أب لعائشة رضي الله تعالى عنها، فهو من باب تأديب الأب لابنته، من باب تأديب الأب لابنته. وقد ذكر العلماء أن ذلك أبلغ في الزجر، في زجر المرأة، فإن للأب الحق في توجيه وتأديب وتربية ابنته أمام زوجها إذا رأى مصلحة في ذلك، إذا رأى مصلحة في ذلك، كخوفه من طلاق زوجها لها، ذلك الزوج الصالح، ذلك الزوج صاحب الدين والخلق، إذا خشي أنه سيفارقها بسبب طلباتها وبسبب تكليفه ما لا يطاع، فللأب أن يتدخل وأن يؤدبها وأن كذلك يعلمها وأن يحثها على أن لا تطلب فوق طاقة زوجها. قال: فقام عمر إلى حفصة ابنته يجأ عنقها، يعني يطعن عنقها. قال: "كلاهما يقول: تسألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ليس عنده؟ كيف تسألنا النبي عليه الصلاة والسلام ما لا يستطيع وما ليس عنده؟ من أين يأتي لكما بما تطلبان؟" هذا من التربية. فقلنا: "والله لا نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً أبداً ليس عنده". فاستمعنا لنصائح وتوجيهات الآباء، وهكذا ينبغي للأبناء، ولو تزوجوا، ولو تزوجوا، ينبغي للأبناء أن يستمعوا لآبائهم، أن يستمعوا لآبائهم، وأن يأخذوا بتوجيهاتهم ونصائحهم. قال: ثم اعتزلهن شهراً، أي عليه الصلاة والسلام، أو تسع وعشرين، ثم نزلت عليه هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ حتى بلغ: ﴿لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. قال: فبدأ بعائشة، فقال: "يا عائشة، إني أريد أن أعرض عليك أمراً، أحب أن لا تعجلي فيه حتى تستشيري أبويك". وهذا فيه فضل الاستشارة، وأن المسلم إذا عرض عليه شيء تحير فيه أو ما يدري هل يقدم أو يحجم، فيستشير، فالاستشارة فيها البركة، وفيها كذلك الإصابة بإذن الله سبحانه وتعالى. قالت: "وما هو يا رسول الله؟" فتلى عليه الآية. قالت: "أفيك يا رسول الله أستشير أبويّ؟ بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة". وهذا فيه أن الاستشارة ما تكون في كل شيء، استشارة الغير ما تكون في كل شيء، وإنما تكون في الشيء الذي يحتاج إلى استشارة، لم يكن واضحاً، لم يكن بيناً، فيه لبس، وفيه اضطراب، ونحو ذلك، في هذا تستشير. أما الشيء الواضح البين فلا يحتاج إلى استشارة، ولذلك قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: "أفيك يا رسول الله أستشير أبواي؟ هذا شيء ما يحتاج إلى استشارة، بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة". قالت: "وأسألك ألا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلت". طلبت من النبي عليه الصلاة والسلام ذلك، ألا يخبر أحداً من نسائه بمختارة عائشة، حتى أولاً يسألهن ويرى جوابهن. قال: قلت: أي النبي عليه الصلاة والسلام، قال: "لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها"، يعني إذا قالت لي امرأة: ماذا اختارت عائشة؟ فإني سأخبرها، فإني سأخبرها. لماذا؟ قال: "إن الله لم يبعثني متعنتاً، لم يبعثني معنتاً ولا متعنتاً، ولكن بعثني معلماً ميسراً". ومعنى قوله: "لم يبعثني متعنتاً"، يعني في نفسي، فلا أقبل الحق، ولا كذلك أنشر الحق. "ولا متعنتاً"، يعني أضر بغيري وأحجم أو أمسك عن بياني ما فيه الحق لغيري، فهذا هو المتعنت والتعنت. متعنت في نفسه، معنتاً في نفسه، فهو لا يرضى لها الخير ولا يقبل الحق، ومتعنتاً لغيره، فلا يقول الحق لغيره، ولا كذلك يبين ما فيه الخير لغيره. قال: "ولكن بعثني معلماً ميسراً". وهذا من صفات نبينا عليه الصلاة والسلام أنه بعث معلماً للعالمين، كما قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾. فقد بلغ الرسالة عليه الصلاة والسلام، وأدى الأمانة، ونصح لهذه الأمة، وبلغ البلاغ التام، وعلم هذه الأمة، فما من خير إلا ودلها عليه، وما من شر إلا وحذرها منه. وكذلك ميسراً، أي أنه بعث بالتيسير لا بالتعسير والتشديد، فهذه الشريعة شريعة سمحة، شريعة ميسرة، ما فيها عبادات أو أعمال تشق على النفس، وكذلك تهلك هذه النفس، وإنما فيها من الأحكام الحكيمة، ومن الشرائع الميسرة. وننبه هنا على أن التيسير إنما يكون بالشرع، التيسير يكون بالشرع، لا يكون بالآراء، ولا بالعقول، ولا بالأهواء، ولا بكذلك العواطف، ولا بشيء من ذلك، وإنما يكون بالشرع. فما جاء في الشرع التيسير به أخذنا به، وما لم يرد الشرع بالتيسير به لم نأخذ به، لأن هذه اللفظة استخدمت في غير موضعها. فبعض الناس يقول للمتمسكين بالسنة: "دعوا هذا التعسير، دعوا هذا التشديد، يسروا"، وهو يريد أننا لا ننكر على الناس سماع الأغاني، أو ننكر على الناس التصوير، أو ننكر على الناس كذلك يعني اللهو واللعب ونحو ذلك، أو ننكر على الناس ترك صلاة الجماعة، يقول لك: "الدين يسر، ليش تلزم الناس بصلاة الجماعة؟ الدين يسر". هذا كان عنده عمل ثم جاء وقت الصلاة واستمر في عمله حتى انقضت الصلاة، لا تشدد عليه، هذا انشغل بعمل، لا تشدد عليه، الدين يسر. لا، ليس هذا المراد باليسر. اليسر ما جاء التيسير به، مثل ما جاء مثلاً في الصيام: بعد ما ذكر ربنا عز وجل الأحكام، المريض والمسافر، والرخص لهما في الصيام، ماذا قال؟ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾. هذا هو التيسير الشرعي، هذا هو التيسير الشرعي. إنسان مريض، أراد أن يفطر، يفطر، ثم إن شفاه الله يقضي ما عليه، هذا هو التيسير. إنسان ما استطاع أن يصلي قائماً، لا نشدد عليه، يقول: "إلا لابد أن تصلي قائماً"، لا، صلي جالساً، صلي على كرسي، ما يتيسر، هذا هو التيسير الشرعي. ليس معنى التيسير الشرعي أن تتساهل في الأحكام الشرعية وتقتحم النواهي والمحرمات، لا. فيفهم من التيسير ذلك، وقد جاءت الشريعة بهذا: "يسروا ولا تعسروا"، والتيسير يكون بما جاء به الشرع. ومما يستفاد من هذا الحديث أيضاً مسألة فقهية ذكرها العلماء، وهي أن تخيير الزوجة لا يعد طلاقاً، تخيير الزوجة لا يعد طلاقاً، وهذا ما بوب عليه الإمام مسلم في صحيحه، ما بوب عليه الإمام مسلم في صحيحه. فلو قال الزوج لزوجته: "إن شئتِ صبرتِ على الحال التي أنا عليها، وإن شئتِ ذهبتِ إلى أهلك، ونسأل الله أن يسر أمورك"، هذا لا يعد طلاقاً، هذا لا يعد طلاقاً، لأنه ليس مصحوباً بنية الطلاق، ليس مصحوباً بنية الطلاق. هذا مما ذكره العلماء أيضاً، لأن النبي عليه الصلاة والسلام لما خير أزواجه، لم يعد العلماء ذلك من الطلاق. ثم قال شيخنا رحمه الله: سبب نزول قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾. قال ابن أبي حاتم رحمه الله، كما في تفسير ابن كثير: حدثنا علي بن حرب الموصلي، قال: حدثنا زيد بن الحباب، قال: حدثنا عن حسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما، في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾، قال: نزلت في نساء النبي خاصة. وهذا الحديث استدل به العلماء على مسألة مهمة في باب حصر وتحديد آل بيت النبي عليه الصلاة والسلام. فقال الحافظ ابن كثير عليه رحمة الله، عند نزول أو سبب نزول هذه الآية، وهذا الحديث قال: "وهذا نص في دخول أزواج النبي عليه الصلاة والسلام في أهل البيت". هذا نص أن أزواج النبي عليه الصلاة والسلام يدخلن في آل البيت. لماذا قال الحافظ؟ لأنهن، لأنهن سبب نزول هذه الآية، لأنهن سبب نزول هذه الآية. قال: "وسبب النزول داخل فيه قولا واحداً"، يعني أن من كانت الآية سبباً، أو من كان هو سبباً في نزول الآية، فإنه يدخل في هذه الآية قولا واحداً، لا خلاف بين أهل العلم في ذلك، أن من كان سبباً في نزول آية من آيات القرآن فهو داخل فيها، فهو داخل فيها. وهذه الآية كما هو نص حديث ابن عباس: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾، نزلت في نساء النبي عليه الصلاة والسلام، فإذا، فإذا نساء النبي عليه الصلاة والسلام يدخلن في هذه الآية، فهن من آل بيت النبي عليه الصلاة والسلام. فقال: "وسبب النزول داخل فيه قولا واحداً، إلا ما قال قولا واحداً: إما وحده على قول، يعني ما يدخل إلا هو فقط في هذه الآية، أو مع غيره على الصحيح، يعني يدخل معه غيره". لأن القاعدة عند أهل العلم: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فالسبب وإن كان نزل في شخص ما أو في جماعة ما، فلا يمنع أن يشمل غيره، أن يشمل غيره. وهذا له أمثلة كثيرة مرت معنا، كقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾، قال الله عز وجل: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾، نزلت في ذاك الرجل الذي قبل امرأة، ثم جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقد ندم واستعظم هذا الذنب، فالنبي عليه الصلاة والسلام سكت، فنزلت هذه الآية، فقال هذا الرجل: "ألي هذه خاصة؟" قال: "بل لك ولغيرك"، أو كما قال عليه الصلاة والسلام. والأمثلة في ذلك كثيرة. ولذلك بين العلماء أن آل البيت هم أزواج النبي عليه الصلاة والسلام، ومن حرمت عليهم الصدقة، وهم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل العباس، كل من كان من ذرية هؤلاء مع أزواج النبي عليه الصلاة والسلام فهم آل البيت. وقد أورد الحافظ ابن كثير في تفسيره أدلة كثيرة على دخول، يعني بعض من غير أزواج النبي عليه الصلاة والسلام في آل البيت، كحديث الكساء، حديث الكساء: لما دعا النبي عليه الصلاة والسلام علياً وفاطمة ابنته، وجعلهما بين يديه، ثم دعا الحسن والحسين، فجعل أحدهما على رجله اليمنى والآخر على رجله اليسرى، ثم أتى بالكساء وغطى به هؤلاء جميعاً، ثم قال: "اللهم هؤلاء أهل بيتي، اللهم أذهب الرجس عنهم وطهرهم تطهيراً". فدل ذلك على أن آل علي كذلك من آل البيت، من آل البيت. وأورد كذلك أدلة أخرى على ذلك. فإذن قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾، نزلت في نساء النبي، وكما هي القاعدة أن سبب النزول داخل فيه من نزلت فيه قولا واحداً، إما وحده على قول، أو مع غيره فعلى الصحيح. فدخل مع أزواج النبي عليه الصلاة والسلام من ذكرنا، ممن تحرم عليهم الصدقة: آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل العباس. وهذا الحديث أيضاً فيه رد على الروافض الأنجاس الذين يطعنون في أزواج النبي عليه الصلاة والسلام، وقد قال الله عز وجل مثنياً عليهن ومزكياً لهن: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾، يعني يا أهل البيت، ويطهركم تطهيراً. فكيف بعد ذلك يرمى أزواج النبي عليه الصلاة والسلام بالقبيح من قبل هؤلاء الرافضة؟ فهؤلاء لا يؤمنون بالقرآن، ولا بالسنة، ولا بدين، وإنما دينهم دين اليهود، والعياذ بالله، ولذلك كفرهم العلماء. ثم قال شيخنا رحمه الله تعالى: سبب نزول قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية، والمؤمنين والمؤمنات، فالله عز وجل يذكر هذه الصفات بصيغة التذكير والتأنيث، بصيغة التذكير والتأنيث. فهذه الآية ورد فيها سبب نزول، فقال شيخنا رحمه الله تعالى: قال الإمام الترمذي رحمه الله: حدثنا عبد بن حميد، قال: حدثنا محمد بن كثير، قال: حدثنا سليمان بن كثير، عن حسين، عن عكرمة، عن أم عمارة الأنصارية، أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: "ما أرى كل شيء إلا للرجال، وما أرى النساء يذكرن بشيء". فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾. قال: هذا حديث حسن غريب، وإنما يعرف هذا الحديث من هذا الوجه. هذا قول الترمذي رحمه الله. قال شيخنا: وأخرج الحاكم من حديث أم سلمة نحوه، يعني جاء أيضاً من حديث أم سلمة، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وسكت عليه الذهبي. بعضهم يقول: وأقره الذهبي. فشيخنا ينتقد هذه العبارة، شيخنا الوادعي يقول: في مستدرك الحاكم لا تقول: "وأقره الذهبي"، لأن الإمام الذهبي لم يبين، لم يبين رحمه الله تعالى في تعليقه على الحاكم مستدرك الحاكم أنه يقر الحاكم فيما يقوله من أحكام، وإنما أحياناً يعلق، وأحياناً يسكت، فالسكوت ليس معناه أنه يقر الحاكم على ما قاله، لا يلزم ذلك، لا يلزم ذلك. فشيخنا يقول: الصواب أن نقول مثلاً: قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وسكت عليه الذهبي، ما علق بشيء، والسكوت قد يكون إقراراً وقد لا يكون إقراراً، فلا يلزم بأن يقال أنه أقره، وإنما لعله ما وقف على شيء، وما تبين له شيء، فسكت عن التعليق عن هذا الحديث. بين هذا شيء هنا في غير موضع من كتبه، ولذلك هنا قال: "وسكت عليه الذهبي"، تجد في بعض الكتب: "وأقره الذهبي"، وهذا خطأ، وهذا خطأ. قال: لكن مجاهد كثير الإرسال عن الصحابة، لأن هذا الحديث، أو الحديث آخر جاء من رواية أخرى عنده، حديث أم سلمة عند الحاكم جاء من رواية مجاهد عن أم سلمة، ومجاهد يرسل عن الصحابة، يرسل عن الصحابة، ولذلك قال: "فلا يدرى أسمعه من أم سلمة أم لا". قال: "وإنما ذكرته شاهداً"، يعني ذكر حديث أم سلمة شاهداً لحديث أم عمارة. قال: وأخرج الطبراني من حديث ابن عباس نحوه. قال الهيثمي في مجمع الزوائد: "وفيه قابوس وهو ضعيف، وقد وثق"، يعني في الشواهد، ضعيف في الشواهد. قال: ثم رأيت الحافظ ابن كثير رحمه الله قد ذكر لحديث أم سلمة في تفسيره طريقين آخرين، فجزاه الله خير الجزاء على حرصه على جمع طرق الحديث. وهذا مما يستفاد من جمع طرق الحديث، فالحديث إذا جمعت طرقه تبين حاله، تبين حال هذا الحديث، فالحديث بمجموع الشواهد، بمجموع هذه الروايات، يرتقي بإذن الله إلى درجة الحسن، أو إلى درجة الصحيح، لأن له طرقاً كثيرة، كما بين الشيخ رحمه الله. ومعنى هذا الحديث: أن النساء جئن إلى النبي عليه الصلاة والسلام، جاء في هذا الحديث الذي بين أيدينا أم عمارة الأنصارية، وجاء من حديث أم سلمة كذلك، وجاء من حديث غيرهما، قالوا: "ما أرى..."، قالت أم عمارة: "ما أرى كل شيء إلا للرجال"، يعني يذكر الرجال. وهذا ذكر العلماء أن الإكثار من ذكر الرجال دون النساء على سبيل التغليب، لأن الرجال أعمالهم، وكذلك الأحكام الشرعية بالنسبة لهم أكثر من النساء. فمثلاً: الرجال عليهم جهاد، والنساء ليس عليهن جهاد، الرجال عليهم صلاة الجماعة والجمعات، والنساء ليس عليهن ذلك، الرجال عليهم النفقة والقوامة، والنساء ليس عليهن ذلك، وهكذا أحكام كثيرة تتعلق بالرجال دون النساء، فمن باب التغليب يذكر الرجال أكثر من ذكر النساء. وجاء حديث يحسنه العلامة الألباني، قال عليه الصلاة والسلام: "النساء شقائق الرجال". فلذلك القاعدة عند أهل العلم: الأصل في الأحكام الشرعية أنه يشترك فيها الرجال والنساء، إلا ما خصه الدليل، إلا ما خصه الدليل، يعني ما جاء الدليل بتخصيصه للرجال أو تخصيصه للنساء، أو تخصيصه للنساء. فهناك أحكام خاصة بالرجال كما تقدم، وهناك أحكام خاصة بالنساء، فالعورة تختلف: عورة الرجل من المرأة، وكذلك أحكام أخرى تتعلق بالنساء لا توجد في الرجال، كأحكام النفاس والحائض ونحو ذلك، هذا مما يتعلق بالنساء. فالقاعدة في هذا: أن الأصل في الأحكام الشرعية اشتراك الرجال والنساء، إذا أطلق الأمر أو هذا الحكم، إذا أطلق فهو عام للرجال والنساء، إلا ما خصه الدليل، فالرجال شقائق النساء. ففي هذا الحديث: كأن النساء وجدن في أنفسهن، فقلن للنبي عليه الصلاة والسلام: "ما أرى كل شيء إلا للرجال، وما أرى النساء يذكرن بشيء"، ما يؤتى ذكر النساء في الآيات وفي الأحاديث. وهذا مثل ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام من وعظ الرجال وتذكير الرجال، فقلب النساء من النبي عليه الصلاة والسلام الموعظ والعلم، فقَصَّ لهن أياماً يذكرهن ويعظهن عليه الصلاة والسلام. فقالت هنا: "وما أرى النساء يذكرن بشيء". فنزلت هذه الآية التي طيبت خواطرهن، فذكر الله عز وجل هذه الألفاظ بالتذكير والتأنيث: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾، وهكذا إلى آخر الآية. ونظير هذه الآية آيات في القرآن يذكر فيها الرجال والنساء، أو الذكور والإناث. فمن يستحضر لنا بعضها؟ وردت في القرآن آيات كذلك فيها ذكر الرجال، ذكر النساء مع الرجال، فمن يستحضر شيئاً منها؟ نعم، نعم: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. آية أخرى؟ نعم: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾. ما شاء الله. آيات كثيرة: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾. زيدوا. ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾. نعم: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾. نعم: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾. وفي سورة آل عمران: ﴿لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾. والآيات في هذا كثيرة. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى.