تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 61

تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 61

الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 61، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

التوكل على الله: حقيقته ووجوبه والتوازن مع الأسباب

يشرح المحور معنى التوكل الحقيقي باعتباره اعتماد القلب على الله في جلب المنافع ودفع المضار مع وجوبه ككمال للإيمان. ويبين التوازن الشرعي بين الأخذ بالأسباب المشروعة والاعتماد على مسببها، محذراً من ترك الأسباب بدعوى التوكل أو الاعتماد عليها وحدها.

التقوى زاد الآخرة وتفسير نصر بدر

يوضح المحور أن التقوى هي الزاد الروحي الضروري لسفر الآخرة كما الزاد للجسد، ويستعرض حكمة تذكير الله بنصر بدر بعد أحد لتثبيت القلوب. ويفسر قوله تعالى "وأنتم أذلة" بقلة العدد والعدة لا الذل المعنوي، مبشراً بإمداد الملائكة مشروطاً بالصبر والتقوى.

إمداد الملائكة في بدر واختلاف المفسرين

يتناول المحور تفاصيل نزول الملائكة لنصرة المؤمنين في بدر بدءاً من ألف ثم الوعد بثلاثة آلاف وخمسة آلاف. ويناقش خلاف العلماء في حقيقة قتالهم أم كونهم للتثبيت وإلقاء الرعب، مؤكداً حسم الله المعركة بنصر نبيه.

خاتمة التفسير والاكتفاء بالآيات

يختتم المحور الدرس بالاكتفاء بما ورد في الآيات الكريمة من دلالات وعبر جامعة. ويقر بعلم الله المطلق بأسرار التشريع والتقدير في قصص الأنبياء والمتقين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة سعد رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿إِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ۝١٢١ إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. قال رحمه الله في تفسير آخر قوله جل وعلا: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. قال: في هذه الآية ونحوها وجوب التوكل، وأنه على حسب إيمان العبد يكون توكله. والتوكل هو اعتماد العبد على ربه في حصول منافعه ودفع مضاره. فالتوكل يعتبر من الواجبات، لا بد على المسلم أن يتوكل على الله، لكن التوكل يختلف من شخص إلى آخر، وكلما كمل توكل العبد كلما كمل إيمانه. ولهذا أعظم المتوكلين وأكثرهم توكلاً على الله الأنبياء. ولهذا تجد في القرآن ما من نبي من أنبياء الله إلا وهو يذكر التوكل على الله، وسواء كان في دعوته أو في رزقه أو في غيرها من الأمور. وكذلك أيضاً تجد في بعض الآيات وجوب أو أمر الله، أن الله عز وجل يأمر أنبياءه بالتوكل على الله جل وعلا، وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾. فلهذا فالتوكل أيضاً قال الله عز وجل في سورة إبراهيم على لسان بعض أنبيائه: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. فالتوكل على الله عز وجل زاد أهل الإيمان، فالتوكل هو الإيمان. فمن توكل على الله عز وجل كان مؤمناً بالله، كما قال الله عز وجل على لسان موسى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾. فالتوكل على الله عز وجل هو اعتماد العبد على ربه في حصول منافعه ودفع مضاره، يوكل أمره إلى الله، يعلم أن كل شيء بيد الله، لكن يتخذ الأسباب لذلك. ليس معنى ذلك أنه يترك الأسباب، فترك الأسباب خدش في التوكل، خدش في الاعتقاد. والاعتماد على الأسباب شرك، الاعتماد على الأسباب على أنها هي الأصل يعتبر شركاً، لأن مسبب الأسباب هو الله. فمن اعتقد في الأسباب فهو أشرك بالله جل وعلا معه غيرَه، ويكون هذا الشرك شركاً في الربوبية. فلهذا ترك الأسباب أو الاعتماد عليها شرك، كما قال شيخ الإسلام، وترك الأسباب خدش في الاعتقاد. الذي يريد أن يتوكل على الله لا يجد له أن يترك الأسباب، فإن هذا خدش في الاعتقاد. ولهذا أنكر الله عز وجل على قوم، كما في تفسير عبد الله بن عباس رضي الله عنه في قول جل وعلا: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. قال ابن عباس: إنه ناس من اليمن خرجوا إلى الحج بدون زاد، وقالوا: نحن المتوكلون. فكانوا يسألون الناس في الحج، أن يتوكلوا وسألوا الناس، فهذا خطأ. فأي توكل هذا؟ وإنما التوكل بالأخذ بالأسباب. لهذا قال الله عز وجل: ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾، أي تزودوا من الطعام والشراب في سفركم وفي حجكم وفي غيرها. ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. أيضاً يتزود العبد بتقوى الله جل وعلا، فهي خير الزاد الذي يتقوى به، فهو الزاد الإيماني والروحي. وزاد البطن هو الطعام الذي يتقوى به الجسد، أو زاد الجسد. وزاد الروح هو التقوى، تقوى الله جل وعلا. فلهذا يحتاج المسافر إلى أن يتزود بزاد الروح وزاد الجسد. بل كذلك أيضاً حتى ليس مسافراً، وإنما حتى مقيماً، فالمقيم هو مسافر أيضاً إلى الله، مسافر إلى الدار الآخرة، يحتاج إلى أن يتزود بزاد الجسد حتى يتقوى لطاعة ربه جل وعلا، وكذلك يتزود في روحه بالإيمان وبما يثبت الإيمان في هذا القلب. قال: فلما ذكر حالهم في أحد وما جرى عليهم من المصيبة، أدخل فيها تذكيرهم بنصره ونعمته عليهم يوم بدر، ليكونوا شاكرين لربهم، وليخفف عنهم، وهذا من حكمة الله جل وعلا وتأنيسه لعباده المؤمنين. فلما ذكرهم ببعض ما حصل من الفشل وبعض ما حصل في أحد، ذكرهم بنصرهم في بدر، وأن الدنيا سجال، يوماً لك ويوماً عليك. وكذلك أيضاً فيه من حكم الله عز وجل العظيمة، فقال جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. فقال هنا المؤلف: في ﴿نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾، أي في عددكم وعتادكم، فكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر، في قلة عدد ورثاثة سلاح، وأعداؤهم يناهزون الألف في كمال العدة والسلاح. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. وهذا القول الذي ذكره المؤلف هو القول الصحيح في تفسير هذه الآية. وفسرها بعض المفسرين، جاء عن بعض السلف: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾، أي كيف أنتم أذلة؟ ليس أذلة هنا المراد بها القهر وأيضاً الضعف، وإنما أذلة هنا مراد به قلة العدد وقلة العدة. وفسره بعضهم بأنه أذلة عند الكفار والمنافقين، واستدلوا بقول الله عز وجل لما ذكر قول عبد الله بن أبي: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾. قالوا: هذا في وجه، قالوا: أن الأذلة هنا على وجه نظر الكفار والمنافقين. لكن الذي ذكره المؤلف هو الصحيح، وهو مثل قول الله عز وجل في سورة الأنفال لما ذكر جل وعلا قلة المؤمنين وأنهم نصرهم الله عز وجل وهم قلة. فلهذا فهنا قول: ﴿وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾، أي قلة في عددكم وعتادكم، أي في سلاحكم، عددكم قليل وسلاحكم قليل، لأنهم خرجوا يوم بدر ليس للقتال وإنما خرجوا لأجل اعتراض العير، ثم حصل القتال وهم لم يتجهزوا بذلك، فلهذا فهم قلة في العدد وقلة أيضاً في العدة والسلاح، لكن نصرهم الله عز وجل. ثم قال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، لأن الله عز وجل قد نصركم في بدر وأعطاكم الظفر وأنتم قليل، فاحمدوا الله عز وجل على ذلك. وأما هذا فقد كتبه الله عز وجل عليكم، أي في أحد: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، أي الذي أنعم عليكم بنصره. ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ ۝١٢٤ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾. يقول شيخنا: ﴿إِذْ تَقُولُ﴾، أي مبشراً، أي في بدر للمؤمنين، مثبتاً لقلوبهم. وهذا بعد ما أنزل الله عز وجل ألف ملك، ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾. فأولاً أنزل الله عز وجل ألف ملك من ملائكته سبحانه وتعالى في بدر، يقاتلون مع المؤمنين. ثم قال في هذه الآية: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ ۝١٢٤ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾. قال: مثبتاً لقلوبهم. ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾. ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾، أي من فورهم هذا، ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾، أي معلمين، علامة الشجعان. واختلف الناس: هل كان هذا الإمداد حصل فيه من الملائكة مباشرة للقتال كما قاله بعضهم، أو أن ذلك تثبيت من الله لعباد المؤمنين وإلقاء الرعب في قلوب المشركين، كما قاله كثير من المفسرين، وكما قال المؤلف أنه مختلف: هل هذه الثلاثة آلاف والخمسة آلاف باشروا القتال أو لم يباشروا؟ فبعض أهل العلم قال: أن الألف باشرت القتال، والثلاثة آلاف والخمسة هي وعد من الله عز وجل، إن صار مد للمشركين أنه يمدهم بهذا المدد. وقيل: أن الثلاثة آلاف باشرت، والخمسة كان وعداً من الله، لأنهم سمعوا كما ذكر ابن إسحاق وغيره أن جابر بن كرز أو غيره كان يهم بمد المشركين، أو صرح بأنه سيمد المشركين في بدر، سيمدهم بالرجال، فدخل شيء من الرعب في قلوب المؤمنين، فأنزل الله عز وجل هذه الآية تأييداً لهم واطمئناناً لقلوبهم. ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾، أي يأتوكم من فورهم هذا، أي من المشركين، يأتيهم مدد، أيضاً أقصد يأتيهم معونة من غيرهم من المشركين. فإن جاء ذلك، ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾، معنى مسومين: من الملائكة الشجعان الذين عليهم علامة الشجاعة. فهذا وعد من الله عز وجل. لكن الخلاف في مسألة الثلاثة آلاف: هل هي وعد أيضاً أم أنها باشرت القتال؟ والذي جاء صريحاً أن الألف هم الذين باشروا القتال في بدر، كما هو مبين في سورة الأنفال. وأما تلك الثلاثة فقد يكون من باب الإمداد أيضاً والطمأنينة، وقد يكون أن الله عز وجل أنزلهم، أو أنه وعد من الله عز وجل. لكن حسم الله عز وجل بذلك المعركة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾، أي سينزلهم الله عز وجل، هل هذا يكفيكم؟ فكأنه قال: بلى، هذا يكفي. لكن قال الله عز وجل: ﴿إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾، تصبر على هذه المواجهة وتتقوا الله عز وجل، ﴿يَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾، أي من المشركين، فإن الله عز وجل يمددكم بخمسة آلاف من الملائكة، ليس ثلاثة فقط بل بخمسة، أن زاد الله عز وجل في الإمداد. وهذا وعد من الله، لكن حسم الله عز وجل المعركة بهؤلاء الألف ومن كان معهم من عدة بدر رضي الله عنهم، فحسم الله عز وجل به المعركة، وهزم أهل الشرك، وقتل صناديدهم، ونصر الله عز وجل عبده محمداً صلى الله عليه وسلم ورفع ذكره، وكذلك خذل المشركين. فهذا لم يمدهم بعد ذلك لأنه قد حصل المقصود، وإنما هذا باب الاطمئنان أن الله عز وجل مؤيدهم وناصرهم جل وعلا. فهذا ما يذكر في هذه الآيات، ونكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.